بقلم/ فايز أبوالبشر
الدوحة – قطر
طرحت مجلة «أفق جديد» استبياناً بعنوان “ملامح انهيار الدولة ومستقبل مؤسساتها في ظل الوضع الراهن”. وربما كان من الممكن فهم مثل هذا الطرح لو قُدِّم عقب انقلاب 30 يونيو 1989م بسنوات قليلة، باعتباره محاولة مبكرة لاستشراف النتائج الكارثية التي ستقود إليها سياسات الحركة الإسلامية بعد استيلائها على السلطة بالقوة، وما تبع ذلك من تدمير ممنهج لمفهوم الدولة ومؤسساتها، عبر احتكار السلطة والثروة، وتقويض مبادئ العدالة والمواطنة المتساوية.
أما اليوم، وبعد أكثر من ثلاثة عقود من التآكل المستمر، وسبع سنوات على سقوط نظام الإنقاذ، ثم حرب 15 أبريل 2023م التي دمّرت ما تبقى من مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية والأمنية، فإن الحديث عن “ملامح انهيار الدولة” يبدو متأخراً، لأن الدولة السودانية دخلت فعلياً مرحلة الانهيار منذ سنوات.
فالسودان لا يعيش أزمة حكم عابرة يمكن تجاوزها بإصلاحات جزئية، بل يواجه أزمة وجودية عميقة تعود جذورها إلى ما بعد الاستقلال، حين ورثت النخب السياسية مؤسسات الحكم الاستعماري دون أن تؤسس مشروعاً وطنياً جامعاً يقوم على العدالة والتنمية المتوازنة والمواطنة. بل أعادت إنتاج ذات العقلية المركزية التي اعتمدت على السيطرة الأمنية واستغلال الموارد وسياسات التهميش.
وإذا كان الاستعمار قد سخّر السودان لخدمة مصالحه الاقتصادية والجيوسياسية، فإن نخب ما بعد الاستقلال استخدمت الدولة لخدمة شبكات المصالح السياسية والاقتصادية المرتبطة بها، بينما تُركت غالبية الشعوب السودانية خارج دائرة التنمية والسلطة، تُستدعى فقط عند الحاجة لتجميل واجهات الأنظمة المدنية والعسكرية، ثم تُعاد إلى التهميش والفقر مجدداً.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن تتحالف قوى سياسية ومدنية مع الحركة الإسلامية تحت شعارات مثل “حرب الكرامة” و“حماية مؤسسات الدولة”، رغم أن مؤسسات هذه الدولة نفسها كانت جزءاً أساسياً من إنتاج الأزمات والحروب والتخلف. فكرامة الوطن لم تُنتهك فقط بعد حرب أبريل ٢٠٢٣م، بل ظلت منتهكة منذ سنوات عبر التفريط في السيادة الوطنية، والتعديات الحدودية، والانتهاكات المتكررة للأراضي والأجواء السودانية.
لقد فشلت النخب السياسية، التقليدية والحديثة، في تقديم مشروع وطني جامع يؤسس لدولة المواطنة والقانون، ليس فقط بسبب ضعف الرؤية، وإنما أيضاً حفاظاً على الامتيازات التاريخية وموازين القوة القديمة. لذلك ظلت الأزمة تُعاد إنتاجها بصورة مستمرة، بينما يُحرم الشعب السوداني من حقه في بناء دولة عادلة ومستقرة.
كما لعب الجيش، بتكوينه المختل وتحالفاته السياسية، دوراً محورياً في تعميق الأزمة الوطنية منذ الاستقلال وحتى اليوم، خاصة بعد اندماجه العملي مع مشروع الحركة الإسلامية، الأمر الذي جعله شريكاً مباشراً في دفع البلاد نحو الانهيار الشامل.
لذلك فإن السؤال الحقيقي اليوم لم يعد: ما ملامح انهيار الدولة؟
لأن الدولة، كمؤسسات وعقد اجتماعي ورمزية سياسية، انهارت بالفعل. فقد تشتت الشعب بالحروب واللجوء، وتمزقت الأرض بالنزاعات والتدخلات الخارجية، وفقدت السلطة مشروعيتها السياسية والأخلاقية، بينما تفككت مؤسسات الدولة بصورة غير مسبوقة.
والخطر الآن لم يعد مجرد انهيار الدولة، بل احتمال تلاشي السودان نفسه. فخطاب العنصرية والجهوية والكراهية الذي تصاعد خلال الحرب عمّق الانقسامات الاجتماعية بصورة تهدد ما تبقى من الروابط الوطنية، وجعل مهمة إعادة بناء الدولة أكثر تعقيداً.
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء بوصف الانهيار، بل التفكير الجاد في تأسيس دولة جديدة على أنقاض الدولة القديمة؛ دولة مدنية ديمقراطية تقوم على سيادة حكم القانون، والعدالة، والمساواة، والشفافية، وتقطع صلتها مع إرث الاستبداد والتمييز والهيمنة.
دولة تستوعب التنوع السوداني بكل مكوناته الثقافية والاجتماعية داخل مشروع وطني جامع، يشعر فيه كل سوداني بأن الوطن يمثله بلا إقصاء أو وصاية.
لقد تجاوز السودان مرحلة الحلول المؤقتة والتسويات الشكلية، وأصبح بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يشارك في صياغته جميع السودانيين واصحاب المصلحة، ويؤسس لنظام سياسي ودستوري مختلف، يعالج جذور الأزمة لا أعراضها.
فالسؤال المركزي اليوم لم يعد: كيف انهارت الدولة؟
بل: كيف نبني دولة المؤسسات والقانون على أنقاض هذا الخراب؟
abu_elbashr@yahoo.com
