أحمد إبراهيم أبوشوك
أُسس مجلس السيادة السوداني الأول (1956-1958) على نموذج اللجنة الخماسية، التي شُكِّلت عام 1954 لمعاونة حاكم عام السودان البريطاني أثناء الفترة الانتقالية. وطُرحت عشيه الاستقلال فكرة اختيار لجنة خماسية، تكون في شكل هيئةً مؤقتة تُمهِّد الطريق لانتخاب رئيس لجمهورية السودان. غير أنّ هذه الصيغة المؤقتة تحوّلت لاحقًا إلى مجلس سيادي دائم في الفترات الانتقالية والتحولات الديمقراطية، قام على توازنات سياسية كان قطباها الرئيسان: الحزب الوطني الاتحادي وحزب الأمة. وقد اعتمدت رئاسة المجلس في نسختها الأولى والثانية على مبدأ التداول الشهري على منصب الرئاسة، والذي حقق توافقًا بين أعضاء المجلس والكتل السياسية، لكن ابتداءً من تموز/يوليو 1965 أصبحت رئاسة المجلس رئاسة دائمة، في إطار تسوية سياسية، مقصدها تقاسم السلطة بين الحزبين الكبيرين؛ إذ أصبح إسماعيل الأزهري رئيسًا دائمًا لمجلس السيادة، في المقابل تولّى محمد أحمد محجوب رئاسة مجلس الوزراء ممثلًا لحزب الأمة. غير أنّ هذه الثنائية سرعان ما أفرزت توتّرًا سياسيًا وصراعًا مكتومًا ومعلنًا بين الطرفين، على الرغم من أنّ الدستور قد أوضح بجلاءٍ اختصاصات رئيس مجلس السيادة ورئيس مجلس الوزراء. ومن الشواهد الدالة على ذلك في 20 أكتوبر 1965 تقدم سبعة وزراء من الحزب الوطني الاتحادي باستقالتهم من الحكومة الائتلافية بين حزب الأمة والوطني الاتحادي احتجاجًا على القرار القاضي بأن يقوم رئيس الوزراء محمد احمد محجوب بترأس وفد السودان إلى القمة الافريقية بدلاً من رئيس مجلس السيادة اسماعيل الازهري. وبعد ثورة ديسمبر 2018–2019، ارتفع عدد أعضاء مجلس السيادة إلى أحد عشر عضوًا، ثم ازداد إلى أربعة عشر عضوًا عقب توقيع اتفاق جوبا للسلام عام 2020. كما شهد المجلس لأول مرة تمثيلًا نسائيًا ملحوظًا بضم عضوتين إلى عضويته، وذلك قبل انقلاب 25 أكتوبر 2021. غير أن هذا التوسع في عضوية المجلس يثير تساؤلات مشروعة بشأن جدواه الوظيفية ومبرراته المؤسسية. فهل يحتاج السودان بالفعل إلى هذا العدد الكبير من أعضاء مجلس السيادة؟ وما القيمة المضافة التي يقدمها هؤلاء الأعضاء في إدارة شؤون الدولة؟ والأهم من ذلك، ما هي الاختصاصات الدستورية والتنفيذية المحددة التي تبرر هذا التوسع؟ إن هذه التساؤلات تكتسب أهميتها من واقع أن كثيرًا من مهام أعضاء المجلس تبدو متداخلة مع اختصاصات السلطة التنفيذية ومؤسساتها المختلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى خلق حالة من الازدواجية في اتخاذ القرار وتوزيع المسؤوليات، فضلًا عن زيادة الأعباء المالية والإدارية على الدولة. ومن ثم، فإن القضية الأساسية لا تتعلق بعدد الأعضاء أو الجهات التي يمثلونها، وإنما بمدى وضوح الدور الوظيفي لمجلس السيادة نفسه، وحجم إسهامه الفعلي في تعزيز كفاءة مؤسسات الحكم وتحقيق الاستقرار السياسي.
مشكلات التكوين وغياب الرؤية
يثير الجدل المتكرر حول تشكيل مجلس السيادة في السودان سؤالاً أكثر أهمية من الجدل الدائر حول أسماء الأعضاء أو التوزيع الجغرافي والجهوي للمقاعد، وهو: ما الحاجة الفعلية إلى وجود مجلس سيادة في بنية الدولة السودانية؟ وما الوظائف الدستورية والسيادية التي يضطلع بها هذا المجلس بحيث تبرر استمراره وتكاليفه الإدارية والمالية؟
إن النقاش العام غالباً ما ينصرف إلى قضايا المحاصصة السياسية وتمثيل الأقاليم والولايات، بينما يغيب السؤال الأساسي المتعلق بطبيعة المؤسسة نفسها ودورها في هيكل الحكم. فالمؤسسات السيادية في النظم السياسية الحديثة تُنشأ عادةً لأداء مهام محددة تتعلق برئاسة الدولة، أو حفظ التوازن بين السلطات، أو الإشراف على قضايا السيادة الوطنية الكبرى، وليس لمتابعة الشؤون التنفيذية اليومية التي تقع ضمن اختصاص الوزارات والأجهزة الإدارية المحلية.
ومن هذا المنطلق، تثير بعض الممارسات المعلنة في وسائل الإعلام تساؤلات مشروعة حول حدود اختصاص مجلس السيادة. فعندما تُنقل أخبار تفيد بأن أحد أعضاء المجلس ناقش مع مسؤولي هيئة الكهرباء مشكلة انقطاع التيار الكهربائي في مدينة بورتسودان، يبرز التساؤل حول ما إذا كانت مثل هذه القضايا تدخل ضمن المهام السيادية العليا للدولة، أم أنها من صميم اختصاص السلطة التنفيذية ممثلة في الوزارة المختصة أو السلطات المحلية والإدارية. فمعالجة المشكلات الخدمية اليومية، مهما بلغت أهميتها، تُعد في العادة جزءاً من العمل التنفيذي والإداري، لا من العمل السيادي الذي يفترض أن يركز على القضايا الاستراتيجية الكبرى.
وتقود هذه الملاحظة إلى إشكالية أوسع تتعلق بمدى وضوح الصلاحيات والاختصاصات الموكلة إلى مجلس السيادة. فإذا لم تكن هناك مهام دستورية محددة ومتميزة عن مهام مجلس الوزراء والوزارات والأجهزة التنفيذية، فإن وجود المجلس قد يتحول إلى مؤسسة رمزية تفتقر إلى الوظيفة العملية الواضحة، أو إلى إطار لاستيعاب التوازنات السياسية والترضيات النخبوية، بما يترتب على ذلك من أعباء مالية وإدارية تتحملها الدولة في ظل أوضاع اقتصادية بالغة الصعوبة.
لذلك، فإن المراجعة الجادة لمؤسسة مجلس السيادة ينبغي أن تبدأ من الإجابة عن أسئلة جوهرية: ما هو مجلس السيادة؟ وما الضرورة الدستورية والسياسية لوجوده؟ وما الوظائف التي لا يمكن أن تؤديها مؤسسات أخرى في الدولة؟ وكيف يسهم في تعزيز كفاءة الحكم واستقرار النظام السياسي؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة أكثر أهمية من الخوض في تفاصيل تشكيل المجلس أو عدد أعضائه، لأن أي مؤسسة سياسية لا تستمد مشروعيتها من الأشخاص الذين يشغلونها، بل من الوظيفة العامة التي تؤديها ومدى إسهامها في تحقيق المصلحة الوطنية.
ahmedabushouk62@hotmail.com
