مشكلة السودان فى دارفور: (من منظورنقدى لتاريخ السودان) (1/16) .. بقلم: حامد على نور
3- لستُ اكاديميا او متخصصا فى التاريخ او فى علم الاجتماع، وانما سعيت ان أقرأ تاريخنا الوطنى قراءة نقدية تسقط الكثير مما حملته الينا تلك الافتراءآت المدونة باسمه. والنقد هو الوسيلة المعرفية الاساسية للوصول الى الحقيقة، وهو أهم اداة ابتدعها العقل البشرى للبناء المعرفى. لقد تناول شأن تاريخنا الوطنى من هذا المنظور كثيرون، وهم اطول منا باعا وارسخ قدما ، فسبروا غوره وأوفوه حقه وقدره. ومساهمتنا المتواضعه هذه انما تتناول تاريخ دارفور كدراسة حالة من حالات ذلك التزييف المفضوح للتاريخ. فتزييف تاريخ الوطن قد ساهم بشكل فاعل فى ترسيخ المفاهيم والممارسات العنصرية المعلنة منها والمخفية من قبل نخبة اهل الثقافة المهيمنة فى البلاد، تلك الثقافة التى تمثل فى تقديرى، جوهر ازمة الوطن وعمقها الدامى.. ومهما يكن من امر، فانا لا اهدف لمحاكمة التاريخ، كما لا اُحمل جيل الحاضر مسئولية خطايا الماضى ومثالبه، وانما اسعى فقط، لمواجهة واقع ماضينا البشع، وضرورة الاعتراف برواسبه فى حياتنا. ومجددا اتفق تماما مع المفكر والعالم السودانى، الدكتور منصور خالد، فهو خير من كتب عن ازمة الوطن وتناول نخبته – وهو منهم، واليهم ينتمى- بالنقد والتحليل العلمى الموضوعى، وفى هذا الصدد يوضح:
تاريخ التكوين الاجتماعى للسودان
13- ونتيجة لمصاهرات العرب بالسكان المحليين، زواجا كان او تسريا، والاخير هو الاكثر انتشارا، ومع مرور الزمن وانتشار الديانة الاسلامية بين الحكام والنخب المجتمعية المؤثرة التى تغلغل العرب فى اوساطها ، فقد انتشرت العربية ايضا كلغة دين ولغة تواصل بين الشعوب المتعددة وبذلك هيمنت الثقافة العربية الاسلامية الجديدة وتغلبت على المحلية. ولعل اكبر تغير اجتماعى وثقافى حدث فى هذه الفترة هو تحول النسب العائلى و ميراث السلطة السياسية، من الامومة الى الابوة، اى من (الرحم)، الى ما يُعرف فى الفقه الاسلامى ب (العَصَبة). وعلى سبيل المثال فان الاميرة السودانية التى يتزوجها عربى، سيصبح ابنها (من العربى)، اميرا او حتى ملكا، وذلك بحكم الاعراف والتقاليد لملوكية السائدة فى اغلب افريقيا آنذاك. وبوصول ملك من اب عربى الى سدة الحكم، يتحول ميراث السلطة من بعده الى العصبة، اى الى ابن الملك من ظهره او الى اخيه من ابيه وليس لابن اخته اوابن بنته كما كان سائدا. هذا التحول ادى لرسوخ تمييز او سمو الاصل العربى فى مفهوم هجناء السودان. اما مفهوم الهجين نفسه فى ثقافة العرب، فهو ابن المرأة غير العربية وهو عندهم معيب. وقد اوضح ابوالعباس احمد بن يحى ذلك بشكل جلى بقوله: “الهجين هو الذى ابوه خيرُ من امه”، بمعنى ان اباه عربى وامه غير عربية، (انظر لسان العرب لا منظور)، ويكون الامر معيرة حقيقية للهجين حينما تكون الام افريقية سوداء، فيصطدم الهجين بأزمة لونه وملامحه المختلفة عن ابيه العربى، فيسعى فى دأب للالتصاق (بعصبته)، والتفاخر بها فى محيط خؤلته السود الذى يتعالى عليهم. ومن المعلوم ان الآباء العرب قلما يعترفون، ناهيك ان يتفاخروا، بأبنائهم من السرارى السوداوات. ولعل فى سيرة عنترة بن شداد فى التراث العربى، ما يكفى من الدليل على هذا الواقع.. ولقد كان عنترة اكرم واعز جانبا منًا نحن مستعربي السودان، فقد كان يعيش فى محيط مجتمع عربى ابيض، يتوق للتخلص من عبوديته الاجتماعية ونيل حريته، اكثر مما كان يتوق الى النسب العربى. فانتسابه لعَصَبته من البيض لم يخفى عنه افريقيته المتمكنة منه لونا وملمحا، مثل تمكنها من اى سودانى آخر، وكما قال هو: “…فما لسواد لونى من دواء”. لكن سواد لون عنترة لم يقلل من عزة نفسه الابية، ولله دره من قائل: (لاتسقنى ماء الحياة بذلة.. بل فأسقنى بالعز كأس الحنظل)؛ فعزة النفس التى كان يتوق اليها عنترة هى حريتة فقط والفكاك من اسر العبودية.. وعلى كل فقد انتزع عنترة حريته بينما فشلنا نحن مستعربى السودان ان نكونوا عربا معتبرين، بقدر فشلنا فى ان نكونوان افارقة محترمين..! ثم عز علينا بعد ذلك ان نرضوا لأنفسنا بان نكون مسخا للاثنيين! ..فبينما نرى انفسنا عربا، بل وانتحلنا الانتساب الى اشراف العرب!… الا اننا فى نظر العرب (أسياد الاسم)، افارقة سود وندعى الانتساب للعروبة!.. ومن جانب نضطهد اخوتنا وابناء جلدتنا الافارقة، بل ويطلقون عليهم صفة “العبيد “.. لكن اخوتنا ”العبيد” هولاء يسخرون منًا، ويتهكمون علينا، اذ يروننا غِربانا نختال بريش طوائيس!.
لا توجد تعليقات
