مع بابكر بدري (15) .. بقلم: الصادق عبدالله عبدالله
25 يناير, 2015
منشورات غير مصنفة
28 زيارة
هذه مقالات متتابعة تحكي عن حياة الشيخ بابكر بدري كما رواها هو في كتابه المسمى تاريخ حياتي .. ولقد قام هذا المحرر بتلخيص ذلكم الكتاب ، وها هو ينشره للنفع العام ، في حلقات متتابعة، على غرار (بداية المجتهد ونهاية المقتصد). لعمري لن يستغني المجتهد عن قراءة الكتاب الأصل. أما المقتصد والذي لا يجد سعة في وقته، أحسب أن هذه المحررات ستعطيه الفكرة والمعلومات الكفيلة بالتعريف بالشيخ المعلم المجاهد التاجر الفقيه والسياسي ايضاً.، رحمه الله وأحسن إليه.أرجو أن يسعد القراء بهذا العمل..
رب بارك لي وأربي صالح العمل القليل.. وأنسجن بالنور دربي واحفظني لا أميل.
الصادق عبدالله عبدالله
sadigabdala@gmail.comكرري ونهاية المهدية:
في يوم الأربعاء آخر أغسطس سنة 1898م، سمعنا صوت أم بايا (البوق) وصوت النحاس (الطبل). وبسؤالنا علمنا أن الخليفة شرع خارجاً لكرري(شمال مدينة أم درمان، حيث واقعة كرري الشهيرة). فخرجت تواً ولحقت بالجيش في خور شمبات، حيث بتنا ليلتنا هناك. وفي صباح الخميس تجاوزتنا الوابورات فضربت طوابي (تحصينات) شمبات وتوتي والخرطوم. وسمعنا صوت طوابي أم درمان ترد عليها. وفي حوالي الساعة الرابعة عربي (العاشرة صباحاً) سمعنا صوت سلاح جيشنا. وبسؤالنا عرفنا أن أن إحدى الوابورات غرقت وسلمت الثانية، وجيئ بدفتها (زعنفة المؤخرة) إلى الخليفة، فضرب السلاح بشرى بالنصر. وفي الظهر استأنفت الوابورات الضرب . وفي الرابعة مساءاً بدأ ضرب القنابل في قبة المهدي. وقد صلينا المغرب في مكاننا الذي نحن فيه منذ النهار. وقد علمنا انه تم تكليف الأمير يعقوب الذي استخلف على المدينة أن يمر في المدينة وان يذبح كل من لم يخرج إلى الجهاد. وقد كانت مكيدة من الخليفة ليمنع التسرب من ميدان المعركة.
في الصباح علمنا أنّ حملة السلاح الناري توجهت شمالاً إلى جبل كرري. ونزل الأمير عثمان دقنة والأمير عثمان أرزق ناحية النهر، تحت جبل ضرغام. ورأينا رايات الخليفة على ود حلو جهة الشمال الغربي، منّا نحن أنصار الراية الزرقا ء. وفي الساعة السابعة صباحاً سمعنا دوي السلاح من العدو ومن سلاحنا الناري. وفي الثامنة صباحاً مر علينا الجرحى من جيش الأمير عثمان دقنة، يحمل المجروح بأربعة آخرين لا يعترضهم أحد. قلتُ لأصحابي إذا جرح منّا أحد سأجرح معه من دمه وسيحملنا الباقون فننجو. وقد كان الخليفة قريب منّا، إلى جهة الغرب معه حاشيته وأمامه الملازمية (دائرة الحراسة) جلوساً على بعد نحو عشرين ياردة. في الحادية عشر والنصف جاء خبر إلى الخليفة باستشهاد الأمير إبراهيم الخليل ، رحمه الله. فقال الخليفة بصوت سمعناه: شيلوا عنقريبي (سريري) احملوه عليه وادفنوه في بيته.
ثم رأينا سلاح العدو يلمع ويخفت، فلما ظهروا، نادى الخليفة بصوت سمعته: اب جكة قم خذ الأخوان دول صدوا أعداء الله. فقامت قوة الملازمية ونحن ننظرهم. فتقدموا نحو مائة متر وأكثر بقليل وضربوا بطلق متقطع. رد عليهم جيش العدو فلم يرجع منهم أحد، من مات منهم أو من تماوت. وتقدم نحونا، حتى صار يصلنا رصاصه. صاح أحدنا على حصان، قائلاً: إلى متى نقف؟ إلى أن يمسكونا بايديهم. ثم همز حصانه. وخلعت الراية وجرينا نحو كثيب رملة وشجيرات، رقدنا جميعنا في صف واحد. واشتد علينا رمي الرصاص. فأنا الذي كنت اتعرض للوابورات ولا أبالي بلقاء الجيش. والذي كنت هاجرت ضمن تسعة أشخاص فقط لفتح حلفا، صرت اليوم أدعك رأسي في الرمل، من شدة خوفي من الموت. حتى ضرب جاري بابكر مصطفى في يده الشمال، فتذكرت ما قلتُه لأصحابي. فخلعت عمامتي ولوثتها في دمه وربطت بها ذراعي الشمال وقلتُ للجماعة صرنا اثنين مضروبين. فحملونا، ولما صرنا خارج الوادي جرى كل واحد منّا على جهته التي أرادها. ثم حملت مع مختار محمد الجريح وجرينا نحو الغرب وجيش من العدو خلفنا.
ولما رأي الجريح أنه مهما جرينا لا نخرج عن دائرة الخطر، طلب أن نتخلى عن حمله. عندها جرى اسرع منّا وما كنا نلحق به. وكلما اسرعنا نحس أننا في سلامة. وفي تلك اللحظة الدقيقة قلتُ لمختار ممتحناً له أبصق مثلي هكذا، وبصقت . فقال لي في الحال وفي مثل هذه الساعة الضيقة أنت جمعت هذا فابصق غيره. فضحكنا. رأينا أن نتجه بجرينا صوب الجنوب. ففعلنا ونجونا. أركبنا جريحنا في حمار لأحد أصدقائنا. والتفتنا غرباً فرأينا خليفة المهدي على حمار أبيض، ومعه جماعة متجهين نحو ام درمان.
وصلنا إلى ام درمان ، جاءنا خبر اجتماع الخليفة بالسيد المكي وأن الخليفة لمّا بلغه نبأ استشهاد أخيه يعقوب، أطرق وجرى عرقه. فقد كان الأمير يعقوب نعم الأخ والوزير الذي آذر الخليفة، رحمه الله رحمة واسعة. كما كان الأمير يعقوب مثالاً للتواضع والاعتدال. أذكر كنا يوماً نسير في الطريق، إذ قابلنا موكب الأمير يعقوب. فنزلنا من حميرنا التي مرت أمامه. وقفنا ريثما يمر الأمير. إلتفت إلينا الرجل العظيم وقال السلام عليكم. أأنتم طيبون.. وعيالكم .. وتجارتكم.. التجار ركن من أركان المهدية. وبعد كل سؤال نقول نعم سيدي. وقد أشار لبعض حرّاسه أن يمسك حميرنا، ثم قال أمشوا، بارك الله فيكم.. واشار أن نمر أمامه.. توقفنا.. قال امشوا الأدب في المطاوعة. فمشينا ونحن نلهج بمدحه والدعاء له.
أخبرني الشيخ محمد عمر البنّا الذي كان مع الخليفة في كرري، أنه عندما اقترب العدو، أن السيد المكي قال للخليفة الدين منصور مادمت حياً ، فلنتحيز من العدو، لئلا يتمكنوا من أسرنا وفينا خليفة المهدي. قال الشيخ البنّا لما رأيت أن الخليفة لم ينكر ذلك، أمسكته من عضده وانهضته. ثم خطونا خطوات ليلحق بنا أحد بحمار أركبنا عليه الخليفة. وفارقتهم عندما دخلنا إلى أم درمان وقابلت شارع بيتي. خرجتُ بعد الثاثة ظهراً، أطمئن الناس على حياتي. فوجدتُ أورطة (جماعة) من جيش الحكومة (الجيش الغازي)، تعرفت عليهم ، فالكثير منهم من أسوان، حيث كنت أسيراً. سألت من بعض قادتهم ، فقابلت منهم البتجاويش بخيت موافي الذي عانقني لما رآني. وقال من العجيب أننا قبل ساعتين كنّا نتحارب ، والآن نحن أصدقاء نتسالم. وأخذ منّي سيفي ليحفظه خوفاً من أن تستباح المدينة فافقده. ولم نعرف كيف خرج الخليفة من أم درمان، إلا ما سمعناه أنه تمهل حتى أرسل لمن يأمل في صحبتهم له في هجرته، مثل الشيخ بانقا، السيد المكي ومدثر الحجاز وغيرهم.
انتهى الجزء الاول ليبتدئ الجزء الثاني ببداية الحكم الثنائي