مقاربة تاريخية في تجارب فترات الانتقال السياسي في السودان

التجمع الوطني الديمقراطي لإنقاذ الوطن أبريل 1985- أبريل 1986(2/2)
استولى الجيش على السلطة في السودان في 25 مايو 1969 عبر انقلاب عسكري نفذه تنظيم الضباط الأحرار بالتحالف مع بعض التنظيمات اليسارية، ولستمر النظام المايوي في تقلباته السياسية يسارا ويمينا حتى سقوطه الداوي في أبريل 1985.
وفي عامي 1984 و1985 تضافرت عدة عوامل وأسباب سياسية واقتصادية واجتماعية دفعت الشارع السوداني للثورة على النظام المايوي، تمثلت هذه الأسباب والعوامل في تدهور الوضع الاقتصادي وتفاقم عمليات العنف والقمع والاضطهاد ضد القوى السياسية ونشطائها، واتساع رقعة الحرب الأهلية في جنوب البلاد، وتداعياتها التي أدت إلى خسائر فادحة في الأرواح وسط القوات المسلحة والحركة الشعبية لتحرير السودان، فكان لها تأثيرها على الأوضاع الاقتصادية،فتوقف العمل في مشروع جونقلي وعمليات التنقيب عن البترول في مناطق بحر الغزال وجنوب
كردفان. وعلى المستوى الاجتماعي أدت الحرب الأهلية إلى نزوح مجموعات كبيرة من سكان جنوب السودان إلى شماله علاوة على لجوء أعداد أخرى إلى دول الجوار الأفريقي، وإلى جانب عمليات النزوح واللجوء الواسعة انتشرت المجاعة وتفشت الأمراض الوبائية الفتاكة وسط هذه المجموعات. وهكذا كان لاندلاع الحرب الأهلية وتصاعدها انعكاسات وأثار خطيرة على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية مما هيأ الشروط الموضوعية للانتفاضة الشعبية.
تحرك اتحاد طلاب جامعة أم درمان الإسلامية والذي كان يسيطر عليه تحالف التضامن الاسلامي المكون من الطلاب الأنصار وحزب الأمة ورابطة الطلاب الاتحاديين ومؤتمر الطلاب المستقلين،حيث خرج طلاب جامعة أم درمان الإسلامية صبيحة يوم الثلاثاء 26 مارس 1985 في تظاهرة صاخبة اتجهت إلى مقر جمعية ودنميري بام درمان وقذفوا مبانيها بالحجارة واحرقوا بعض سياراتها، وفي اليوم التالي خرج طلاب معهد الكليات التكنولوجية(جامعة السودان ) وانضم إليهم عمال المنطقة الصناعية بالخرطوم وتوجهوا صوب مباني السفارة الأمريكية منددين بالنظام وتبعيته، وفي يوم الخميس 28 مارس خرجت مظاهرات طلاب جامعة
القاهرة فرع الخرطوم( جامعة النيلين ) وانضمت إليهم جموع كبيرة من المواطنين مما دعا السلطات الأمنية لمحاصرة الجامعة واجبار إدارتها على اغلاقها، ومن بعد عمت المظاهرات كل أنحاء العاصمة بمدنها الثلاثة وانطلقت المواكب في الأحياء ليلا ونهارا.
تطلع الشعب السوداني إلى نظام سياسي جديد ومع تصاعد وتيرة المظاهرات وغليان الشارع في العاصمة وامتداد المظاهرات إلى الأقاليم أعلنت الهيئة النقابية لاطباء الخرطوم ونقابة المحامين وقوفهما الي جانب الشارع الثائر، ومن ثم بدأت نقابات المهنيين والموظفين والعمال في التحرك فانضمت أكثر من ثلاثين نقابة واتحاد على رأسها الهيئة النقابية لاساتذة جامعة الخرطوم واتحاد طلاب الجامعة للدعوة للعصيان المدني والاضراب السياسي الشامل،وتم تحديد يوم الأربعاء الثالث من أبريل موعدا لتنفيذه على أن يستمر حتى سقوط النظام.
وباعلان العصيان المدني والاضراب السياسي تعطلت الخدمات فانقطع التيار الكهربائي وخطوط الهاتف والمواصلات وتوقفت حركة الملاحة الجوية واغلقت الأسواق، وفي محاولة لإنقاذ نفسها أعلنت السلطة تخفيض أسعار الخبز والزيوت والصابون ووعدت
بتشكيل لجنة لدراسة تخفيض أسعار السلع الأخرى،ورغم ذلك تواصلت المظاهرات وزخمها واتضح تصميم الحركة الجماهيرية لاقتلاع النظام ووضح عزلة السلطة وبداية تراجعها أمام قوى الانتفاضة.
وفي صبيحة السبت السادس من أبريل 1985 أعلن وزير الدفاع والقائد العام لقوات الشعب المسلحة المشير عبدالرحمن محمد حسن سوارالذهب أن القوات المسلحة وحقنا للدماء وحفاظا على استقلال الوطن ووحدة أراضيه قررت بالإجماع أن تنحاز إلى جانب الشعب وخياراته وأن تستجيب لرغباته بالاستيلاء على السلطة ونقلها إلى الشعب عبر فترة انتقالية محددة، واعلن الجيش عن تكوين مجلس عسكري انتقالي من قيادات الوحدات العسكرية في العاصمة إلى جانب مجلس للوزراء يتكون من التكنقراط والرموز النقابية المستقلة.
وبعد تكوين هياكل النظام الانتقالي تحددت مهامه وفقا لميثاق تجمع القوى الوطنية لإنقاذ الوطن والذي شكل حاضنة سياسية لحكومة الفترة الانتقالية،وجاء في الميثاق أنه تتويجا لانتفاضة 26 مارس وموكب 3 أبريل التاريخي والذي تلاحمت فيه القوى السياسية السودانية واستجابة لنداء التجمع النقابي وما تبعه من تراص شعبي جسور شمل الأحزاب الوطنية والاتحادات
النقابية والمهنية وناشد الميثاق القوات النظامية لتأخذ مكانها إلى جانب الشعب. ونص الميثاق على قيام حكم قومي ديمقراطي انتقالي لفترة ثلاث سنوات(قلصت إلى عام واحد ) خلالها تنتظم المشاركة السياسية وفقا لدستور السودان المؤقت لسنة 1956 المعدل 1964 ( أعلن عن دستور السودان الانتقالي لسنة 1985 ) والذي منح السلطة السيادية للمجلس العسكري ووضع سلطة التشريع في يد المجلسين وأشار الدستور الانتقالي إلى ضرورة تمثيل القوى الحديثة في المؤسسات الدستورية، وكفالة الحريات الأساسية المتمثلة في التنظيم والتعبير والعقيدة والعمل والتنقل، وحل قضية الجنوب في اطار حكم ذاتي إقليمي يقوم على أسس ديمقراطية،والتحرر من التبعية الاقتصادية عن طريق تنمية الثروات والموارد الطبيعية، وتبني سياسة عدم الانحياز لأي محور إقليمي أو دولي لتحقيق مبدأ السيادة الوطنية، وتصفية المؤسسات من رموز وبقايا الآثار المايوية،وتحكم البلاد بعد الفترة الانتقالية بواسطة دستور تقره هيئة منتخبة تمثل الشعب السوداني.
عجزت حكومة الفترة الانتقالية في التوصل لحل قضية الجنوب والتي شكلت هاجسا سياسيا أرق كل الحكومات الوطنية التي تعاقبت على حكم السودان،
وبذلت جهدا للحل ففي 27 مايو 1985 بعث اللواء عثمان عبدالله وزير الدفاع رسالة إلى العقيد جون قرنق رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان لفتح قنوات التواصل،وبعثت الحكومة برسالة ثانية الي قيادة الحركة الشعبية من رئيس الحكومة دكتور الجزولي دفع الله في الأول من يونيو قدم فيها تنويرا عن أن تدخل الجيش في 6 أبريل 1985 ساهم في نجاح الانتفاضة،وأن حكومته مستعدة لإرسال وفد لمقابلة الحركة في اي مكان لبدء حوار جاد معها،ورد رئيس الحركة الشعبية على الرسالة بجملة من المطالب أبرزها تسليم المجلس العسكري الانتقالي السلطة للمدنيين الذين قادوا الانتفاضة وعودة الجيش إلى ثكناته،وأن تلتزم الحكومة بمناقشة مشكلة السودان وليس مشكلة الجنوب في مؤتمر وطني جامع يناقش نظام الحكم في السودان،واشترط في رسالته رفع حالة الطوارئ وإلغاء قوانين ساهم برسالة 1983 واتفاقيتي الدفاع المشترك مع مصر وليبيا. رد رئيس الوزراء الانتقالي على رسالة رئيس الحركة الشعبية في العاشر من نوفمبر 1985 قائلا أن المجلس العسكري الانتقالي ومجلس الوزراء تم تشكيلهما باجماع قوى الانتفاضة وأن الحكومة على استعداد للنظر في رفع حالة الطواريء،أما قوانين
سبتمبر يمكن النظر فـي أمرها في المؤتمر المقترح،وبعدها توقف التواصل بين الحكومة الانتقالية والحركة الشعبية لتباعد الشقة بين الطرفين.
فطنت القوى السياسية والنقابية بضرورة استدامة النظام الديمقراطي والمحافظة عليه فنادى التجمع الوطني الديمقراطي لصياغة ميثاق الدفاع عن الديمقراطية واعلن الميثاق في حشد جماهيري بميدان المدرسة الأهلية بام درمان في 17 نوفمبر 1985 وجاء فيه أن قادة الاحزاب السودانية والنقابات المهنية والقوات المسلحة يؤكدون التزامهم المطلق بالحريات،وأن يتحول التجمع الوطني إلى جبهة مقاومة شعبية فور اي اعتداء على الديمقراطية، وغاب عن التوقيع في الميثاق من القوى السياسية الجبهة القومية الإسلامية. واستمرت حكومة الفترة الانتقالية تعاني من الأزمات السياسية والاقتصادية الي حين إجراء الانتخابات في أبريل 1986 وانتهاء أجلها.
ومما تقدم يتبين لنا أن الفترات الانتقالية في أكتوبر 1964 (جبهة الهيئات ) وابريل 1985 (التجمع الوطني الديمقراطي لإنقاذ الوطن ) لم تتاح لهما الفرصة الكاملة لإنجاز مهام الانتقال والتحول الديمقراطي وأن بعض القوى السياسية ساهمت في تقليص أجل الفترة
الانتقالية إلى اقصر مدة ممكنة والتعجل للانتخابات،وحصر هياكل السلطة الانتقالية في جهازين سيادي وتنفيذي وتعمد غياب الجهاز التشريعي الانتقالي في التجربتين وهو المناط به مراقبة ومحاسبة السلطة التنفيذية.
ا.د عادل علي وداعه (جامعة سنار)
adilali62@gmail.com

عن عادل علي وداعه عثمان

شاهد أيضاً

مقاربة تاريخية في تجارب فترات الانتقال السياسي في السودان (2-2)

التجمع الوطني الديمقراطي لإنقاذ الوطن أبريل 1985- أبريل 1986ا.د عادل علي وداعه (جامعة سنار)استولى الجيش …