د. السر أحمد سليمان
جامعة حائل – السعودية
على الرغم من توفر العديد من النظريات المتعلقة بالتعلم، إلا أنّ تحديات التطور الرقمي، والذكاء الاصطناعي قد أدى إلى ظهور تحديات كبيرة في مجال التعليم والتعلم. فقد أصبحت المعلومة متاحة، ولا تحتاج إلى معلم أو مقرر تعليمي، وإنّما تحتاج فقط إلى معرفة مهارات الوصول إليها، وتقييمها، والتعرف على استخدام التقنيات والتطبيقات والبرامج الرقمية الحديثة.
ونتيجة لذلك فقد أصبحت هناك حاجة لتغيير فلسفات وسياسات التعليم، ونظريات التعلم، وتحويلها من تمحورها حول مصادر المعرفة، وكيفية اختيار المعرفة المناسبة للمتعلمين، وكيفية تقديمها لتحقيق الأهداف التربوية، إلى كيفية بناء شخصية المتعلم المنتجة للمعرفة، وانتقاء المناسب من المعرفة المتدفقة، وتنمية التفكير النقدي، والمهارات التقييمية للمتعلم لكي يتعامل مع المصادر والمعلومات المختلفة بفاعلية ووعي.
مفهوم التعلم في العصر الرقمي:
ارتبط مفهوم التعلم بالمتعلم في معظم النظريات السيكولوجية والتربوية في الأدب التربوي، ولكن بعد ظهور بعض النظريات الحديثة في التعلم مثل: النظرية الاتصالية في التعلم (Connectivism)، وغيرها من النظريات التي جاءت استجابةً للتحول الرقمي وانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبح منظرو التعلم والتربية ينظرون إلى أنّ التعلم يمكن أن يحدث من خلال بناء شبكات من العلاقات والاتصالات مع الأشخاص والمصادر الرقمية وقواعد البيانات، وليس فقط داخل عقل الفرد. لأنّ المعرفة أصبحت موزعة عبر شبكة من الأفراد والمؤسسات والتقنيات. وبناء على ذلك أصبح التعلم هو عملية إنشاء روابط بين مصادر المعرفة، وذلك من خلال القدرة على معرفة أنّ مكان المعلومة أهم من حفظها، ولذلك أصبح التعلم عملية مستمرة تتغير مع تغير المعلومات. وأصبح اتخاذ القرار جزء من عملية التعلم، لأنّ المعرفة قد تتغير بمرور الزمن. وفيما يلي بعض المبادئ الأساسية للتعلم في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي:
التعلم والمعرفة يعتمدان على تنوع الآراء.
التعلم هو ربط بين مصادر متعددة للمعلومات.
التعلم قد يحدث خارج الإنسان من خلال التقنيات وقواعد البيانات.
المحافظة على الروابط المعرفية ضرورية لاستمرار التعلم.
القدرة على اكتشاف العلاقات بين الأفكار مهارة أساسية.
تحديث المعرفة باستمرار شرط للنجاح في العصر الرقمي.
دور المعلم في العصر الرقمي والذكاء الاصطناعي:
يتمثل دور المعلم في بيئة الذكاء الاصطناعي من ناقل للمعلومات إلى:
مصمم لخبرات التعلم.
مرشد لاختيار المصادر الموثوقة.
موجه للاستخدام الأخلاقي للذكاء الاصطناعي.
مقوم للأداء الحقيقي للمتعلمين.
ينظم بيئات التعلم الرقمية.
مدرب ومنمي لمهارات التفكير النقدي والتحقق من المعلومات.
يشجع على التعلم التعاوني وبناء المجتمعات المعرفية.
دور المتعلم في العصر الرقمي:
في العصر الرقمي نجد الذكاء الاصطناعي يساعد المتعلم في الوصول إلى المعرفة، وتحليل البيانات، والتعلم المستمر. فالذكاء الاصطناعي لا يحل محل المعلم، بل يصبح شريكًا معرفيًا يساعد المتعلم على بناء شبكة تعلم شخصية أكثر فاعلية. وذلك كما يلي:
أولاً: توظيف الذكاء الاصطناعي في التعلم: من خلال الوصول الذكي إلى المعرفة، البحث الدلالي عن المعلومات، اقتراح المصادر العلمية الموثوقة، تلخيص المقالات والكتب والأبحاث، وترجمة المحتوى العلمي إلى لغات متعددة.
ثانيا: بناء شبكة تعلم شخصية (PLN): بحيث يساعد الذكاء الاصطناعي المتعلم على: اقتراح الخبراء والباحثين في مجال الاهتمام، ترشيح الدورات التعليمية المناسبة، تنظيم مصادر المعرفة، ومتابعة أحدث الدراسات والمنشورات.
ثالثا: التعلم المخصص (Personalized Learning): بحيث يقوم الذكاء الاصطناعي بـ: تحليل مستوى المتعلم، تحديد نقاط القوة والضعف، اقتراح أنشطة تناسب احتياجات المتعلم، وتعديل مستوى الصعوبة تلقائيًا.
رابعا: التعلم التعاوني الذي يساعد في: تنظيم فرق العمل، توزيع المهام، تلخيص النقاشات، اقتراح أفكار جديدة للمشروعات، وإدارة جلسات العصف الذهني.
خامسا: إنتاج المعرفة: بحيث يمكن للمتعلمين استخدام الذكاء الاصطناعي في: إعداد العروض التقديمية، تصميم الإنفوجرافيك، إنتاج الفيديوهات التعليمية، كتابة التقارير الأولية، تحليل البيانات، والبرمجة والمحاكاة.
سادسا: التغذية الراجعة الفورية: بحيث يوفر الذكاء الاصطناعي: تصحيحًا فوريًا، اقتراحات للتحسين، تفسير الأخطاء، وتدريبًا إضافيًا حسب الحاجة.
استراتيجيات وأساليب التعليم في العصر الرقمي:
التعلم الإلكتروني.
التعلم التشاركي.
المجتمعات المهنية للتعلم.
المدونات والويكي.
المنتديات التعليمية.
الفصول الافتراضية.
التعلم القائم على المشروعات.
التعلم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث والتعلم.
بيئات ووسائط التعليم في العصر الرقمي:
منصات إدارة التعلم (LMS)
المقررات المفتوحة واسعة الانتشار (MOOCs)
المجتمعات التعليمية عبر الإنترنت.
استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث والتلخيص والتغذية الراجعة.
التعلم التعاوني عبر التطبيقات السحابية.
تقويم التعلم في العصر الرقمي:
في العصر الرقمي أصبح تقويم التعلم لا يقتصر على قياس مقدار ما حفظه المتعلم من معلومات، بل يركز على قدرة المتعلم على الوصول إلى المعرفة، وبناء الشبكات، وتوظيف المعلومات، وإنتاج المعرفة، ومشاركتها. ومقدرة المتعلم على توظيف التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي بفاعلية. وبصورة أكثر تحديدا فإنّ تقويم التعلم يركز على الأداء الواقعي والكفايات الرقمية أكثر من الاختبارات التقليدية. ومن أجل ذلك يتم توظيف مثل هذه الأساليب والأدوات التقويمية: التقويم الإلكتروني عبر منصات التعلم، ملفات الإنجاز الإلكترونية (E-Portfolio)، التقويم القائم على المشروعات، تقويم الأداء العملي، التقويم الذاتي، تقويم الأقران، المناقشات الإلكترونية، تحليل المشاركة في الشبكات التعليمية، والاختبارات الإلكترونية التكيفية عند الحاجة.
وتتمثل مؤشرات نجاح المتعلم من خلال مقدرته على: الوصول السريع إلى المعرفة المناسبة، التمييز بين المعلومات الصحيحة وغير الموثوقة، بناء علاقات معرفية جديدة، استخدام المعرفة في مواقف جديدة، التعاون الفعال مع الآخرين، والتعلم بصورة مستقلة ومستدامة. وتتمثل نواتج التعلم التي يتم تقويمها لدى المتعلمين في العصر الرقمي في كل مما يلي:
القدرة على البحث عن المعلومات من مصادر موثوقة.
تقييم مصداقية المعلومات وتحليلها.
المشاركة في المجتمعات التعليمية الرقمية، والتعاون مع الآخرين لإنتاج المعرفة.
توظيف المعرفة في حل المشكلات الواقعية.
إنتاج محتوى رقمي (عروض، تقارير، فيديوهات، مدونات، إنفوجرافيك…).
التعلم المستمر وتحديث المعرفة.
sirkatm@hotmail.com
