من اغتراب الجسد إلى اغتراب المشروع الوطني

من اغتراب الجسد إلى اغتراب المشروع الوطني
الشباب في الغربة وهاجس رحلة العودة التي لا تكتمل

د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

تحدثت سالفاً عن الذاكرة التي لا تغيب و”رفقة طيبة كانت” نوراً في ليالي رحلة اغترابنا البعيدة. كان حديثاً عن الذكريات، والحنين، والصحبة التي جمعتنا في مدينة جامعية سويدية. كان حديث القلب وعن معاناة الشباب في الغربة ورحلة العودة التي كانت في الأذهان بعد اكتساب الخبرة، لكنها لم تكتمل والسنين التي ننتظرها قد فاتت

واليوم، يحين وقت حديث العقل وقد آن الأوان، فنسأل كيف يتحول ذلك النور إلى مشروع وطن ؟
هنا الجواب المختصر: هو بذرة ناضجة “تنظر موعد الخريف وزخات المطر”. الفلَّاح الناجح هو من يسرع يزرعها ويتولى مهمتها وحصاد ثمارها

لغز التعايش في الغربة: بناء الأساس
من تجربتي الخاصة مع الغربة، أتأمل ظاهرة اجتماعية فريدة: يسافر آلاف الشباب سنوياً خارج أوطانهم طلباً للعلم، في رحلة تكون غالباً أول اختبار تقييم حقيقي للهوية والانتماء. يمرون بمراحل صعبة من تأثير الغربة والحنين للوطن وأهلهم، لكن العجيب أنهم في تلك البلاد الجديدة ومناخاتها المختلفة سرعان ما يمتصون الصدمات النفسية والحضارية فيبنون جسوراً من الصداقة والتعاون مع أقرانهم من مختلف الثقافات والألوان. يتكيفون، يستقرون، وربما يستوطنون

التحليل النفسي يظهر أن هذا التحول يحدث عبر آليات متعددة
التكيف التدريجي:
من الصدمة الثقافية إلى التأقلم الكامل

المرونة النفسية:
قدرة مذهلة للعقل البشري على إعادة تشكيل الهوية

اكتشاف الإنسانية المشتركة:
رغم الاختلافات الظاهرية، يكتشف المغترب أن الجوهر الإنساني غني بمزايا تجمع الشعوب في نادي واحد . على سبيل المثال نجد سودانيين يعيشون في النرويج أو روسيا، يتزوجون من تلك المناطق ، ينجبون، ويبنون حياة مستقرة في مجتمعات بالغة البرودة – مناخياً واجتماعياً ودينياً أحياناً – ومع ذلك ينجحون في التعايش والبناء في تلك البيئات

السؤال الفلسفي الكبير:
إذا كان الإنسان قادراً على هذا التعايش الجميل في بيئة الاغتراب، فلماذا تتفشى الصراعات والانقسامات في داخل الأوطان الأصلية؟

الإجابة التحليلية تكمن في أن الصراعات تنشأ في حالات تتعدد، منها :
تحول الاختلافات إلى هويات متصارعة
إستغلال النخب السياسية الانقسامات لمصالح شخصية ضيقة
غياب الحوار الوطني الجامع لصالح الخطاب الأحادي
إنتشار الفساد يضعف العدل، رغم وجود دساتير وقوانين تحكم
الحسد “والعياذ بالله ” وسوء الظن والنية . من تجربتي الشخصية وغيري، والله يعلم، كم من مشاريع بحوث ودراسات علمية عظيمة الفائدة لم تر النور في أوطاننا لأنها “قفلت” في الأدراج فماتت. اجهزة ومعدات طبية تبرع بها اطباء سودانيون، وعند وصولها الميناء لم يسمح بدخولها قبل دفع الجمارك، فحولت هدية لدولة مجاورة

من التجربة الشخصية إلى المشروع الوطني:
كل عام، إذا صدقت النية “وصلح المناخ السياسي واللوجستي ” سيتمكن آلاف الشباب المتعلمين من العودة الطوعية إلى أوطانهم محملين بهذه الكنوز وليس حصرا:
بخبرات في استعمال الذكاء الاصطناعي وأخرى تقنية وإدارية متطورة
بشبكات علاقات دولية واسعة
برؤى جديدة للحكم والإدارة
بأفكار ونماذج ناجحة للمساهمة في تطوير كل متطلبات التنمية

لكن التجربة أثبتت أن معظم هذه الطاقات لا يحالفها النجاح فتذهب سدى في كثير من بلداننا العربية والأفريقية. لماذا؟
الأسباب :
البيروقراطية المقاومة للتغيير: الفساد في عرقلة المعاملات بهدف الحصول على المنفعة الشخصية
غياب آليات دمج العائدين: لا توجد مؤسسات ذات خبرة ودلالات بحثية وبعد نظر لتستقبل هؤلاء وتوظف خبراتهم
الخوف من الجديد: تخوف المؤسسات التقليدية من الأثر الأخلاقي والاجتماعي للأفكار الجديدة
ثقافة الريع والفساد: التي تجعل من السهل كسب المال دون عمل منتج

نماذج عالمية ناجحة نغفل عنها ولا نستفيد منها:
سنغافورة: استفادت من عودة كفاءاتها في بناء نظام تعليمي وصحي متطور خلال عقد واحد
كوريا الجنوبية: حولت مغتربيها إلى سفراء للتقنية والابتكار، وكانوا عماد النهضة الصناعية
ماليزيا: استعانت بخبرائها في الخارج لبناء سياسات تنموية ناجحة قادت “نهضة آسيوية” حقيقية

رسالة إلى صانعي القرار في كل دولة نامية
الأرقام التي لا ننتبه لها
كل دولار يُستثمر في استعادة الكفاءات يعود بخمسة دولارات على الاقتصاد الوطني
إذا توفرت بيئة من المساواة الاجتماعية والشفافية والانضباط (حرية، سلام، عدالة)، فإن سبعين في المئة من المغتربين المستهدفين مستعدون للعودة إلى أوطانهم
الدول التي تستفيد من مغتربيها تحقق قفزات تنموية خلال جيل واحد فقط

خارطة طريق عملية للإصلاح المرحلي تدرس بدقة :
مرحلة الطوارئ (0-12 شهراً):
إنشاء ” وكالة مستقلة “بدون تمييز” ذات صدق وأمانة وشفافية ووطنية لإستعادة الكفاءات الوطنية”
إطلاق منصة “إحصاء تخصصي” إلكترونية لتسجيل وتصنيف الخبرات
تخصيص حوافز ضريبية للشركات التي توظف العائدين

مرحلة بناء الأساس (1-3 سنوات):
برامج توطين الخبرات في القطاعات الحيوية
مشاريع مشتركة بين العائدين والمؤسسات المحلية
إصلاح جزئي للبيئة التشريعية لدعم الابتكار

مرحلة التكامل (3-5 سنوات):
مشاركة العائدين في صنع السياسات
تحول العائدين إلى مدربين للأجيال الجديدة
بناء اقتصاد المعرفة كبديل لاقتصاد الريع

أمثلة مقترحة لمشاريع وسياسات تنموية يمكن البدء بها فوراً:

في التعليم
برنامج “أستاذ زائر” يسمح للأساتذة المغتربين بالتدريس فصلاً دراسياً سنوياً
تطوير مناهج مشتركة مع جامعات عالمية عبر وساطة الخبراء المغتربين
تبادل الزيارات الطلابية بين جامعاتنا والعالم
التعليم للجميع وبالمجان
العالم تغير بعد كورونا. كثير من المغتربين لا يحتاجون للعودة الكاملة ليفيدوا أوطانهم. بل يمكنهم العمل أو التدريس “عن بُعد” وهم في بلاد الاغتراب

في الاقتصاد
حوافز استثمارية (ضرائب، وجمارك مخفضة للسنوات الثلاثة الأولى ) للشركات الناشئة التي يؤسسها عائدون
مكاتب استشارية مجانية أو برسوم رمزية يقدمها خبراء مغتربون

في الإدارة المحلية
برنامج “مدينتي” حيث يتبنى كل خبير مغترب تطوير بلدية أو مدينة
استشارات إلكترونية مستمرة مع خبراء في التخطيط الحضري

الخدمات الصحية
تشجيع ودعم مجال التخصصات الطبية بفروعها خاصة في مجال الطب الوقائي Public Health
نشر مراكز الرعاية الصحية الأولية المجانية
إهتمام خاص بصحة وسيكلوجية الطفل اثناء الحمل وحتى سن البلوغ
العلاج مجانا في مستشفيات الدولة لجميع المواطنين

المواصلات
تأهيل الطرق القومية وسكك الحديد
إنشاء مطارات إقليمية ودولية تنافس عالمياً
إتاحة الإنترنيت لكل إنسان وبسعر زهيد

دور الكفاءة النسائية
لابد من مكان مرموق لتمكين دور المرأة، فهي نصف المجتمع، بل هي المدرسة الأولى في الحياة كلها. فالمهاجرات المتعلمات في يومنا هذا بحمد الله يمثلن نسبة كبيرة. اضافة إلى التزامات الكفاءات العالية التي يتمتعن بها يعانين من تحديات مضاعفة . على سبيل المقارنة مسؤلية كل امرأة تجاه زوجها وأطفالها بل ربما والديها في كثير من الأحيان عند كبرهم. لذلك يجب الاهتمام بوضعهن وتخصيص برامج دعم للباحثات والمتخصصات العائدات، وتذليل العقبات الاجتماعية والإدارية التي قد تواجههن بشكل خاص. والاستفادة من خبراتهن من غير تمييز. المرأة صار اليوم مجالها واسعا خاصة في مجالات الصحة والتعليم والطفل وحتى الهندسة والقانون والسلك الدبلوماسي . مثال آخر نجد المرأة السودانية اليوم نافست عالميا وصارت تعمل خبيرة تقنية متخصصة وعالية الدقة في مؤسسة ناسا الفضائية العالمية وغيرها من ميادين مرموقة ومتخصصة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والتنمية البشرية وعلوم الكمبيوتر والفنون التطبيقية

ماذا تخسر الدول التي تحتاج إلى النمو إذا لم تتحرك وتفكك قيودها التي تكبلها ؟
هجرة عكسية ثانية: خروج العائدين بسبب الإحباط
تآكل الميزة التنافسية: دول الجوار تستقطب كفاءاتنا
استمرار التخلف: البقاء في ذيل مؤشرات التنمية

وماذا تكسب إذا تحركت بصدق وعقل وعزيمة وشفافية؟
قفزة تنموية: اختصار زمن التطور بعقود
استقرار اجتماعي: تقليل أسباب الاحتقان
مكانة دولية: الانتقال من دول الاستيراد إلى دول التصدير المعرفي

دعوة للعمل الجاد – يا صانع القرار
أنت تملك أقصر طريق للإصلاح إذا تيقنت وحسنت نيتك وإخلاصك لوطنك. تملك كنوز الخبرات والشباب المتعلم في الخارج فهم:
جسر الأمم العابر والمؤدي إلى شواطئ العالم المتقدم
مستودع معرفتنا في عصر الاقتصاد الجديد
الأمل الحقيقي في تغيير الواقع نحو الأفضل (رضيت أم أبيت)

القرارات الأولى التي تحتاجها دول تنشد النمو والتقدم
قرار سياسي حكيم : جعل استعادة الكفاءات أولوية وطنية
قرار بيروقراطي: الترحيب وتبسيط إجراءات دمج العائدين (كثير من العائدين يواجهون مشكلة عدم اعتراف الدول بشهاداتهم وخبراتهم الأجنبية، أو مشاكل الجنسية المزدوجة)
قرار مالي: تخصيص ميزانية خاصة لهذا الملف

تحديات العودة الطوعية

من تحديات العودة للأوطان التعرض “لصدمة العودة العكسية” التي يتعرض لها المغترب . فكما أن هناك “صدمة ثقافية” عند الذهاب إلى بلاد أجنبية أكثر تقدماً فال”صدمة ارتدادية” متوقعة عند الرجوع إلى بلاد شحيحة الموارد ورفاهية المجتمع. لكن العلاج يحتاج وقت كاف من الثبات للتأقلم. من ضمن هذه الصدمات العكسية “ثمّة مفارقة مؤلمة” قد لا ينتبه لها الكثيرون. فحين يعود المسافر إلى وطنه، قد يصدمه أن أهله وأصحابه يرون فيه شخصا ‘غريباً’ جديداً. فتصبح العودة رحلة اغتراب جديدة، رغم أنها هذه المرة في أحضان الوطن. إن معالجة هذه الصدمة النفسية جزء لا يتجزأ من سياسة الاستعادة الناجحة

أتذكر هنا كيف فكر العراق في النصف الأول من السبعينات الماضية باستقطاب الخبراء والكفاءات الوطنية والعربية من بلاد المهجر. لتذويب الصدمات العكسية كانت هناك حوافز جداً مغرية لجذب تلك العقول. أذكر منها راتب مميز، سكن مريح، سيارة خصوصية، والأهم الحرية المطلقة في مجال العمل وتوفير المتطلبات اللوجستية لكل وظيفة. أتذكر من الكثيرين الذين لبوا النداء أساتذة سودانيين أفادوا العراق بخبراتهم في الطب والعلوم، وكانوا نموذجاً وفخراً للعائد المنتج

ختاماً:
العالم يتنافس على “شراء العقول”، وأوطاننا المتخلفة أغنى ما تملكه -بدون ثمن- هو عقول أبنائها. استعادتهم من الخارج ليست خياراً، بل ضرورة بقاء. لكن ليس استعادتهم بالقوة. والضرورة والخروج من عنق الزجاجة تحتاج إلى “شجاعة وتضحيات”، وتحتاج أيضاً إلى تمويل ذكي لا يعتمد على استجداء المال، بل على إعادة توجيه موارده بالطريقة الصحيحة ومقننة من جيوب المغتربين، ومؤسسات القطاع الخاص، وصناديق التنمية الدولية التي تبحث عن مشاريع وطنية جادة. الموضوع يحتاج إلى محاربة الفساد “سرطان الأنظمة الشمولية ” والخلافات السياسية التي تفرق وتشتت الأفكار بل تحبطها وتقوض تنفيذ كل مشاريعها التنموية

التجربة الشخصية في الغربة أثبتت أننا قادرون على التعايش والبناء في بيئات صعبة من عالم ليس لنا، فلماذا لا نكون قادرين على ذلك في أوطاننا؟ بصراحة العقل والمنطق والتجربة في الخارج فالحكم المدني وصدق النية، والأمن والأمانة، والحرية والسلام والعدالة والمساواة -إذا توفرت للجميع وضمانها بالقانون، ستكون مناخاً صحّياً- فيه أعتقد لا مانع يحد من عودة المغتربين إلى بلادهم. لا شيء آبداً يعوض الناس عن الوطن مهما كان حاله الاقتصادي، لكن “الديمقراطية الحقيقية” تظل هي تذكرة شرط العودة الطوعية .فعلى جمهور الشباب في الخارج تنظيم أنفسهم بتكوين شبكات تخصصية تجمعهم في خلق افكار ومشاريع جديدة نافعة يعودون بها في شراكات ناضجة إلى الوطن مثل (عودة السينيقاليين – الأمريكان إلى وطنهم الأول).

قبل الوداع:
قبل حلول الوداع الأخير وتصبب الدموع بذهاب الاخيار من الدنيا، علينا أن نتذكر، قبل فوات الأوان أنه لا يبقى شيء سوى أثر العمل الصالح المفيد والسير الطيبة. ليت كل فرد عاقل وحكيم يترك من ورائه بصمة شرف ورقيّ في مجتمعه بأفكار أو مشاريع تفيد أجيالا ستأتي من بعده.

© Alarabi AA March 2026 Sudanile

aa76@me.com

عن د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي

شاهد أيضاً

الخرطوم “جنة خضراء” – من الرؤية إلى التنفيذ (الجزء الثاني)

بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي هذة تكملة المقال السابق. وكان السؤال كيف نستفيد من …