زهير عثمان
من الإمبراطورية الاقتصادية إلى الاحتراف العسكري:
ماذا يتعلم السودان من التجربة الصينية؟
بقلم زهير عثمان
ليست العلاقة بين الجيش والاقتصاد قضية سودانية خالصة، بل هي واحدة من أكثر الأسئلة تعقيدًا في بناء الدولة الحديثة. فعندما تتحول المؤسسة العسكرية من قوة مهمتها الأساسية حماية الأمن الوطني إلى فاعل اقتصادي يمتلك الشركات ويدير الاستثمارات، تتداخل اعتبارات الأمن مع منطق السوق، ويصبح السؤال ليس فقط- من يملك السلاح؟ بل أيضًا- من يملك رأس المال؟
وقد شهد العالم نماذج متعددة لهذا التداخل، إلا أن التجربة الصينية تبقى من أكثرها إثارة للاهتمام؛ لأنها بدأت بتوسيع النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية، ثم انتهت بقرار سياسي حاسم يقضي بخروجها من معظم الأنشطة التجارية
وقد وثّق الباحث تاي مينغ تشيونغ هذه التجربة في كتابه China’s Entrepreneurial Army الصادر عن مطبعة جامعة أكسفورد، والذي يُعد من أهم الدراسات الأكاديمية في هذا المجال
عندما أصبح الجيش لاعبًا اقتصاديًا
مع انطلاق سياسة الإصلاح والانفتاح في أواخر سبعينيات القرن الماضي، أعادت القيادة الصينية ترتيب أولوياتها الاقتصادية، فتراجعت مخصصات الدفاع مقارنة بسنوات سابقة، وأُعطي الجيش مساحة للانخراط في النشاط التجاري لتعويض جزء من احتياجاته المالية
وخلال سنوات قليلة، امتلك جيش التحرير الشعبي آلاف الشركات التي امتدت إلى النقل، والاتصالات، والفنادق، والزراعة، والتصنيع، والتجارة الداخلية والخارجية، حتى أصبح واحدًا من أكبر التكتلات الاقتصادية في البلاد
استند هذا التوسع إلى اعتبارات مالية وسياسية مرتبطة بمرحلة الإصلاح الاقتصادي، ولم يكن مجرد خيار اقتصادي منفصل عن سياق الدولة آنذاك
لكن اتساع النشاط الاقتصادي للمؤسسة العسكرية أفرز تحديات متزايدة
فقد أصبحت المصالح التجارية تتقاطع مع المسؤوليات العسكرية، وظهرت مشكلات تتعلق بالفساد والتهريب واستغلال النفوذ، كما أثارت هذه الظواهر تساؤلات داخل القيادة الصينية حول تأثير النشاط التجاري في الانضباط العسكري واحترافية المؤسسة المسلحة
ويوثق تشيونغ أن هذه الإشكالات دفعت القيادة إلى مراجعة العلاقة بين الجيش والاقتصاد بعد سنوات من التجربة
قرار إعادة تعريف الدور
في عام 1998 اتخذت القيادة الصينية، برئاسة جيانغ زيمين، قرارًا بإخراج القوات المسلحة من الأنشطة التجارية ونقل الشركات إلى جهات مدنية أو حكومية، ضمن عملية إعادة هيكلة واسعة
لم يكن الهدف إضعاف الجيش أو تفكيك الصناعات الدفاعية، بل إعادة تحديد وظيفته الأساسية باعتباره مؤسسة احترافية مسؤولة عن الدفاع، مع تقليص تضارب المصالح بين القوة العسكرية والنشاط التجاري
وقد وصفت الدراسات اللاحقة هذه الخطوة بأنها جزء من إصلاحات مؤسسية أوسع شملت تحديث الإدارة العامة والاقتصاد الصيني، وليست إجراءً منفصلًا أو سببًا وحيدًا في صعود الصين الاقتصادي
ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟
من المهم التأكيد على أن السودان ليس الصين، وأن السياقين التاريخي والسياسي مختلفان بصورة جوهرية. لذلك فإن المقارنة لا تهدف إلى استنساخ التجربة الصينية، بل إلى الاستفادة من الأسئلة التي تطرحها
من بين هذه الأسئلة -كيف يمكن تحديد الحدود بين الدور العسكري والدور الاقتصادي؟
ما طبيعة الأنشطة التي ترتبط مباشرة بالأمن القومي، وما الأنشطة التي يمكن أن تخضع لإدارة مدنية؟
كيف تُبنى منظومة رقابة وشفافية تضمن المنافسة العادلة وإدارة المال العام؟
وما الآليات التي تسمح بالإصلاح المؤسسي دون الإضرار بالقدرات الدفاعية للدولة؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة في السودان، حيث أفرزت سنوات الصراع اقتصادًا معقدًا تشارك فيه جهات متعددة، وأصبح إصلاح مؤسسات الدولة جزءًا من أي نقاش حول إعادة البناء بعد الحرب
الدرس الأهم
ربما لا يكون الدرس الحقيقي من التجربة الصينية هو أن “الجيش يجب أن يخرج من الاقتصاد” بوصفها قاعدة مطلقة، وإنما أن الدولة الحديثة تحتاج إلى تحديد واضح للأدوار بين مؤسساتها
فعندما تجتمع القوة المسلحة والقوة الاقتصادية داخل المؤسسة نفسها، يزداد خطر تضارب المصالح، وتصبح الحوكمة أكثر تعقيدًا
كما تُظهر التجربة الصينية أن إعادة تنظيم العلاقة بين المؤسسة العسكرية والاقتصاد لم تكن قرارًا إداريًا بسيطًا، بل عملية مؤسسية طويلة احتاجت إلى إرادة سياسية، وإعادة هيكلة قانونية وإدارية، وترتيبات مالية معقدة
وهذا يوضح أن أي إصلاح مشابه في أي دولة أخرى لا يمكن أن ينجح إلا إذا جاء ضمن مشروع شامل لإصلاح مؤسسات الدولة، لا باعتباره خطوة معزولة.
السؤال الذي يواجه السودان اليوم لا ينبغي أن يكون: هل يشارك الجيش في الاقتصاد أم لا؟ بل: كيف تُبنى دولة تكون فيها كل مؤسسة قوية داخل حدود اختصاصها، وخاضعة للمساءلة والشفافية؟
إن التجربة الصينية لا تقدم وصفة جاهزة للسودان، لكنها تقدم درسًا مؤسسيًا بالغ الأهمية: احتراف الجيوش لا يتحقق بالشعارات، بل ببناء علاقة واضحة بين المؤسسة العسكرية والدولة، وبين متطلبات الأمن الوطني وقواعد الاقتصاد الحديث. وعندما تُدار هذه العلاقة وفق مؤسسات قوية وقوانين مستقرة، يصبح الجيش أكثر قدرة على أداء مهمته الأساسية، ويصبح الاقتصاد أكثر قدرة على النمو في بيئة تنافسية وشفافة.
zuhair.osman@aol.com
