دكتور محمد عبدالله
بيرغن إيفانز و«التاريخ الطبيعي للهراء»: حين تتحول الشائعة إلى حقيقة في حرب السودان
هناك كتب تعيش في زمنها ثم تنتهي بانتهاء الأسئلة التي حملتها، وكتب تفعل العكس تماماً؛ كلما طال عليها الزمن بدت أكثر قرباً من حاضرنا. من هذا النوع كتاب ” التاريخ الطبيعي للهراء” (The Natural History of Nonsense) للكاتب الأميركي بيرغن إيفانز، الصادر عام 1946. انشغل إيفانز في ذلك الكتاب بتتبع الخرافات والأفكار الشائعة والمعتقدات التي اكتسبت سلطة لا تستحقها، لا لأنها قامت على دليل، وإنما لأنها تكررت طويلاً حتى بدت كأنها حقائق لا تحتاج إلى برهان. والفكرة التي تجعل استعادة هذا الكتاب اليوم جديرة بالتأمل بسيطة وخطيرة في الوقت نفسه: ليس كل ما يؤمن به الناس صحيحاً، وليس كل ما يتكرر يصبح حقيقة.
وهذا ما يجعل كتاب إيفانز شديد الصلة بالسودان اليوم. فالحرب لا تقتل الناس فقط؛ إنها تقتل أيضاً المسافة الضرورية بين الخبر والحقيقة. في زمن السلم، قد يقرأ المرء خبراً مشكوكاً فيه ثم يقول: “سنرى” . أما في الحرب، فإن الخبر يصبح جزءاً من المعركة قبل أن تتاح له فرصة أن يكون خبراً. انتصار هنا، سقوط هناك، طائرة أُسقطت، مدينة تحررت، قائد قُتل، قوات تتقدم وأخرى تنهار. وكل طرف يريد أن يسمع ما يرفع معنوياته ويؤكد قناعته السابقة.
وهكذا يتحول الهاتف المحمول إلى غرفة عمليات صغيرة. رسالة تصل إلى مجموعة ” واتساب” ، ثم تنتقل إلى “فيسبوك” ومنصة أخرى، وبعد ساعات تصبح القصة، في نظر كثيرين، حقيقة لا تحتاج إلى إثبات. يكفي أحياناً أن تسبقها عبارة “عاجل” أو “مصدر مطلع” حتى تكتسب مناعة غريبة ضد السؤال. لكن من قال إنها صحيحة؟ ومن أين جاءت؟ وهل يمكن التحقق منها؟ أسئلة تبدو بسيطة، لكنها غالباً لا تُطرح في زحمة الانحياز.
المشكلة ليست في استخدام المصادر المجهولة في الصحافة؛ فالمصادر السرية قد تكون ضرورية في ظروف معينة. لكنها تتفاقم عندما تتحول عبارة “مصدر مطلع” إلى ترخيص مفتوح لاختراع المعلومات. الصحافة المهنية لا تسأل فقط: ماذا قال المصدر؟ بل تسأل أيضاً: هل يمكن التحقق مما قاله؟ وهل توجد قرائن مستقلة تؤيده؟ وهل تتسق المعلومة مع الوقائع المعروفة؟ في زمن الفوضى، قد يصبح المصدر المجهول أكثر شهرة من الحقيقة نفسها.
والإنسان لا يصدق الخبر دائماً لأنه صحيح، بل لأنه، في أحيان كثيرة، يعجبه. فإذا كنت مقتنعاً بأن جيشك ينتصر، فسوف تجد خبراً عن انتصاره مقنعاً قبل أن تفحصه. وإذا كنت مقتنعاً بأن الطرف الآخر على وشك الانهيار، فإن أي شائعة عن انهياره ستبدو لك منطقية. وهنا لا يعود العقل يبحث عن الحقيقة، وإنما يبحث عما يؤكد ما اختاره مسبقاً.
ولهذا يمكن أن يشاهد سودانيان الفيديو نفسه، فيرى أحدهما فيه دليلاً على انتصار طرف، ويرى الآخر الدليل نفسه على هزيمته. المشكلة ليست دائماً في الفيديو؛ المشكلة أحياناً في العين التي تشاهده.
والأخطر من انتشار الخبر الكاذب أن يصبح التشكيك فيه نوعاً من الخيانة. قل لشخص إن المعلومة التي نشرها تحتاج إلى دليل، فيرد عليك: “أنت مع الطرف الآخر” ، أو “أنت عميل” ، أو “أنت تضعف المعنويات” . هنا لم يعد النقاش حول الحقيقة، وإنما حول الولاء. لم يعد السؤال: هل الخبر صحيح؟ بل: أنت مع من؟
وهذه لحظة خطرة على أي مجتمع، لأنها تجعل الحقيقة رهينة للهوية السياسية. فإذا قال شخص نحبه شيئاً صدقناه، وإذا قال شخص نختلف معه الشيء نفسه كذبناه. وهكذا تصبح الحقيقة ذات لون سياسي.
وفي المجتمعات المأزومة، تزدهر نظريات المؤامرة لأنها تمنح الإنسان تفسيراً بسيطاً لعالم معقد. من بدأ الحرب؟ من المستفيد؟ من يقف خلف هذا الطرف؟ ومن يحرك الطرف الآخر؟ قد تكون هناك مؤامرات حقيقية في التاريخ والسياسة، وهذا أمر لا يحتاج إلى إنكار. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المؤامرة هى الإجابة الجاهزة لكل سؤال. فإذا حدث شيء يؤيدها قيل: ” ألم نقل لكم؟” ، وإذا حدث ما يناقضها قيل: “هذه هي المؤامرة الحقيقية” . وهكذا تصبح النظرية مصممة بحيث لا يمكن أن تخطئ. وهذا ليس تفكيراً نقدياً، بل إيمان مغلق.
ومن السهل أن نكتب عن هذا كله ونحن نشير بأصابعنا إلى الآخرين، لكن ذلك سيكون جزءاً من المشكلة نفسها. فالهراء ليس حكراً على الإسلاميين، ولا على اليساريين، ولا على الجيش، ولا على الدعم السريع، ولا على المدنيين، ولا على المثقفين. كل جماعة يمكن أن تنتج هراءها الخاص، ثم تدافع عنه بالآلية نفسها. المسألة، في جوهرها، ليست مسألة انتماء سياسي، وإنما طريقة في التفكير.
ولذلك ربما يحتاج السودان اليوم إلى سؤال بسيط أكثر من حاجته إلى آلاف التحليلات: كيف عرفت؟
كيف عرفت أن هذا القائد مات؟ كيف عرفت أن تلك المدينة سقطت؟ كيف عرفت أن الدولة الفلانية تدعم هذا الطرف او ذاك ؟ كيف عرفت أن هناك اتفاقاً سرياً؟ كيف عرفت أن الصورة حديثة؟ كيف عرفت أن التسجيل حقيقي؟ وكيف عرفت أن الشخص الذي أرسل إليك المعلومة يعرف ما يقول؟
هذه الأسئلة الصغيرة قد تكون، في زمن الحرب، شكلاً من أشكال المقاومة؛ مقاومة الكذب والتلاعب وتحويل الإنسان إلى مجرد مستقبل للدعاية.
وليس صحيحاً أن المشكلة تكمن في أن الناس أغبياء. فالإنسان قد يكون شديد الذكاء في مجاله، لكنه يصبح أكثر عرضة للوهم عندما تتدخل العاطفة والخوف والانتماء. الأستاذ الجامعي قد يحمل هاتفه وينشر خبراً لم يتحقق منه، والطبيب قد يفعل الشيء نفسه، وكذلك الصحفي والسياسي. المعرفة وحدها لا تمنح الإنسان حصانة ضد الهراء. الذي يمنحه بعض الحماية هو الشك المنهجي: أن تكون مستعداً لأن تقول ” لا أعرف” ، وأن تقبل احتمال أن تكون مخطئاً، وأن تفرق بين ما تتمنى أن يكون صحيحاً وما تستطيع إثبات أنه صحيح.
ربما لا يحتاج السودان اليوم إلى مزيد من اليقين، بل إلى قدر أقل منه. نحتاج إلى صحفي يستطيع أن يقول: “لم نتمكن من التحقق” ، وإلى مثقف يستطيع أن يقول: “لا أملك دليلاً” ، وإلى سياسي يستطيع أن يعترف بأخطائه ، وإلى مواطن لا يخجل من أن يقول: “لا أعرف” . فهذه الجملة الأخيرة، في زمن يوزع فيه الجميع الحقائق مجاناً، قد تكون أكثر الجمل نزاهة.
كتب بيرغن إيفانز عن الهراء قبل نحو ثمانية عقود، لكنه كان يطارد مشكلة لم تتقدم آنئذ في العمر: كيف يمكن لأفكار ضعيفة أن تعيش طويلاً، لا لأنها صحيحة، وإنما لأن البشر يكررونها ويمنحونها الثقة؟
ولعل سودان اليوم يحتاج إلى هذا الدرس أكثر من أي وقت مضى. ففي بلد أنهكته الحرب، قد يكون وقف إطلاق النار ضرورة سياسية وإنسانية، لكن هناك حرباً أخرى تجري في مكان أقل وضوحاً: حرب على عقل الإنسان.
وفي هذه الحرب، ليست كل رصاصة من معدن.
بعض الرصاصات خبر، وبعضها شائعة، وبعضها صورة قديمة، وبعضها تسجيل صوتي مجهول، وبعضها مجرد جملة تبدأ بـ” أكد مصدر مطلع ” .
ثم تفعل ما لم تستطع المدافع فعله:
تدخل إلى رأسك، وتبقى هناك.
muhammedbabiker@aol.co.uk
