د. عمرو محمد عباس محجوب
كنت في القاهرة عندما سمعت عن ماسمي بغزو المرتزقة عام ١٩٧٦ وفي نقاش مع زميل حزب أمة كان رايي واضحاً انني مع المعارضة السياسية السلمية وهو رأي ثبت عليه حتى الان. ورغم تأييدي لما جرّبته المعارضة في العمل المسلح من ارتريا وموقفي في تاييد حركة جون قرنق،كان رايي الدائم ان العمل المسلح هو المدخل الأساسي للتدخل الأجنبي وان الوطن لايحتمل هذا لان السودان أمة في طور التكوين (في كتابي التنوع في السودان خصصت الجزء الرابع لبناء الأمة السودانية).
كشفت الحرب السودانية الأخيرة عن انقسام عميق داخل المجال السياسي والفكري السوداني، ليس فقط حول السلطة، بل حول معنى الدولة نفسها، وحدود التغيير المشروع، وطبيعة العلاقة بين الداخل والخارج. فبينما تمسّك تيار واسع بفكرة الحفاظ على الدولة السودانية ومؤسساتها الاجتماعية والعسكرية والإدارية، باعتبار أن انهيار الدولة يعني انهيار المجتمع نفسه، ظهر تيار آخر رأى أن إسقاط البنية القائمة — حتى عبر السلاح والتحالفات الخارجية — قد يكون الطريق نحو بناء نظام جديد تحت شعارات الديمقراطية أو العدالة أو إنهاء المركزية التاريخية. وهناك تيار آخر بينهما يمثل أقلية.
لكن الحرب، مهما كانت شعاراتها، أعادت إنتاج حقيقة قديمة في التاريخ السياسي: لا يمكن بناء نظام ديمقراطي مستقر فوق أنقاض دولة منهارة بالكامل، ولا يمكن تحويل الصراع المسلح إلى قاعدة دائمة للحياة السياسية. ومع تراجع مشروع الحسم المسلح وصمود الدولة السودانية، يصبح السؤال الأساسي اليوم: كيف ينتقل السودان من مرحلة الحرب إلى مرحلة الصراع السياسي السلمي دون إنتاج دورة جديدة من الإقصاء أو الانتقام؟
أحد أكبر الأخطاء التي ظهرت خلال الحرب هو الخلط بين معارضة السلطة او النظام الحاكم ومعارضة الدولة نفسها. في التجارب السياسية الطبيعية، تعارض القوى السياسية الحكومات والبرامج والسياسات، لكنها لا تعمل على تفكيك الجيش أو الإدارة أو البنية الوطنية الجامعة. أما في الحروب الأهلية، فيتحول الصراع تدريجياً إلى صراع على وجود الدولة ذاتها، فتدخل البلاد في منطق التفكيك الشامل. في السودان، ظهر تيار رأى أن الحفاظ على مؤسسات الدولة — رغم كل عيوبها — شرط ضروري لأي تحول ديمقراطي مستقبلي. بينما اعتقد تيار آخر أن إسقاط النظام لا يمكن أن يتم إلا عبر تحالفات عسكرية وخارجية، حتى لو أدى ذلك إلى إضعاف الدولة نفسها.
ومع تطورات الحرب، تبيّن أن انهيار الدولة لم يكن سيقود إلى ديمقراطية مستقرة، بل إلى: تفكك اجتماعي، توسع المليشيات، تدخلات إقليمية أعمق، وانقسام جغرافي قد يصبح دائماً.لذلك فإن النقطة الأساسية في المرحلة المقبلة يجب أن تكون: التمييز بين الحق المشروع في المعارضة السياسية، وبين تحويل الصراع السياسي إلى مشروع يهدم الدولة نفسها.
أي انتصار عسكري لا يتحول إلى مشروع سياسي جامع يبقى انتصاراً ناقصاً. فالدولة تستطيع أن تنتصر ميدانياً، لكنها قد تخسر سياسياً إذا تحولت مرحلة ما بعد الحرب إلى: إقصاء شامل، أو تخوين دائم، أو احتكار للفضاء الوطني. التجارب الدولية تُظهر أن إنهاء الحروب الأهلية لا يتم فقط عبر هزيمة السلاح، بل عبر إعادة دمج المجال السياسي ضمن قواعد جديدة تمنع العودة إلى الحرب. ولهذا فإن التحدي الحقيقي في السودان ليس فقط حماية الدولة، بل إعادة بناء الشرعية الوطنية الجامعة. وهذا يتطلب الاعتراف بأن جزءاً من القوى التي أخطأت في تقدير الموقف أو راهنت على الخارج ستظل مكوّناً اجتماعياً وسياسياً موجوداً داخل السودان، ولا يمكن إدارة البلاد عبر منطق الاستئصال الكامل. ويشمل هذا التيارات الليبرالية واليسارية والإسلامية التي تشكل عمق الفضاء السياسي للامة السودانية.
الدعوة إلى عودة التيارات المختلفة إلى الصف الوطني لا تعني تمييع المسؤوليات أو تجاهل آثار الحرب، بل تعني وضع قواعد جديدة للعمل السياسي. مع وضع الفرقات بين التسامح السياسي، وبين شرعنة العمل المسلح أو الارتهان للخارج. لذلك فإن أي مصالحة وطنية حقيقية تحتاج إلى مجموعة من المبادئ الواضحة.
اولا: الاعتراف بوحدة الدولة السودانية اي ان أي عمل سياسي مستقبلي يجب أن ينطلق من رفض تقسيم السودان أو تفكيك مؤسساته الأساسية. ثانيا: لا يمكن الجمع بين العمل السياسي والعمل المسلح. السلاح يجب أن يكون حصرياً بيد الدولة ومؤسساتها الرسمية. ثالثا: الاتفاق على رفض الاستقواء بالخارج لان الاستعانة بالقوى الإقليمية أو الدولية لحسم الصراع الداخلي تفتح الباب لفقدان القرار الوطني وتحويل البلاد إلى ساحة نفوذ. رابعا: ضمان الحق الكامل في المعارضة السلمية وفي المقابل، لا يمكن بناء استقرار دائم دون فتح المجال: للأحزاب، والنقابات، والصحافة، والتنظيم السياسي السلمي. لان اغلاق المجال السياسي يعيد إنتاج شروط الانفجار من جديد. خامسا: العدالة دون انتقام لان المرحلة المقبلة تحتاج إلى محاسبة قانونية عادلة، لا إلى تصفية سياسية جماعية. فالعدالة الانتقالية الناجحة هي التي تمنع الثأر وتمنع الإفلات الكامل من المسؤولية في الوقت نفسه.
الانتقال من منطق الدولة الوطنية لا منطق الحرب الدائمة لان أكبر خطر بعد الحروب هو بقاء العقل السياسي أسيراً لمنطق المعركة. فعندما تستمر السياسة بلغة الحرب، يتحول كل خلاف إلى خيانة، وكل معارضة إلى تهديد وجودي. السودان يحتاج إلى الانتقال من منطق التعبئة العسكرية، إلى منطق التنافس المدني، ومن شرعية السلاح، إلى شرعية المؤسسات والدستور والانتخابات. وهذا التحول لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل بإعادة بناء الثقة تدريجياً بين مكونات المجتمع والدولة والقوى السياسية.
كشفت الحرب السودانية حدود الصيغ القديمة فلا المركزية التقليدية استطاعت بناء استقرار دائم، ولا المليشيات استطاعت تقديم مشروع دولة، ولا التدخلات الخارجية أنتجت حلاً وطنياً. لذلك فإن السودان يحتاج إلى عقد سياسي جديد يقوم على دولة وطنية موحدة، جيش وطني واحد، تعددية سياسية سلمية، تنمية متوازنة بين الأقاليم، وعدالة قانونية لا انتقامية. إن مستقبل السودان لن يُبنى عبر استمرار الحرب بأشكال مختلفة، بل عبر تحويل الصراع من الميدان العسكري إلى المجال السياسي السلمي.
ربما تكون أهم دروس الحرب السودانية أن الحفاظ على الدولة ليس نقيضاً للديمقراطية، كما أن المطالبة بالتغيير لا يجب أن تتحول إلى تبرير للفوضى أو الارتهان للخارج. لقد انتهت مرحلة السلاح بوصفه أداة لحسم المستقبل السياسي للسودان، وبدأت مرحلة أصعب وأكثر نضجاً. فالانتصار الحقيقي لا يكون فقط في منع سقوط الدولة، بل في القدرة على تحويل الخصوم إلى شركاء في المجال الوطني، ضمن قانون واحد وساحة سياسية واحدة ومستقبل مشترك.
