من الشهادة الهاتفية إلى الوثيقة المسربة: كيف تحوّلت اتهامات الأسلحة الكيميائية في السودان من “مزاعم غير قابلة للتحقق” إلى “أدلة متقاطعة” بين جبل مرة 2016 ومعركة الخرطوم 2024
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
الملخص
يتناول هذا المقال جدل استخدام الجيش السوداني للأسلحة الكيميائية عبر حالتين رئيسيتين متباعدتين زمنيًا بثماني سنوات، جبل مرة عام 2016 ومعركة الخرطوم عام 2024، ويوضح في مقدمته أن فهم هذا الملف يستوجب تتبع جذوره منذ أكثر من ربع قرن، وأن الإشكالية المعرفية المركزية فيه تكمن في صعوبة التمييز بين الدليل المرجّح والدليل القانوني القاطع من جهة، وبين المعلومة الموثقة والإشاعة العابرة في بيئة معلوماتية شديدة الاستقطاب من جهة أخرى.
يرسي المقال أولًا الإطار المفاهيمي العلمي والقانوني لفهم الأسلحة الكيميائية، موضحًا الفارق الجوهري بين العوامل الخانقة كغاز الكلور والعوامل الحارقة الفقاعية كغاز الخردل من حيث التركيب الكيميائي وآلية الفتك والأعراض السريرية، ويربط ذلك بتصنيف اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993 التي انضم إليها السودان طرفًا منذ 1999، وبالإطار المؤسسي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وحدود صلاحياتها في التفتيش داخل نزاعات أهلية، خصوصًا حين تكون الدولة المتهمة نفسها عضوًا في مجلسها التنفيذي.
ثم يعود المقال إلى الجذور التاريخية البعيدة، مستعرضًا ضربة مصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بحري عام 1998 التي نفذتها الولايات المتحدة بذريعة إنتاجه سلائف لعامل الأعصاب في إكس، موضحًا أن هذه الأدلة لم تصمد أمام التدقيق اللاحق وأن الضربة دمرت أكبر مصنع أدوية في البلاد دون تعويض، وهو ما رسّخ ريبة سودانية عميقة تجاه الاتهامات الأمريكية اللاحقة. كما يستعرض السياق الدارفوري الأوسع، من اندلاع النزاع عام 2003 وحملة الإبادة التي خلّفت ما بين مئتي ألف وأربعمئة ألف قتيل بحسب التقديرات المختلفة، مرورًا بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية ومذكرتي التوقيف بحق الرئيس عمر البشير، وصولًا إلى العملية العسكرية في جبل مرة مطلع 2016 التي شكّلت الخلفية المباشرة لاتهامات تلك السنة.
وفي تناوله لحالة 2016، يفصّل المقال منهجية تقرير منظمة العفو الدولية القائم على 235 مقابلة هاتفية وتحليل صور أقمار صناعية وشهادات خبراء خلصوا إلى ترجيح استخدام عوامل حارقة أودت بحياة ما بين 250 و300 شخص، ثم يوازن ذلك بعرض متوازن للتشكيك العلمي والمؤسسي الذي واجه التقرير، من ملاحظات الخبير جان-باسكال زاندرز حول غياب أدلة مادية مباشرة، إلى بيان بعثة يوناميد اللافت الذي أكد عدم رصد أي حالة تحمل أعراض التعرض الكيميائي رغم انتشار عشرين ألف من أفرادها في الإقليم، إلى الإنكار الرسمي القاطع من الرئيس البشير ووزارة العدل والبعثة السودانية لدى الأمم المتحدة، وعجز منظمة حظر الأسلحة الكيميائية عن الوصول لنتيجة قاطعة بسبب حظر الوصول الميداني.
وينتقل المقال إلى حالة 2024، فيستعرض اندلاع الحرب الأهلية في أبريل 2023 وحصيلتها الهائلة من القتلى والنازحين، ثم يروي بالتفصيل نشأة برنامج قنابل الكلور المزعوم الذي اقترحه العميد طارق حسين في يوليو 2024 لكسر الجمود العسكري في الخرطوم، من تجربته الأولى في الصحراء إلى تخزين مئات الذخائر في مطار مروي، وصولًا إلى حادثتي مصفاة الجيلي في سبتمبر 2024 حيث وثّقت رسالة العميد حسين ذاته وبيان قوات الدعم السريع وقوع الهجوم. ويشرح المقال بعد ذلك تحقيق فرانس24 المفتوح المصدر الذي حدد المواقع الجغرافية للأدلة البصرية وتحقق منه خمسة خبراء مستقلين ثم منظمة هيومن رايتس ووتش، وتتبع سلسلة استيراد الكلور من شركة هندية عبر شركة سودانية مرتبطة بالجيش دون أي دليل على وصوله لأغراض مدنية، مشيرًا في الوقت نفسه إلى تباين دقيق بين حجم البراميل الموثقة فرنسيًا والذخائر الموصوفة في الوثائق الأمريكية المسربة.
يفصّل المقال بعد ذلك المواجهة الدبلوماسية، من إعلان واشنطن الأول في مايو 2025 دون أدلة معلنة، مرورًا بثلاث حزم عقوبات متعاقبة بين 2025 و2026 استندت إلى قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، إلى الرفض السوداني القاطع لهذه العقوبات ووصفها بغياب الأدلة والدوافع السياسية. ثم يتناول تشكيل البرهان للجنة وطنية للتحقيق في مايو 2025 وخلوصها إلى عدم وجود أدلة مادية، مبرزًا الإشكالية المنهجية الجوهرية المتمثلة في مشاركة العميد طارق حسين نفسه، الموصوف بمهندس البرنامج، ضمن مستشاري اللجنة المكلفة بالتحقيق فيه، ورفض الولايات المتحدة وبريطانيا اعتبار هذا التحقيق بديلًا عن التحقق الدولي، مع الإشارة إلى سابقة مشابهة تمامًا حين انتُخب السودان نائبًا لرئاسة المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عام 2017 عقب اتهامات جبل مرة مباشرة.
يقدم المقال بعد ذلك تحليلًا مقارنًا بين الحالتين يبرز التحول من الاعتماد الكلي على الشهادة الهاتفية في 2016 إلى التقاطع الثلاثي بين الوثائق المسربة والتحقيق الصحفي المستقل والشهادات الميدانية في 2024، مع بقاء القاسم المشترك المتمثل في غياب تحقيق دولي مستقل ذي وصول ميداني كامل في كلتا الحالتين. ثم يستعرض التجربة السورية كسابقة مقارنة، موضحًا آلية بعثة تقصي الحقائق وفريق التحقيق والتحديد التابعين لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، ونجاحهما في تحديد مسؤولية القوات الجوية السورية عن هجمات كلورين موثقة كهجوم دوما 2018، مستخلصًا أن غياب آلية أممية مماثلة هو الفارق الجوهري الذي يعيق حسم الملف السوداني رغم توفر أدلة أقوى نسبيًا.
كما يخصص المقال فصلًا لرصد الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة، مميزًا بين الدليل الموثق والادعاء السياسي غير المدعوم والإشاعة العابرة، ومبينًا كيف أن مجرد تداول شائعات الهجمات الكيميائية يحدث أثرًا إنسانيًا مستقلًا عن صحتها، وكيف تنتج البيئة الاستقطابية بين مؤيدي الجيش ومؤيدي قوات الدعم السريع روايات متضاربة تحتاج تعاملًا نقديًا حذرًا مع كل مصدر أولي. ويختتم المقال بفصل يستعرض التداعيات السياسية والاقتصادية لهذا الملف من تعميق العزلة المالية للسودان إلى مطالبات القوى المدنية بتحقيق دولي مستقل، مؤكدًا أن العقوبات الأحادية والتحقيق الوطني المعيب لا يمكن أن يحلا محل آلية تحقق دولية ملزمة.
وتخلص الخاتمة النقدية إلى أن هذا الملف يكشف نمطًا تاريخيًا متكررًا من الاتهام المتصاعد مقابل الإنكار الحكومي القاطع، وأن التطور النوعي في أدوات التحقق بين الحالتين لم يرافقه تطور مواز في الآليات المؤسسية الدولية، وأن حسم الملف نهائيًا يتطلب إرادة سياسية دولية لإنشاء آلية تحقيق مزدوجة المسار مماثلة للنموذج السوري، تبقى غائبة عن الحالة السودانية حتى اللحظة الراهنة، تاركة ضحايا موثقين ينتظرون اعترافًا رسميًا دوليًا بمعاناتهم.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
لا يمكن فهم ملف الأسلحة الكيميائية في السودان بمعزل عن سياق أوسع يمتد لأكثر من ربع قرن من الاتهامات المتقطعة، والشكوك المتبادلة، وفجوات التحقق المزمنة التي أعاقت الوصول إلى حقيقة قاطعة في كل مرة أُثير فيها هذا الملف. فمنذ الضربة الأمريكية لمصنع الشفاء للأدوية في الخرطوم بحري عام 1998، مرورًا باتهامات “حصاد جبل مرة الدموي” في دارفور عام 2016، وصولًا إلى الكشف عن “برنامج قنابل الكلور” المزعوم خلال معركة الخرطوم عام 2024، ظل السودان حاضرًا بشكل متكرر في سجل الاتهامات الدولية المتعلقة بالأسلحة الكيميائية، دون أن يُحسم أي من هذه الملفات بتحقيق دولي مستقل يحظى بثقة جميع الأطراف. وتكمن الصعوبة المنهجية الأساسية في هذا الملف في أن كل واقعة من هذه الوقائع تطرح إشكالية معرفية مزدوجة: من جهة، كيف يمكن التمييز بين “الدليل المرجّح” الذي تنتجه منظمات حقوقية وصحفية مرموقة في ظل حصار ميداني صارم، و”الدليل القاطع” الذي تتطلبه المعايير الفنية الصارمة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية؟ ومن جهة أخرى، كيف يمكن الفصل بين المعلومة الموثقة والإشاعة العابرة في بيئة معلوماتية شديدة الاستقطاب تتنافس فيها روايات متعددة الأطراف على تشكيل الرأي العام المحلي والدولي؟ يقدم هذا المقال معالجة أكاديمية موسعة ومعمقة لهذا الجدل، معتمدًا منهجية ترتيب سردي-زمني تبدأ بالجذور التاريخية البعيدة للاتهامات، ثم تنتقل إلى التسلسل الزمني التفصيلي لحالتَي 2016 و2024، ثم تخصص فصولًا مستقلة للتحليل المقارن، ولرصد الأساطير والمعلومات المضللة، ولاستخلاص الدروس من التجربة السورية بوصفها السابقة الدولية الأقرب من حيث طبيعة السلاح المستخدم (غاز الكلور) وآليات التحقق المطبقة، قبل أن تُختتم بخاتمة نقدية توازن بين قوة الأدلة المتراكمة وحدود اليقين القانوني الذي لا يزال بعيد المنال.
الفصل الأول: الأسلحة الكيميائية بين القانون الدولي والتصنيف العلمي – الإطار المفاهيمي الذي يحكم كل جدل لاحق
قبل الخوض في تفاصيل الاتهامات السودانية، لا بد من إرساء إطار مفاهيمي دقيق يوضح ماهية الأسلحة الكيميائية علميًا وقانونيًا، إذ إن غياب هذا الوضوح كان أحد أسباب استمرار الجدل وتضارب الروايات في الحالتين معًا. فمن الناحية العلمية، تُصنف الأسلحة الكيميائية الحربية إلى فئات رئيسية متمايزة تمامًا من حيث آلية الفتك؛ فهناك العوامل الخانقة (Choking Agents) وأبرزها غاز الكلور والفوسجين، وهناك العوامل الحارقة أو الفقاعية (Blister Agents/Vesicants) وأبرزها غاز الخردل (سلفر مسترد) واللويزيت وخردل النيتروجين، وهناك عوامل الأعصاب شديدة الفتك كالسارين والتابون والفي إكس، وعوامل الدم كسيانيد الهيدروجين (WebMD, 2024؛ Wikipedia – Chemical weapon). وتكمن أهمية هذا التمييز العلمي في أن التقريرين السودانيين، رغم انتمائهما إلى الملف نفسه، تناولا عائلتين كيميائيتين مختلفتين تمامًا من حيث الآلية الحيوية والأعراض السريرية: فاتهامات عام 2016 في جبل مرة تمحورت حول عوامل حارقة (فقاعية) يُرجَّح أنها من عائلة غاز الخردل أو اللويزيت، بينما تمحورت اتهامات عام 2024 حول غاز الكلور الخانق حصرًا (Kimball, 2016؛ France 24, 2025a).
يفسر هذا الفارق العلمي جزءًا كبيرًا من التباين في طبيعة الأدلة والأعراض الموصوفة في الحالتين. فغاز الخردل، من الناحية الكيميائية، مركب عضوي معقد يُعرف بلونه المائل إلى الأصفر في صورته غير النقية ورائحته الشبيهة بالثوم أو البصل أو نبات الخردل، وهو عامل مقيّح (alkylating agent) يتفاعل بقوة مع الرطوبة والأنسجة الحيوية، ويسبب تقرحات وبثورًا جلدية عميقة قد لا تظهر أعراضها الكاملة إلا بعد ساعات من التعرض، فضلًا عن كونه عاملًا “مساحيًا” (Area Denial) يظل فتّاكًا في الأرض والملابس الملوثة لفترات طويلة نسبيًا مما يجعله سلاحًا فعالًا في تعطيل مساحات جغرافية بأكملها لا إصابة الأفراد فقط (BioBright.blog, 2026؛ Biology Insights, 2026؛ ScienceInsights, 2026). في المقابل، فإن غاز الكلور عنصر هالوجيني بسيط نسبيًا من الناحية الكيميائية، أخضر مصفر اللون، ينتج كمنتج ثانوي شائع لعملية التحليل الكهربائي لملح الطعام، ويستخدم على نطاق واسع في الأغراض المدنية وعلى رأسها تعقيم مياه الشرب، وهو أثقل من الهواء بنحو مرتين ونصف مما يجعله يستقر في المناطق المنخفضة كالخنادق والطوابق السفلية، ويعمل كمهيّج فوري للجهاز التنفسي يسبب سعالًا وحرقانًا شديدًا وضيق نفس وتراكمًا للسوائل في الرئتين (الوذمة الرئوية) خلال ساعات من التعرض، دون أن يخلّف بالضرورة الآثار الجلدية المزمنة التي يخلفها غاز الخردل (Biology Insights, 2026؛ WebMD, 2024). ويعود استخدام غاز الكلور كسلاح إلى الحرب العالمية الأولى، إذ استُخدم لأول مرة على نطاق واسع في معركة إيبر الثانية بأبريل 1915 من قبل القوات الألمانية بإشراف الكيميائي فريتز هابر، ثم تلاه الفوسجين الأكثر فتكًا والذي تسبب في نحو 85 بالمئة من وفيات الغازات الكيميائية التي بلغت 91 ألف حالة وفاة خلال تلك الحرب، قبل أن يُدخل الجيش الألماني غاز الخردل في المعركة عام 1917 (KUMC, بلا تاريخ؛ ScienceInsights, 2026).
أما من الناحية القانونية، فإن هذا التمايز العلمي بين الفئات الكيميائية ينعكس مباشرة على التصنيف التعاهدي بموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية لعام 1993، حيث يُصنَّف غاز الخردل ضمن “الجدول 1” المخصص للمواد التي لا استخدام سلمي لها تقريبًا وتشكل خطرًا بالغًا على أهداف الاتفاقية، بينما يبقى غاز الكلور، رغم حظر استخدامه سلاحًا بشكل قاطع، مادة كيميائية مزدوجة الاستخدام (Dual-Use) واسعة الانتشار في الصناعة والمرافق المدنية بما يشمل معالجة مياه الشرب (Biology Insights, 2026). ويترتب على هذا التصنيف إشكالية إثباتية جوهرية تحديدًا في الحالة السودانية لعام 2024: فبينما يصعب تبرير وجود غاز الخردل في أي سياق مدني، فإن وجود أسطوانات الكلور في مواقع عسكرية أو صناعية لا يشكل بحد ذاته دليلًا قاطعًا على نية استخدامه سلاحًا، ما لم تُربط هذه الأسطوانات مباشرة بحوادث إسقاط جوي أو انفجار موثقة، وهو بالضبط ما سعى تحقيق فرانس24 لإثباته من خلال تتبع سلسلة الإمداد وتحليل مقاطع الفيديو الجغرافية كما سيرد تفصيلًا لاحقًا (France 24, 2025a؛ 2025b). أما الإطار المؤسسي المشرف على إنفاذ هذا الحظر فتتولاه منظمة حظر الأسلحة الكيميائية (OPCW) ومقرها لاهاي، وهي الذراع الفنية لاتفاقية 1993 التي انضم إليها السودان طرفًا كاملًا منذ عام 1999 (Arms Control Association, 2026)، غير أن آلياتها العملية تصطدم ببنية مؤسسية معقدة سيأتي تفصيلها في الفصل العاشر من هذا المقال، حين نستعرض التجربة السورية بوصفها السابقة الأقرب لفهم حدود وقدرات هذه المنظمة في بيئات النزاع المسلح الداخلي.
الفصل الثاني: جذور الشك – من رماد مصنع الشفاء 1998 إلى حصار جبل مرة 2016، والسياق الدارفوري الذي مهّد للاتهامات
لا يمكن فهم استعداد المجتمع الدولي للتصديق السريع نسبيًا لاتهامات الأسلحة الكيميائية الموجهة للسودان دون الرجوع إلى سابقة تاريخية مفصلية شكّلت الذاكرة الجمعية السودانية والدولية على حد سواء، وهي الضربة الصاروخية الأمريكية التي استهدفت مصنع الشفاء للصناعات الدوائية في منطقة كافوري بالخرطوم بحري في العشرين من أغسطس عام 1998. فقد أطلقت القوات البحرية الأمريكية، في إطار عملية أُطلق عليها اسم “الوصول اللامحدود” (Operation Infinite Reach)، ثلاثة عشر صاروخ توماهوك على المصنع بشكل متزامن مع ضربة موازية استهدفت معسكرات تدريب في أفغانستان، وذلك ردًا على تفجيري السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام في السابع من أغسطس من العام نفسه، واللذين أسفرا عن مقتل 224 شخصًا بينهم اثنا عشر أمريكيًا وإصابة أكثر من أربعة آلاف شخص (Wikipedia – Operation Infinite Reach). وقد بررت إدارة الرئيس بيل كلينتون هذه الضربة بادعاء أن المصنع كان “منشأة مرتبطة بالأسلحة الكيميائية” استنادًا إلى عينة تربة واحدة حصلت عليها وكالة الاستخبارات المركزية من خارج البوابة الرئيسية للمصنع، أظهرت وجود مادة وُصفت بأنها سليفة كيميائية (precursor) لعامل الأعصاب “في إكس” (VX)، إلى جانب ادعاءات بوجود صلات بين ملاك المصنع وتنظيم القاعدة (Nonproliferation Review, 1998؛ GlobalSecurity.org، بلا تاريخ). غير أن هذه الضربة أسفرت عمليًا عن مقتل موظف واحد وإصابة أحد عشر مدنيًا فقط، ودُمّر بموجبها أكبر مصنع أدوية في السودان، والذي كان قد افتُتح رسميًا في يوليو 1997 بحضور رؤساء دول ووزراء خارجية وسفراء، وكان يشغّل أكثر من ثلاثمئة عامل وينتج أدوية للاستخدام البشري والبيطري على حد سواء تغطي نحو تسعين بالمئة من احتياجات السودان الدوائية لعلاج أبرز أسباب الوفاة في البلاد كالملاريا والسل، إضافة إلى جميع الأدوية البيطرية تقريبًا، ورفع نسبة الاكتفاء الذاتي الدوائي السوداني من نحو ثلاثة بالمئة إلى أكثر من خمسين بالمئة (Encyclopedia MDPI؛ Tasnim News Agency, 2026؛ Liberation News, 2023).
والأهم من زاوية بحثية أن هذه الاتهامات لم تصمد أمام التدقيق اللاحق؛ إذ اعترف مسؤولون أمريكيون لاحقًا، بحسب ما نقلته صحيفة “كريستيان ساينس مونيتور”، بأن الأدلة التي دفعت الرئيس كلينتون لإصدار أمر الضربة “لم تكن راسخة بالقدر الذي صُوّرت به في البداية”، فيما شكك خبراء مستقلون في أن تكون المادة الكيميائية المكتشفة في عينة التربة الوحيدة دليلًا قاطعًا على إنتاج أسلحة كيميائية أصلًا، مشيرين إلى أنها قد تكون في الوقت نفسه من مخلفات مبيدات حشرية زراعية شائعة الاستخدام (GlobalSecurity.org، بلا تاريخ؛ CSMonitor, 2012). كما زار الطبيب الأمريكي توماس آرنوت المصنع بعد الضربة بيومين، وفحص سجلات الإنتاج اليدوية وخطوط التجميع والآلات المصاحبة، ولاحظ آلاف الطرود والزجاجات المتبقية من الأنقاض، وخلص إلى أن هذه الأدلة، وإن لم تثبت قطعيًا أن المصنع أنتج الأدوية فحسب، فإنها تظهر بوضوح أنه كان ينتج مضادات حيوية وأدوية علاج السل على نطاق واسع (Nonproliferation Review, 1998). ولم تقدم الحكومة الأمريكية أي تعويض أو اعتراف علني بالتبعات الإنسانية لهذه الضربة حتى اليوم، فيما تحول موقع المصنع المدمر إلى ما يشبه “مزارًا” يزوره السودانيون حتى بعد مرور أكثر من عقد ونصف على الحادثة، في إشارة إلى عمق الأثر الرمزي الذي تركته هذه السابقة في الوجدان السوداني إزاء الاتهامات الأمريكية المتعلقة بالأسلحة الكيميائية على وجه التحديد (CSMonitor, 2012؛ Tasnim News Agency, 2026). وتكمن أهمية استحضار هذه السابقة في سياق مقالنا الحالي في أنها تفسر جانبًا مهمًا من عمق الريبة السودانية الرسمية والشعبية تجاه أي اتهام أمريكي لاحق في هذا الملف تحديدًا، وتوفر في الوقت ذاته درسًا منهجيًا بالغ الأهمية حول ضرورة التمييز الدقيق بين “الادعاء الاستخباراتي الأولي” و”الدليل الفني المتحقق منه بشكل مستقل”، وهو بالضبط المعيار الذي سيُطبَّق لاحقًا على تقييم حالتَي 2016 و2024.
أما السياق الإقليمي الأوسع الذي مهّد لاتهامات جبل مرة تحديدًا، فيعود إلى اندلاع النزاع المسلح في إقليم دارفور غرب السودان عام 2003، حين هاجمت مجموعات متمردة، من أبرزها جيش تحرير السودان وحركة العدل والمساواة، مواقع حكومية في محاولة يائسة لحمل الحكومة المركزية على توفير الطرق والمستشفيات والمدارس للإقليم المهمّش، فردّت الحكومة السودانية بحملة عسكرية واسعة بالتعاون مع ميليشيات عربية مسلحة عُرفت باسم “الجنجويد”، استهدفت المجموعات العرقية غير العربية وعلى رأسها قبائل الفور والمساليت والزغاوة (Holocaust Museum Houston؛ World Without Genocide). وقد قدّرت التقديرات الأكثر تحفظًا، الصادرة عن المتحف التذكاري للمحرقة بالولايات المتحدة، عدد ضحايا هذه الحملة بنحو مئتي ألف قتيل بين عامي 2003 و2005 نتيجة العنف والمرض والمجاعة، ونزوح أكثر من مليوني شخص إضافي (US Holocaust Memorial Museum)، فيما رفعت تقديرات أخرى صادرة عن مكتب المساءلة الحكومية الأمريكي (GAO) هذا الرقم إلى ما يقارب أربعمئة ألف قتيل بين فبراير 2003 وأغسطس 2005 وحدها (GAO, 2006)، بينما قدّرت مصادر أخرى إجمالي القتلى حتى عام 2008 بنحو ثلاثمئة ألف شخص ونزوح 2.7 مليون آخرين (Wikipedia – Darfur genocide). وقد وصف وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كولن باول هذه الحملة رسميًا بأنها “إبادة جماعية” في عام 2004 (US Holocaust Memorial Museum)، وأحال مجلس الأمن الدولي المسؤولين عنها إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2005، التي أصدرت لاحقًا مذكرة توقيف ثانية بحق الرئيس عمر البشير عام 2010 على خلفية اتهامات بالإبادة الجماعية إلى جانب مذكرة سابقة صدرت عام 2009 بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (Al Jazeera, 2010a؛ 2010b). وقد ظل هذا الملف حاضرًا سياسيًا حتى اللحظة الراهنة؛ إذ خلص وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن في يناير 2025 إلى أن قوات الدعم السريع والميليشيات الحليفة لها ترتكب إبادة جماعية متجددة في دارفور في سياق الحرب الأهلية الحالية المندلعة منذ أبريل 2023، في تكرار مقلق لأنماط الاستهداف العرقي ذاتها التي شهدتها إبادة 2003-2005 (US Holocaust Memorial Museum). وكانت العملية العسكرية التي شكّلت الخلفية المباشرة لاتهامات 2016 عملية عسكرية جديدة انطلقت في الرابع عشر من يناير من ذلك العام، حين شنّت القوات المسلحة السودانية هجومًا جويًا وبريًا مكثفًا استهدف معاقل جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد النور في منطقة جبل مرة الجبلية الوعرة، وهي منطقة استراتيجية ظلت طوال سنوات النزاع خارج السيطرة الحكومية الكاملة نظرًا لطبيعتها الجغرافية الجبلية شديدة الوعورة (Human Rights Watch, 2016). وقد أدى هذا الهجوم وحده إلى نزوح أكثر من 44700 شخص خلال أسبوعين فقط بحلول نهاية يناير 2016، وفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (Refworld, 2016)، وشكّل استمرارًا مباشرًا لحملتَي “الصيف الحاسم” العسكريتين اللتين نفذتهما القوات السودانية في عامي 2014 و2015 ضد المعاقل ذاتها (Human Rights Watch, 2016).
الفصل الثالث: حصاد جبل مرة الدموي 2016 – تشريح الأدلة والمنهجية والوقائع الميدانية
في هذا المناخ العسكري المشحون، وفي ظل حصار ميداني صارم منع أي صحفي أو محقق حقوقي أو عامل إغاثة إنسانية من الوصول إلى منطقة جبل مرة طوال عام 2016 بأكمله (Refworld, 2016)، أصدرت منظمة العفو الدولية في التاسع والعشرين من سبتمبر من العام نفسه تقريرها المفصل المعنون “حصاد جبل مرة الدموي”، وهو تقرير وُصف بأنه نتاج تسعة أشهر من التحري المتواصل استند إلى منهجية علمية وقانونية صارمة قدر الإمكان في ظل ظروف الحصار (ImArabic, 2026a). وقد وثّق التقرير ما وصفته المنظمة بثلاثين هجومًا كيميائيًا مرجّحًا على الأقل، وقعت على مدى ثمانية أشهر متتالية بين يناير وسبتمبر 2016، وكان آخرها في التاسع من سبتمبر من العام نفسه، وقدّرت المنظمة عدد الضحايا بما يتراوح بين 250 و300 شخص لقوا حتفهم إما استنشاقًا أو ملامسة مباشرة للمواد السامة، إضافة إلى مئات آخرين أُصيبوا بجروح جلدية وتنفسية بالغة الخطورة (ImArabic, 2026a؛ Amnesty International, 2016).
اعتمدت المنظمة، نظرًا لاستحالة الوصول الميداني المباشر، على منهجية بحث عن بُعد شملت 235 مقابلة هاتفية مفصّلة مع ناجين وشهود عيان عبر وسطاء محليين ساعدوا في تحديد الناجين والتواصل معهم (Amnesty International, 2016؛ Craig, 2016)، إلى جانب تحليل صور الأقمار الصناعية لتوثيق حجم الدمار في القرى المستهدفة، وفحص عشرات الصور الفوتوغرافية التي تُظهر إصابات جلدية حادة لدى أطفال ورضّع بلغت في بعض الحالات حد سقوط الجلد وفقدان البصر الكامل، إضافة إلى شهادات طبية متكررة عن حالات قيء دموي وإسهال حاد ومشكلات تنفسية شديدة (Craig, 2016؛ Newsweek, 2016). وقد عرضت المنظمة هذه الصور والشهادات على خبيرين مستقلين متخصصين في الأسلحة الكيميائية، خلصا كلاهما إلى أن الأعراض الموصوفة تتوافق بقوة مع التعرض لعوامل حارقة (فقاعية/Vesicants) من عائلة غاز الخردل (سلفر مسترد) أو اللويزيت أو خردل النيتروجين (Gulf News, 2016). وأفاد شهود، وفق ما نقلته شبكة “سي إن إن”، بأن الهجمات تركت دخانًا تحول لونه إلى أزرق داكن وانبعثت منه رائحة “تشبه رائحة البيض الفاسد”، وغطى المنطقة والأشجار والبشر بطبقة سميكة من الغبار الأسود (CNN, 2016). كما جمعت المنظمة من منظمات حقوقية محلية أسماء 367 مدنيًا، بينهم 95 طفلًا، قيل إن القوات الحكومية قتلتهم في المنطقة خلال الأشهر الثمانية التي سبقت صدور التقرير (Newsweek, 2016). ووصفت تيرانا حسن، مديرة أبحاث الأزمات في منظمة العفو الدولية آنذاك، هذه الأدلة بأنها “مقنعة وتصوّر نظامًا عازمًا على توجيه هجماته ضد السكان المدنيين في دارفور دون خشية من أي محاسبة دولية” (Gulf News, 2016).
الفصل الرابع: جدل الخبراء والإنكار الرسمي وحدود التحقق الأممي في حالة 2016
على قوة هذه الأدلة الظاهرية، لم تخلُ منهجية تقرير 2016 من تشكيك علمي ومؤسسي جاد يستحق تناولًا أكاديميًا متوازنًا بوصفه جزءًا أصيلًا لا يمكن إغفاله من الصورة الكاملة لهذا الملف. فقد أبدى الخبير جان-باسكال زاندرز، مدير موقع “ذا ترانش” المتخصص والمستشار السابق لوفود الاتحاد الأوروبي في مفاوضات نزع السلاح الكيميائي، تحفظات جوهرية على منهجية التقرير في مقابلة مع مجلة “آرمز كونترول توداي”، مشيرًا إلى أن الصور المنشورة لم تُظهر حالات وفاة موثقة، ولا بقايا مادية لوسائل إيصال السلاح المزعوم، ولا صورًا لمواقع الهجمات نفسها وقت وقوعها، ولا التهابات جلدية ثانوية هي نتيجة شائعة ومعروفة سريريًا للتعرض لغاز الخردل دون علاج طبي مناسب، وذهب إلى أن الأدلة المتوفرة قد تكون في الواقع أقرب من حيث الأعراض إلى أثر أسلحة حارقة تقليدية غير كيميائية كالفوسفور الأبيض منها إلى عامل كيميائي محظور دوليًا بالمعنى الدقيق للاتفاقية (Kimball, 2016). وفي موازاة هذا التشكيك الأكاديمي، أصدرت بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المشتركة في دارفور “يوناميد” بيانًا في التاسع من أكتوبر 2016 يحمل دلالة بالغة الأهمية، جاء فيه أنه رغم انتشار ما يقارب عشرين ألف فرد من أفراد البعثة في مختلف أنحاء دارفور، لم يشاهد أي منهم على الإطلاق حالة تحمل آثار التعرض لأسلحة كيميائية كما وُصفت في تقرير منظمة العفو الدولية، ولم يتقدم أي نازح بهذه الأعراض المحددة إلى أي من عيادات مواقع البعثة الموزعة في الإقليم، مضيفًا أن منظمة العفو الدولية أجرت اتصالاتها الهاتفية المزعومة إلى داخل جبل مرة دون أن تتصل ولو مرة واحدة بأي من الآلاف من أفراد الأمم المتحدة المنتشرين في مواقع قريبة جغرافيًا كسورتوني ونيرتيتي، وأن أيًا من قيادات الحركات المسلحة في دارفور لم يُثر موضوع الأسلحة الكيميائية في أي من اللقاءات المتعددة التي جرت مع قيادة البعثة على مدار العام بأكمله بما في ذلك أشهر يناير وأبريل ومايو ويوليو وأغسطس وسبتمبر (GlobalSecurity.org، بلا تاريخ).
من جانبها الرسمي، رفضت الحكومة السودانية الاتهامات جملة وتفصيلًا؛ إذ وصف وزير العدل السوداني آنذاك عوض حسن النور، في رسالة رسمية موجهة إلى منظمة العفو الدولية بتاريخ السابع والعشرين من سبتمبر 2016، الاتهامات بأنها “غير موثوقة ومتناقضة وغير مدعومة بالأدلة”، وأنه “استغرب سماع هذا الاتهام” (Kimball, 2016؛ Craig, 2016). ووصف الرئيس عمر البشير الاتهامات علنًا، في خطاب أمام أعضاء حزبه، بأنها “أكاذيب” رددتها منظمة العفو الدولية على مدى الأيام السابقة (Africanews, 2016)، فيما وصف مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة عمر دهب فضل محمد الاتهامات بأنها “باطلة ومختلقة تمامًا”، مؤكدًا أن السودان لا يملك أي نوع من أنواع الأسلحة الكيميائية، وأن “الهدف النهائي لمثل هذا الاتهام المتهور هو زرع البلبلة في المسارات الجارية الرامية إلى تعميق السلام والاستقرار وتعزيز التنمية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي في السودان” (Gulf News, 2016). ووصف مسؤول في وزارة الخارجية السودانية، عبد الغني النعيم، التقرير بأنه مجرد “ادعاءات مغرضة” (The New Humanitarian, 2016). ومن ناحيتها، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في بيان صدر في التاسع والعشرين من سبتمبر 2016 أنها لا تستطيع استخلاص أي نتيجة قاطعة دون أدلة إضافية (Kimball, 2016)، وأكد رئيس عمليات حفظ السلام الأممي آنذاك هيرفيه لادسو، في إحاطة أمام مجلس الأمن في الرابع من أكتوبر، أن الأمم المتحدة لم تكتشف أي أسلحة كيميائية في السودان، لكنه أوضح في الوقت ذاته أن بعثة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة في دارفور لم تتمكن من التحقق من ادعاءات منظمة العفو الدولية لأن السودان يحظر الوصول إلى منطقة جبل مرة تحديدًا (Kimball, 2016)، فيما طالبت المملكة المتحدة السودان، في بيان صادر عن سفارتها لدى صحيفة “سودان تريبيون” بتاريخ الخامس عشر من أكتوبر، بالسماح للأمم المتحدة بالوصول الكامل إلى المنطقة (Kimball, 2016). وقد نقلت وكالة الأنباء الإنسانية “إيرين” في العاشر من أكتوبر 2016 أن عمال إغاثة ومسؤولين محليين ادّعوا أن السودان استخدم أسلحة كيميائية أيضًا في منطقة جبال النوبة بولاية جنوب كردفان، وهي منطقة أخرى تخضع لقيود حكومية مشددة على الوصول، دون أن يُفتح تحقيق منفصل لتقصي هذه الادعاءات الإضافية (The New Humanitarian, 2016).
هذا التباين الحاد بين شهادات الناجين الموثقة بكثافة من جهة، وغياب أي تأكيد ميداني مستقل من الأمم المتحدة أو منظمة حظر الأسلحة الكيميائية من جهة أخرى، يجعل من ملف 2016 حالة نموذجية لصعوبة الفصل بين “الدليل المرجّح” و”الدليل القاطع” في بيئات النزاع المغلقة تمامًا أمام أي مراقب مستقل. فالمنهجية التي اعتمدتها منظمة العفو الدولية كانت على الأرجح الأفضل الممكنة موضوعيًا في ظل الحصار المضروب، لكنها ظلت من حيث طبيعتها استدلالية غير مباشرة لا تحقيقية بالمعنى الفني الصارم الذي تتطلبه اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية للوصول إلى إثبات قانوني قاطع، وهو ما استغلته الحكومة السودانية آنذاك لرفض التقرير جملة وتفصيلًا دون أن تقدم في المقابل أي تفسير بديل مقنع لآلاف الشهادات الطبية المتقاربة والمتطابقة نسبيًا في وصف الأعراض السريرية عبر مناطق جغرافية متباعدة داخل جبل مرة.
الفصل الخامس: اندلاع الحرب الأهلية 2023 وولادة برنامج الكلور السري خلال معركة الخرطوم 2024
اتخذ الملف منحى مختلفًا جذريًا بعد نحو ثمانية أعوام من اتهامات جبل مرة، حين اندلعت في الخامس عشر من أبريل 2023 حرب أهلية شاملة بين القوات المسلحة السودانية بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع شبه العسكرية بقيادة محمد حمدان دقلو “حميدتي”، وهي الحرب التي خلّفت، وفق تقديرات الأمم المتحدة والسلطات المحلية، أكثر من عشرين ألف قتيل رسميًا مسجّلًا ونحو 14 مليون نازح ولاجئ حتى مطلع 2025، فيما قدّر بحث أكاديمي مشترك أجرته جامعات أمريكية عدد القتلى الفعلي بما يقارب 130 ألف شخص، وهو رقم يفوق التقدير الرسمي بأكثر من ستة أضعاف نظرًا لصعوبة توثيق الوفيات في مناطق النزاع المكثف (المشهد السوداني، 2025). وقد تحوّلت العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث المتجاورة (الخرطوم، أم درمان، الخرطوم بحري) إلى ساحة قتال حضري مطوّل استعصى على الجيش استعادة السيطرة عليه لأشهر طويلة، إذ سيطرت قوات الدعم السريع منذ الأيام الأولى للحرب على ستة من أصل عشرة جسور رئيسية تربط بين مدن العاصمة الثلاث على نهري النيل الأزرق والأبيض ونهر النيل، مقابل جسر واحد فقط بقي تحت سيطرة الجيش (سكاي نيوز عربية، 2024).
ومن أبرز الأصول الاستراتيجية التي سيطرت عليها قوات الدعم السريع منذ اللحظة الأولى لاندلاع القتال في الخامس عشر من أبريل 2023 مصفاة الخرطوم لتكرير البترول الواقعة في منطقة الجيلي التاريخية، على بعد نحو سبعين كيلومترًا شمال العاصمة، والتي تُعد أكبر مصفاة نفط في السودان وكانت تغطي، وفق تقديرات رسمية، نصف احتياجات البلاد من البنزين وغاز الطبخ ونحو أربعين بالمئة من احتياجاتها من الجازولين، رغم أنها لم تكن تعمل بكامل طاقتها القصوى البالغة تكرير مئة ألف برميل من النفط يوميًا حتى قبل الحرب (سودان تريبيون، 2025؛ بيم ريبورتس، 2025). وقد ظلت المصفاة موقعًا استراتيجيًا حصينًا يصعب على سلاح الجو السوداني قصفه مباشرة نظرًا لحساسية منشآتها البترولية شديدة القابلية للاشتعال (مدى مصر، 2024)، وشهد محيطها معارك متقطعة على مدار عام 2024 بأكمله، تخللها قصف متبادل في يونيو ونوفمبر وديسمبر من العام نفسه ترك أضرارًا بالغة بالمنشأة، وتبادل الطرفان خلاله الاتهامات حول المسؤولية عن الأضرار (بيم ريبورتس، 2025).
في هذا السياق العسكري تحديدًا، حيث استعصى على الجيش كسر جمود المعركة داخل منطقة حضرية كثيفة يتحصن فيها مقاتلو الدعم السريع، برزت وفق الوثائق التي كشفتها لاحقًا صحيفتا “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” فكرة تطوير سلاح كيميائي مرتجل. ففي يوليو 2024، اقترح العميد طارق حسين، الذي وصفته الصحيفتان لاحقًا بأنه “مهندس البرنامج” ورئيس مشروع قنابل الكلور، تطوير منظومة سلاح تجمع بين متفجرات تقليدية وكمية تقارب خمسة عشر كيلوغرامًا (أو ما يعادل نحو ثلاثة وثلاثين رطلًا وفق تقدير آخر) من غاز الكلور السائل، بحيث تقتل الهدف بالشظايا والغاز السام معًا في آنٍ واحد، سعيًا لمنح الجيش أفضلية تكتيكية في معركة الخرطوم المتعثرة (Gulf News, 2026؛ Khaleej Times, 2026). وقد أُجريت أولى تجارب هذا السلاح المرتجل في منطقة صحراوية بعد نقله جوًا من مطار مروي، وأبلغ العميد حسين رؤساءه عقب التجربة، وفق رسالة معترضة استشهدت بها الصحيفتان، بأن “التجربة نجحت بنسبة مئة بالمئة” (Khaleej Times, 2026). وأشارت وثائق أخرى حصلت عليها صحيفة “واشنطن بوست” إلى استخدام ما يصل إلى 106 قنابل من هذا النوع في عمليات فعلية، فيما أفادت رسائل متبادلة بين مسؤولين عسكريين سودانيين، حصلت عليها الصحيفة أيضًا، بأن قوات الأمن السودانية خزّنت ما يصل إلى 290 ذخيرة كيميائية بحلول أكتوبر 2024، احتُفظ بمعظمها في مطار مروي شمال السودان (سودانايل، 2026 هـ؛ The National, 2026a؛ Aajqa, 2026).
الحادثة الأبرز والأكثر توثيقًا في هذا السياق برمته وقعت عند مصفاة الجيلي النفطية ذاتها التي كانت لا تزال حينها تحت سيطرة قوات الدعم السريع؛ إذ أرسل العميد طارق حسين، في سبتمبر 2024، رسالة نصية إلى أحد زملائه يصف فيها مقاتلي الخصم بعبارة موجزة ومروّعة هي “شربوا الغاز” في إشارة صريحة إلى استنشاقهم غاز الكلور عقب هجوم نفّذه (Khaleej Times, 2026؛ Emirates 24|7, 2026). وقد تزامن ذلك بدقة مع بيان أصدرته قوات الدعم السريع بتاريخ الثالث عشر من سبتمبر 2024 اتهمت فيه الجيش السوداني صراحة بإطلاق صواريخ وصفتها بـ”السامة” على مصفاة الجيلي، ونشرت وقتها صورًا تداولتها منصات التواصل الاجتماعي على نطاق واسع تُظهر أشخاصًا بملابس مدنية يرتدون أقنعة أكسجين داخل الموقع المستهدف (Khaleej Times, 2026). ولم تنتهِ الاشتباكات حول هذا الموقع الاستراتيجي عند هذا الحد؛ فقد استمرت المعارك المتقطعة حوله طوال الأشهر التالية حتى شنّ الجيش السوداني في الحادي عشر من يناير 2025 هجومًا كثيفًا ونهائيًا حاصر خلاله عناصر الدعم السريع داخل مجمع المصفاة بالتزامن مع هجماته المتزامنة على مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة وسط البلاد، وأعلن في الخامس والعشرين من يناير 2025 استعادة السيطرة الكاملة على المصفاة بعد معارك استمرت أيامًا عدة أدت إلى اشتعال حريق ضخم في المجمع ظهر بوضوح في صور التقطتها الأقمار الصناعية التابعة لشركة “بلانيت لابز” ونشرتها وكالة أسوشيتد برس، وانبعث عنه دخان أسود كثيف ملوث تصاعد فوق سماء العاصمة الخرطوم بأكملها (سودان تريبيون، 2025؛ عكاظ، 2025؛ الجزيرة نت، 2025). وتبادل الطرفان في تلك الأثناء الاتهامات المتعلقة بمن أشعل الحريق وتسبب في الدمار الشامل للمنشأة، إذ اتهم الجيش قوات الدعم السريع بحرقها عمدًا “في محاولة يائسة لتدمير بنيات هذا البلد بعد أن يئست من تحقيق أوهامها بالاستيلاء على مقدراته وأرضه”، بينما اتهمت قوات الدعم السريع الجيش في المقابل بقصف المصفاة بالبراميل المتفجرة وتدمير ما تبقى من منشآتها (بيم ريبورتس، 2025).
الفصل السادس: تحقيق فرانس24 المفتوح المصدر وتفكيك سلسلة الإمداد الكيميائي – من مصنع هندي إلى سماء الخرطوم
الأهم من زاوية التحقق العلمي المستقل هو أن هذه الرواية المستقاة من الوثائق المسربة لم تبقَ حبيسة التسريبات الاستخباراتية وحدها، بل خضعت لتحقيق استقصائي مستقل ومنهجي أجرته وحدة “مراقبون” (Observers) التابعة لقناة فرانس24 الفرنسية ومقرها باريس، ونُشر على جزأين متتاليين في التاسع من أكتوبر وتاسع والعشرين من نوفمبر 2025. اعتمد الجزء الأول من هذا التحقيق على تقنيات التحقق مفتوح المصدر (Open-Source Intelligence – OSINT) لفحص حادثتين محددتين وقعتا في الخامس والثالث عشر من سبتمبر 2024 قرب مصفاة الجيلي وقاعدة كرري العسكرية شمال الخرطوم، من خلال تحديد المواقع الجغرافية الدقيقة (geolocation) لمقاطع فيديو وصور نُشرت علنًا على منصات التواصل الاجتماعي كإنستغرام، تُظهر براميل معدنية بلون أصفر وأخضر مميز تحمل عبارة “عامل مؤكسد من الفئة 5.1” مطبوعة عليها، بالقرب من فوهات صغيرة ناجمة عن الانفجار، إلى جانب سحابة غازية صفراء-خضراء لافتة تتوافق كيميائيًا مع انطلاق غاز الكلور عند تحرره (France 24, 2025a؛ European Times, 2025). وقد راجع خمسة خبراء مستقلون متخصصون في الأسلحة الكيميائية والمقذوفات هذه المواد البصرية بشكل منفصل، وأكدوا جميعًا توافقها مع نمط إسقاط براميل كلور من الجو، مشيرين تحديدًا إلى أن القوات المسلحة السودانية هي الطرف الوحيد الذي كان يملك، في ذلك الوقت وفي تلك المنطقة تحديدًا، الطائرات القادرة على تنفيذ مثل هذا النوع من الإسقاط الجوي (Operation Broken Silence, 2025). وتولت منظمة هيومن رايتس ووتش، بشكل مستقل تمامًا عن فريق فرانس24، التحقق من دقة عملية تحديد المواقع الجغرافية لهذه المقاطع ذاتها، وأكدت صحتها بعد مراجعة فنية منفصلة، وهو ما يمنح النتائج مستوى إضافيًا من المصداقية العلمية القائمة على التحقق المتقاطع بين جهتين مستقلتين عن بعضهما (Human Rights Watch, 2025).
وقد تحدث محقق فرانس24 كذلك مع مهندس سابق كان موجودًا داخل مصفاة الجيلي في الثالث عشر من سبتمبر تحديدًا، إلى جانب عدد آخر من العاملين، ووثّق شهاداتهم المباشرة عن الحادثة (Operation Broken Silence, 2025)، فيما قام الفريق بتحليل منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي من كلا الجانبين المتصارعين، أي الحسابات الموالية لقوات الدعم السريع وتلك الموالية للجيش السوداني على حد سواء، للتأكد من تطابق الروايات المتقاطعة حول وقوع الحادثتين من حيث الجوهر رغم اختلافهما في تحديد المسؤولية (Human Rights Watch, 2025). وفي الجزء الثاني من التحقيق، المنشور في نهاية نوفمبر 2025، تتبعت وحدة “مراقبون” السلسلة التجارية الكاملة لغاز الكلور المستخدم في الهجومين اعتمادًا على وثائق حصرية حصل عليها الفريق، وخلصت إلى أن شركة “بورتس إنجنيرنغ كومباني” السودانية، التي يقع مقرها الرئيسي في مدينة بورتسودان وترتبط بعلاقات موثقة مع المؤسسة العسكرية، هي التي استوردت البراميل موضوع التحقيق من شركة “كيمتريد إنترناشونال كوربوريشن” الهندية، بذريعة معلنة هي استخدام الكلور حصرًا في معالجة مياه الشرب المدنية (France 24, 2025b؛ Arms Control Association, 2026). وأفادت شركة “كيمتريد” الهندية، في رد كتابي على استفسارات فريق فرانس24، بأن “جميع المعاملات السابقة والحالية جرت حصرًا عبر شركة بورتس إنجنيرنغ” (France 24, 2025b)، وقد كشفت بيانات تجارية حصل عليها الفريق من منظمة “سي فور آدس” (C4ADS) المتخصصة في تتبع سلاسل الإمداد أن شركة كيمتريد الهندية شحنت ما لا يقل عن 125 أسطوانة من غاز الكلور إلى السودان منذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2023 وحتى تاريخ إجراء التحقيق (France 24, 2025b؛ European Times, 2025). وفي محاولة للتحقق من الاستخدام المدني المزعوم لهذه الشحنات، حاول فريق “مراقبون” الاتصال بشركة “بورتس إنجنيرنغ” السودانية للاستفسار عما إذا كانت الشركة على علم بأن اثنين من براميل الكلور التي استوردتها انتهى بها الأمر إلى استخدامها في هجوم كيميائي موثق، لكن الشركة لم ترد على استفسارات الفريق، ولم يتمكن المحققون من تأكيد ما إذا كانت الشركة لا تزال تعمل من الأساس خلال فترة إجراء التحقيق نظرًا لتعطل الاتصال بها (France 24, 2025b). والأهم من ذلك كله أن التحقيق لم يعثر على أي سجل تجاري أو إداري يوثق وصول ولو جزء واحد من هذه الشحنات الكيميائية المستوردة إلى منشآت مدنية فعلية مخصصة لمعالجة مياه الشرب، فيما ربطت البيانات التجارية المتاحة المستوردين مباشرة باستخدامات عسكرية وتعاملات تجارية مع موردين مرتبطين بقطاع الدفاع (European Times, 2025)، وهو ما يقوض بشكل جوهري الذريعة المدنية المعلنة للاستيراد. وقد رحّب “التحالف السوداني للحقوق” (Sudanese Alliance for Rights) رسميًا بهذا التحقيق في بيان أصدره بتاريخ الثلاثين من نوفمبر 2025، واصفًا إياه بأنه “الدليل الأول العلني والمحلل بشكل مستقل الذي يؤكد استخدام غاز الكلور سلاحًا كيميائيًا في الحرب الأهلية السودانية”، ومشيدًا بـ”الدقة الاستثنائية والشجاعة والاحترافية” التي أظهرها فريق التحقيق، معتبرًا أن نتائج التقرير “تُنصف أخيرًا شهادات المدنيين والعاملين الطبيين والمدافعين عن حقوق الإنسان الذين حذروا من هذا الملف منذ عام 2024” (Sudanese Alliance for Rights, 2025).
من الناحية العلمية المقارنة، تجدر الإشارة إلى نقطة تباين منهجي دقيقة تستحق التنويه الأكاديمي الصريح تجنبًا لأي مبالغة في التعميم: فقد خلص التحقيق الفرنسي المستقل تحديدًا إلى أن براميل الكلور المستخدمة في حادثتَي الجيلي كانت أسطوانات غاز صناعية كبيرة الحجم من النوع المستخدم عادة في الأغراض الصناعية، وليست الذخائر الصغيرة المصممة خصيصًا التي وصفتها وثائق نيويورك تايمز وواشنطن بوست بأنها من تصميم العميد حسين، وهو تباين في التفاصيل الفنية لم يُفسَّر بشكل قاطع حتى تاريخ كتابة هذا المقال، ويستدعي مزيدًا من التحقيق المقارن لفهم ما إذا كانت الحادثتان الموثقتان في سبتمبر 2024 تمثلان مرحلة تجريبية مبكرة سبقت تطوير الذخائر المصممة خصيصًا التي وُصفت في وثائق الصحيفتين الأمريكيتين، أم أنهما تعكسان مسارين متوازيين ومنفصلين لبرنامج كيميائي واحد (Khaleej Times, 2026).
الفصل السابع: من التلميح الاستخباراتي إلى العقوبات القانونية – المواجهة الدبلوماسية الأمريكية-السودانية
بدأت القضية تتخذ منحى رسميًا وجديًا أكثر مما كانت عليه في مرحلة التسريبات والشهادات الأولية، حين نقلت تقارير صحفية في يناير 2025 أن مسؤولين أمريكيين خلصوا إلى أن القوات المسلحة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية “يبدو أنها تستخدم غاز الكلور” ضد قوات الدعم السريع في مناسبتين على الأقل خلال عام 2024، دون أن يقدم هؤلاء المسؤولون أي تفاصيل داعمة إضافية في تلك المرحلة (France 24, 2025a). وفي الثاني والعشرين من مايو 2025، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية رسميًا، في بيان افتتحته بعبارة “في الرابع والعشرين من أبريل 2025، خلصت الولايات المتحدة… إلى أن حكومة السودان استخدمت أسلحة كيميائية في عام 2024″، فرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السودانية شملت تقييد الصادرات الأمريكية إلى البلاد وتقييد وصولها إلى خطوط الائتمان الحكومية الأمريكية، دون أن تكشف واشنطن حينها عن أي تفاصيل استخباراتية داعمة لقرارها (France 24, 2025a؛ سودان تريبيون، 2025 ج). ودخلت هذه العقوبات الأولى حيز التنفيذ الرسمي بعد نحو شهر، في السادس والعشرين من يونيو 2025، بموجب إخطار رسمي نُشر في الجريدة الرسمية الأمريكية أكدت فيه وزارة الخارجية أن حكومة السودان “استخدمت أسلحة كيميائية في انتهاك للقانون الدولي، وضد مواطنيها” (سودان تريبيون، 2025 ج).
ولم تتوقف واشنطن عند هذه الحزمة الأولى؛ ففي السابع والعشرين من يونيو 2026، أي بعد نحو عام كامل، أعلنت الولايات المتحدة فرض حزمة عقوبات ثانية بموجب “قانون مراقبة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية ومكافحة الاستخدام الحربي لها”، شملت معارضة تقديم المؤسسات المالية الدولية أي مساعدات مالية أو فنية للسودان، وفرض قيود إضافية على الصادرات، إضافة إلى منع شركات الطيران المملوكة للدولة السودانية من العمل داخل الأراضي الأمريكية، وذلك وفق ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية تومي بيغوت في بيان رسمي (ألترا سودان، 2026؛ سودان تريبيون، 2026 ب؛ بوابة أخبار اليوم). ثم دخلت حزمة عقوبات ثالثة حيز التنفيذ في العشرين من يوليو 2026، بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، في السابع عشر من يوليو من العام نفسه، أن حزمة العقوبات الإضافية ستدخل حيز التنفيذ يوم الإثنين التالي، إثر خلوص الإدارة الأمريكية إلى أن حكومة السودان لم تستوفِ الشروط المنصوص عليها في قانون مكافحة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والقضاء على الحرب الكيميائية خلال مهلة زمنية امتدت لثلاثة أشهر متتالية (الجزيرة نت، 2026؛ يورونيوز عربي، 2026). وشملت هذه الحزمة الثالثة قيودًا واسعة على القروض والمساعدات المالية والفنية المقدمة للسودان عبر المؤسسات المالية الدولية، مع استثناء صريح للمساعدات الإنسانية والغذائية من نطاق العقوبات، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم عزلة السودان المالية والتجارية وإضعاف قدرته على الوصول إلى التمويل والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة أصلًا بفعل استمرار الحرب (الجزيرة نت، 2026).
في المقابل، رفضت الحكومة السودانية هذه الحزم المتعاقبة من العقوبات بشكل قاطع ومتصاعد اللهجة؛ إذ أصدرت وزارة الخارجية السودانية بيانًا مساء الخميس الرابع والعشرين من يوليو 2026 فنّدت فيه تصريحات الخارجية الأمريكية، ووصفت العقوبات بأنها “أحادية وغير قانونية”، وتستند إلى مزاعم “تفتقر إلى الأدلة” اتُخذت بـ”دوافع سياسية محضة”، مؤكدة أن الولايات المتحدة “تجاوزت الآليات الدولية المختصة، وتجاهلت الإجراءات المنصوص عليها في اتفاقية حظر الأسلحة الكيماوية” عندما قررت فرض العقوبات استنادًا إلى ما وصفته بـ”مزاعم باطلة” عن استخدام الجيش أسلحة محظورة، مطالبة الإدارة الأمريكية بالوفاء بما وصفته بـ”التزام ثنائي سابق” بتقديم الأدلة التي تدّعي امتلاكها بشأن الملف (الشرق الأوسط، 2026؛ سودانايل، 2026 أ). وأبدت الوزارة استغرابها لما وصفته بـ”تجاهل الولايات المتحدة ونكرانها” لعملية انخراط ثنائي مشترك استمرت لأكثر من عام كامل بين الجانبين “خُصصت لبحث هذه المزاعم، دون أن تقدم خلالها [الولايات المتحدة] أي دليل مادي أو فني يثبت صحة ادعاءاتها” (سودانايل، 2026 أ). وقد سبق لهذا التبادل الدبلوماسي أن بدأ رسميًا في العاشر من يوليو 2025، حين طلب السودان من الولايات المتحدة، عبر وفده لدى المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، تقديم المعلومات التي استندت إليها واشنطن في اتهام الجيش السوداني، مؤكدًا أن “المعالجة الموضوعية لأي ادعاءات تتطلب الاطلاع على المعلومات التي استندت إليها”، وأن الحكومة السودانية تعمل حينها عبر قنوات فنية مع الجانب الأمريكي الذي أبدى استعداده لتزويد الخرطوم بالبيانات والتفاصيل اللازمة خلال المرحلة المقبلة (Sudan Tribune, 2025)، وهو الاستعداد الذي أكدته وزارة الخارجية السودانية لاحقًا خلال مشاركتها في الدورة 109 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في يوليو 2025، حين أعلنت أنها شرعت في اتخاذ إجراءات جادة وشفافة للتعامل مع الاتهامات الأمريكية (الجزيرة نت، 2026).
الفصل الثامن: اللجنة الوطنية السودانية للتحقيق – بين ادعاء التبرئة وإشكالية تضارب المصالح البنيوي
في خضم هذا التصعيد الدبلوماسي المتسارع، شكّل رئيس مجلس السيادة السوداني وقائد الجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في التاسع والعشرين من مايو 2025، لجنة وطنية رسمية للتحقيق في اتهامات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب للجيش السوداني باستخدام الأسلحة الكيميائية خلال الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، وضمت هذه اللجنة بموجب القرار الذي أوردت نصه وكالة الأنباء السودانية الرسمية “سونا” ممثلين عن وزارتي الخارجية والدفاع وجهاز المخابرات العامة، على أن ترفع تقريرها “فورًا” (الشرق للأخبار، 2025). وجاء هذا القرار ضمن سياق تقرير سلّمه البيت الأبيض إلى الكونغرس الأمريكي تضمن ملحقًا لتقرير سابق صدر في الخامس عشر من أبريل من العام نفسه بشأن مدى التزام السودان بالاتفاقيات الدولية ذات الصلة (الشرق للأخبار، 2025).
وقد قدّمت هذه اللجنة الوطنية تقريرها الميداني في يوليو 2026، مؤكدة أنها لم تعثر على أي دليل مادي أو مؤشرات ملحوظة تدعم الادعاءات المتعلقة باستخدام أسلحة كيميائية في المواقع التي خضعت للتفتيش من خلال البعثات الميدانية التي أجرتها اللجنة حتى ذلك التاريخ، وذلك استنادًا إلى زيارات ميدانية لمواقع مرتبطة بالاتهامات، وفحص البيئة المحيطة بها، ومقابلات أُجريت مع مسؤولين محليين وعاملين في القطاع الصحي وممثلين عن المجتمعات المحلية وسكان، إضافة إلى ما وصفته اللجنة بـ”عينات احترازية” جُمعت من المواقع (Dabanga Radio TV, 2026؛ The Sudan Times, 2026؛ arabefiles.com, 2026). كما نفت منظمة اليونيسف بشكل منفصل، وفق ما نقلته صحيفة “ميدل إيست أونلاين”، وجود أي سجل لديها يشير إلى تحويل الكلور الذي قدمته لأغراض معالجة المياه في السودان نحو استخدام عسكري (Middle East Online, بلا تاريخ).
غير أن هذا التقرير الوطني أثار جدلًا واسعًا ومبررًا لأسباب منهجية جوهرية تمس صميم مصداقيته العلمية بشكل مباشر لا يمكن تجاوزه أكاديميًا. فقد كشفت التحقيقات الصحفية المتقاطعة أن العميد طارق حسين نفسه، الموصوف في وثائق نيويورك تايمز وواشنطن بوست بأنه “مهندس البرنامج” ورئيس مشروع قنابل الكلور محل الاتهام بالكامل، كان من بين مستشاري اللجنة الوطنية ذاتها المكلفة بالتحقيق في الاتهامات المتعلقة بهذا البرنامج تحديدًا (Arabi21, 2026؛ Sky News Arabia, 2026؛ lepointtn.com, 2026)، وهو ما يمثل من الناحية المنهجية البحتة نموذجًا صارخًا لما يُعرف في أدبيات التحقيق الجنائي والإداري بـ”تضارب المصالح البنيوي” (Structural Conflict of Interest)، حيث يشارك المشتبه به الرئيسي مباشرة في صياغة نتائج التحقيق الذي يفترض أن يحاسبه. وقد علّق الناشط الحقوقي المعروف باسم “جبريل” على هذه المفارقة قائلًا إنه رغم أن تقرير اللجنة الوطنية جاء بعد “تصاعد الضغوط والعقوبات”، فإنه “لم يُوثَّق بصورة علمية ومهنية” للتحقيقات التي قالت السلطات إنها أجرتها، معتبرًا أن اللجنة الوطنية “ليست لجنة مختصة” بالمعنى الفني الدقيق للكلمة، فيما قالت الناشطة الحقوقية المعروفة باسم “مبارك” إنه “لا يوجد أي نوع من أنواع التعاون” مع لجان تحقيق دولية للتحقق من هذه الادعاءات، ووصفت التحقيق الوطني بأنه جاء متأخرًا وبفعل تصاعد الضغوط والعقوبات الخارجية لا بدافع ذاتي (Sky News Arabia, 2026).
كما رفضت الولايات المتحدة رسميًا وبشكل قاطع اعتبار هذا التحقيق الوطني الداخلي بديلًا كافيًا عن التحقق الدولي المستقل. ففي إحاطة قدمتها خلال الدورة 112 للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي بتاريخ الثاني عشر من يوليو 2026، أكدت الولايات المتحدة، عبر سفيرتها نيكول شامبين، أنها لم توفد أي موظفين إلى السودان لإجراء تحقيقات مستقلة، ولم تشرف على عمل اللجنة الفنية الوطنية أو توجهه بأي شكل من الأشكال، مضيفة أن “الآليات البيروقراطية المحلية ليست بديلًا عن الامتثال للمعاهدة والتحقق المستقل” (Dabanga Radio TV, 2026)، وأن تقييمها الفني المستقل الخاص خلص إلى أن الحكومة السودانية استخدمت أسلحة كيميائية خلال عام 2024 وظلت في حالة خرق مستمر للاتفاقية طوال عام 2025 بأكمله، مطالبة سلطات بورتسودان بتقديم إعلان شامل ودقيق إلى الأمانة الفنية لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية يفصّل جميع المنشآت والمواد والأنشطة ذات الصلة بالأسلحة الكيميائية، ثم منح مفتشي المنظمة وصولًا غير مقيد لإجراء تحقق ميداني شفاف على أرض الواقع (The Sudan Times, 2026). وقد صرّحت الولايات المتحدة، في الوقت نفسه، بأن “حظر استخدام الأسلحة الكيميائية مطلق وغير قابل للتفاوض” (The National, 2026b)، كما شككت واشنطن صراحة في استمرار عضوية السودان في المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ذاتها، مجادلة بأن “مصداقية مؤسستنا في خطر”، وداعية الدول الأعضاء إلى ألا تنتخب لعضوية المجلس سوى الدول التي تحقق “امتثالًا كاملًا وقابلًا للتحقق” لالتزاماتها بموجب الاتفاقية (The National, 2026b). وفي المقابل، طالبت المملكة المتحدة السودان بنشر النتائج النهائية الكاملة لتحقيقه حول استخدام الأسلحة الكيميائية بشكل علني وشفاف، في وقت لا يزال فيه التقرير النهائي المكتمل لهذه اللجنة الوطنية قيد الانتظار حتى تاريخ كتابة هذا المقال، رغم مرور أكثر من عام كامل على تشكيلها (Dabanga Radio TV, 2026؛ Arabi21, 2026).
هذه الإشكالية البنيوية المتعلقة بتضارب المصالح ليست جديدة كليًا على الملف السوداني، بل تكرر نمط سابق شهده هذا الملف بالضبط عام 2017، حين انتُخبت رحمة صالح العبيد، سفيرة السودان لدى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، نائبة لرئيس المجلس التنفيذي للمنظمة في اجتماع استمر أربعة أيام في لاهاي، بعد ترشيحها من قبل الدول الأعضاء الأفريقية، أي بعد أشهر قليلة فقط من صدور تقرير “حصاد جبل مرة الدموي” مباشرة (Amnesty International, 2017). وقد وصفت ميشيل كاغاري، نائبة المدير الإقليمي لمنظمة العفو الدولية لشرق أفريقيا والقرن الأفريقي والبحيرات العظمى آنذاك، هذا التطور بأنه “عار تام أن تكون حكومة متهمة باستخدام الأسلحة الكيميائية الآن في قلب المنظمة المُنشأة أصلًا لمنع مثل هذه الهجمات”، مضيفة أنه “بدلًا من التحقيق في انتهاكها الصارخ المزعوم لحظر الأسلحة الكيميائية، كُوفئ السودان بمقعد على الطاولة الرفيعة”، وأن هذا الأمر “ليس مخيبًا لآمال الضحايا فحسب، بل يشكل أيضًا تضارب مصالح، لأن المشتبه به أصبح الآن هو الشريف نفسه” (Amnesty International, 2017). وهذا التكرار الدقيق للنمط ذاته بين عامي 2017 و2026 يعكس إشكالية مؤسسية عميقة ومستمرة في بنية منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ذاتها، تتجاوز حدود الحالة السودانية الفردية لتطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة المنظمة على ضمان نزاهة رقابتها الذاتية حين تكون الدول المتهمة بانتهاك أحكامها أعضاء نشطين في هيئاتها القيادية ذاتها.
الفصل التاسع: من الشهادة الشفهية إلى الوثيقة المتقاطعة – تحليل مقارن معمق بين حالتَي 2016 و2024
يكشف التحليل المقارن الدقيق بين الحالتين عن تحول نوعي جوهري في بنية الأدلة المتاحة، لا في جوهر الاتهام نفسه الذي ظل ثابتًا نسبيًا وهو استخدام مواد كيميائية محظورة ضد قوات معادية أو مناطق مأهولة بالسكان المدنيين. ففي حالة 2016، اعتمدت الأدلة كليًا وحصريًا على الشهادة الشفهية الهاتفية غير القابلة للتحقق الميداني المباشر بأي شكل من الأشكال، وسط غياب تام لأي وثيقة رسمية داخلية أو مادة بصرية معاصرة للحادثة قابلة للتحليل الفني المستقل، وهو ما أبقى الملف بأكمله حبيس دائرة “الاتهام المرجّح” دون أن يرقى إلى مستوى “الإثبات القاطع” بالمعايير الفنية الصارمة التي تتطلبها منظمة حظر الأسلحة الكيميائية للوصول إلى نتيجة قانونية حاسمة. وقد تفاقمت هذه الإشكالية الإثباتية بفعل انعدام الوصول الكامل إلى منطقة جبل مرة أمام أي طرف مستقل طوال عام التحقيق بأكمله، بما في ذلك بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي المشتركة ذاتها المنتشرة بعشرين ألف فرد في الإقليم، وهو ما جعل من المستحيل عمليًا التحقق الميداني المباشر من أي من الشهادات الهاتفية المئتين والخمس والثلاثين التي جمعتها منظمة العفو الدولية عبر وسطاء محليين.
أما في حالة 2024، فقد اجتمعت لأول مرة في تاريخ هذا الملف بأكمله ثلاثة مصادر أدلة مستقلة تمامًا عن بعضها البعض من حيث الجهة المنتجة والمنهجية المتبعة، يعزز بعضها بعضًا بشكل متقاطع لا يمكن تفسيره بمحض الصدفة: أولها وثائق داخلية وتسريبات استخباراتية تكشف نية الجيش وتخطيطه وتنفيذه للبرنامج من الداخل عبر رسائل نصية وصوتية معترضة وتقارير ميدانية تعود لضباط سودانيين متورطين مباشرة في المشروع (Gulf News, 2026؛ Khaleej Times, 2026)، وثانيها تحقيق صحفي مفتوح المصدر يعتمد على تحليل فني مستقل تمامًا لمواد بصرية منشورة علنًا على الإنترنت من قبل أطراف متعددة ومتنافسة، جرى التحقق منها بواسطة خمسة خبراء مقذوفات وأسلحة كيميائية مستقلين ثم بواسطة منظمة حقوقية دولية منفصلة (France 24, 2025a؛ 2025b؛ Human Rights Watch, 2025)، وثالثها شهادات ميدانية مباشرة من ضحايا وعمال في الموقع أفادوا عن استنشاق الغاز وأعراض متطابقة مع الروايتين الأخريين تمامًا من حيث التوقيت والموقع الجغرافي (Khaleej Times, 2026؛ Operation Broken Silence, 2025). هذا التقارب الثلاثي بين مصادر مستقلة تمامًا عن بعضها البعض من حيث الجهة والمنهجية والدافع – الوثيقة الداخلية المسربة من داخل جهاز الدولة نفسه، والتحقيق الصحفي الخارجي المستقل القائم على تقنيات فنية متطورة، والشهادة الميدانية المباشرة من الموقع ذاته – هو ما يميز حالة 2024 بشكل جوهري من حيث المتانة المنهجية عن حالة 2016 التي اقتصرت على مصدر واحد فقط هو الشهادة الشفهية عن بُعد.
ومع ذلك، تتقاسم الحالتان معًا قاسمًا مشتركًا جوهريًا لا يزال يعيق الحسم القانوني النهائي حتى تاريخ كتابة هذا المقال: غياب تحقيق دولي مستقل ومصرَّح له بالوصول الميداني الكامل غير المقيد من قِبل منظمة حظر الأسلحة الكيميائية نفسها، وهو الجهة الفنية الوحيدة المخوّلة قانونًا بإصدار حكم قاطع وملزم دوليًا في هذا النوع من النزاعات. فحتى في ظل تراكم الأدلة الثلاثية المتقاطعة في حالة 2024، لم تُجرِ منظمة حظر الأسلحة الكيميائية حتى الآن أي زيارة تفتيشية ميدانية فعلية لأي من المواقع المشتبه بها في السودان، ولا يزال الملف بأكمله معلقًا بين تحقيق وطني تعتريه شبهة تضارب مصالح بنيوي فاضح، وبين عقوبات أمريكية أحادية الجانب غير مسبوقة قانونيًا في هذا السياق، دون أي آلية دولية ثالثة محايدة تحسم الجدل بشكل نهائي وملزم لكل الأطراف.
الفصل العاشر: دروس من دمشق إلى دوما – ما تعلّمه العالم من التجربة السورية وما يفتقده الملف السوداني
يقدم النموذج السوري سابقة دولية بالغة الأهمية والدلالة لفهم حدود الملف السوداني وآفاقه المحتملة، نظرًا للتشابه اللافت في طبيعة السلاح المستخدم (غاز الكلور تحديدًا في كلتا الحالتين) وأسلوب الإيصال (براميل مُسقطة من طائرات حكومية)، مع اختلاف جوهري في مدى تطور آليات التحقق الدولي المطبقة على كل حالة. فبعد هجمات كيميائية صادمة على الغوطة بضواحي دمشق عام 2013 أسفرت عن مئات القتلى المدنيين، أنشأ مجلس الأمن الدولي بالإجماع في السابع من أغسطس 2015، بموجب القرار الأممي، آلية تحقيق مشتركة بين الأمم المتحدة ومنظمة حظر الأسلحة الكيميائية عُرفت باسم “الآلية المشتركة” (Joint Investigative Mechanism – JIM)، وهي أول آلية دولية من نوعها مصمَّمة خصيصًا لتحديد هوية الجهات المسؤولة عن هجمات كيميائية موثقة سلفًا، لا الاكتفاء بتأكيد وقوع هذه الهجمات فحسب (VOA/GlobalSecurity.org, 2015). ووصفت السفيرة الأمريكية لدى الأمم المتحدة آنذاك سامانثا باور هذه الآلية بأنها ترسل رسالة قوية مفادها “أن المجتمع الدولي يملك أخيرًا الأدوات اللازمة لتحديد هويتكم – أيها الجناة – وأننا عازمون على القيام بذلك” (VOA/GlobalSecurity.org, 2015). وقد عملت هذه الآلية في مسار متوازٍ مع بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية (Fact-Finding Mission – FFM)، والتي أصدرت حتى تاريخ إعداد هذا المقال واحدًا وعشرين تقريرًا غطت أربعًا وسبعين حالة زُعم فيها استخدام أسلحة كيميائية في سوريا، خلصت في عشرين حالة منها إلى أن استخدام هذه الأسلحة وقع فعلًا أو من المرجح جدًا أن يكون قد وقع، منها أربع عشرة حالة استُخدم فيها غاز الكلور تحديدًا، وثلاث حالات استُخدم فيها غاز السارين، وثلاث حالات أخرى استُخدم فيها عامل الخردل (OPCW – Fact-Finding Mission). وقد أوضحت هذه البعثة تحديدًا في تقريرها الأخير الصادر في السادس والعشرين من فبراير 2024 بشأن حادثة اليرموك أن ولايتها الفنية لا تشمل تحديد المسؤولية عن أي هجوم، بل الاقتصار على تحديد ما إذا كانت مواد كيميائية سامة قد استُخدمت كسلاح فعلًا أم لا (OPCW – Al-Yarmouk, 2024)، وهو تمييز منهجي دقيق يفسر الحاجة إلى آلية منفصلة لتحديد المسؤولية.
وبعد أن استخدمت روسيا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي عام 2017 لتعطيل تجديد ولاية “الآلية المشتركة”، أنشأت الدول الأعضاء في منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، في اجتماع استثنائي صوّتت فيه الأغلبية ضد الاعتراض الروسي، فريقًا بديلًا أطلق عليه اسم “فريق التحقيق والتحديد” (Investigation and Identification Team – IIT)، بولاية محددة تقتصر على تحديد هوية الجهات المسؤولة عن حالات استخدام الأسلحة الكيميائية التي سبق لبعثة تقصي الحقائق أن أكدت وقوعها بالفعل، أو تلك التي كانت “الآلية المشتركة” السابقة قد بدأت التحقيق فيها قبل انتهاء ولايتها (OPCW – Syria and the OPCW؛ New Lines Magazine, 2023). وقد أصدر هذا الفريق تقريره الثالث في السابع والعشرين من يناير 2023، بعد تحقيق استمر من يناير 2021 حتى ديسمبر 2022، خلص فيه إلى وجود “أسباب معقولة” – وهو المعيار الإثباتي المعتمد باستمرار من قِبل هيئات تقصي الحقائق الدولية – تدعم الاعتقاد بأن القوات الجوية العربية السورية هي الجهة المسؤولة عن هجوم دوما الكيميائي الذي وقع في السابع من أبريل 2018 وأسفر عن مقتل 43 شخصًا محددي الهوية بالاسم، حين أسقطت طائرة هليكوبتر واحدة على الأقل من “قوات النمر” النخبوية السورية أسطوانتين صفراوتين محملتين بغاز الكلور السام على مبنيين سكنيين في منطقة مأهولة بالمدنيين (OPCW – Third Report IIT, 2023؛ UN News, 2023). وقد اعتمد الفريق في تقريره هذا على “تقييم شامل لحجم كبير ونطاق واسع من الأدلة” جرى تحليلها، وعلى “تقارب نتائج تحليلات متعددة متطابقة” فيما بينها، مؤكدًا أن هذه الأدلة المجمّعة “لم تُثبِّت وتؤكد فقط” النتائج التي توصلت إليها بعثة تقصي الحقائق سابقًا، بل “دحضت أيضًا جميع السيناريوهات البديلة المطروحة الأخرى” (UN News, 2023)، وهي منهجية تُظهر بوضوح المستوى الرفيع من الصرامة العلمية التي يمكن تحقيقها حين تتوفر الإرادة السياسية الدولية اللازمة والولاية القانونية الملزمة. وقبل تقرير دوما هذا، كان الفريق قد توصل بالفعل، في تقريره الثاني الصادر عام 2022 تقريبًا، إلى نتيجة مماثلة بشأن هجوم آخر وقع في مارس 2017 في بلدة لطمنة، استُخدم فيه غاز الكلور وعامل السارين النووي معًا، ونسب الفريق المسؤولية عنه مباشرة إلى القوات الجوية العربية السورية أيضًا (Deccan Herald, بلا تاريخ).
هذه السابقة السورية الغنية بالتفاصيل الفنية تتيح استخلاص دروس منهجية قابلة للتطبيق المباشر على الحالة السودانية بوضوح تام. فبينما توفرت لسوريا آلية دولية مزدوجة المسار (بعثة تقصي حقائق لتأكيد وقوع الهجوم، ثم فريق تحقيق وتحديد منفصل لتحديد المسؤولية عنه)، تعمل بولاية أممية ملزمة قانونيًا ومدعومة بقرار من مجلس الأمن الدولي، لا يزال السودان حتى تاريخ كتابة هذا المقال محرومًا كليًا من أي مسار مماثل، إذ اقتصر التحقق حتى الآن على تحقيق وطني تعتريه شبهة تضارب مصالح فاضح من جهة، وتحقيق صحفي مستقل رغم رصانته المنهجية العالية لا يحمل أي صفة قانونية ملزمة دوليًا من جهة أخرى، دون أي تدخل مماثل من مجلس الأمن الدولي لإنشاء آلية تحقيق مشتركة مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية كما حدث في الحالة السورية بالضبط. ويعزو باحثون متخصصون هذا الفارق الجوهري إلى عاملين رئيسيين: أولهما أن الحالة السورية حظيت بإجماع دولي أوسع نطاقًا وزخم سياسي متواصل بفعل حجم الكارثة الإنسانية الموازية وتغطيتها الإعلامية الكثيفة، وثانيهما أن السودان، خلافًا لسوريا، لا يزال يحتفظ بمقعد فعّال ضمن المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية ذاتها، وهو ما يمنحه نفوذًا مؤسسيًا داخليًا يصعب توفره لأي دولة أخرى متهمة بانتهاكات مماثلة (ImArabic, 2026b؛ Amnesty International, 2017).
الفصل الحادي عشر: رصد الأساطير والإشاعات والمعلومات المضللة – حين يصبح الشك نفسه سلاحًا في الحرب المعلوماتية
يستدعي أي تناول أكاديمي رصين لهذا الملف تمييزًا صارمًا ومنهجيًا بين ثلاثة مستويات متمايزة تمامًا من المعلومات المتداولة حول هذا الملف بأكمله: الدليل الموثق والقابل للتحقق الفني المستقل (كالتحقيقات الصحفية المستقلة وتحليلات الخبراء المتقاطعة)، والادعاء السياسي الرسمي غير المدعوم علنًا بدليل مادي منشور (كالبيان الأمريكي الأول الصادر في مايو 2025 الذي لم يقدم أي تفاصيل استخباراتية داعمة عند صدوره الأولي رغم صدوره عن جهة رسمية معتمدة)، والإشاعة أو المعلومة المضللة المتداولة على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي دون أي سند توثيقي يمكن التحقق منه على الإطلاق. فقد لاحظ عدد من الباحثين المتخصصين في مؤسسة “أوبزرفر ريسيرش فاونديشن” الهندية المتخصصة في تحليل السياسات، في تحليل نشرته عام 2025، أن مجرد تداول الشائعات حول وقوع هجوم كيميائي، في خضم نزاع مسلح نشط، كافٍ بحد ذاته لإحداث أثر إنساني مدمر مستقل تمامًا عن صحة الادعاء الأصلي من عدمه، إذ يدفع مجرد تداول هذه الشائعات إلى نزوح جماعي مفاجئ وواسع النطاق، ويستنزف ممرات المساعدات الإنسانية المحدودة أصلًا، ويقوّض ثقة السكان المحليين في مقدمي الرعاية الصحية والعاملين الإنسانيين على حد سواء، بصرف النظر التام عن صحة الادعاء الأصلي (Observer Research Foundation, 2025).
وينسحب هذا التحدي المعرفي والإنساني المزدوج على الحالتين معًا بوضوح شديد. ففي عام 2016، استُغل غياب التحقق الميداني المستقل من الطرفين معًا لإنتاج روايتين متعارضتين تمامًا لا تلتقيان عند أي نقطة مشتركة – رواية حقوقية توثيقية تصف “حصادًا دمويًا” مروّعًا مدعومًا بمئات الشهادات المتطابقة، ورواية حكومية رسمية تصفها بـ”الأكاذيب المختلقة تمامًا” دون تقديم أي تفسير بديل مقنع للأعراض السريرية الموثقة – دون وجود مساحة مشتركة للتحقق العلني المستقل الذي كان يمكن أن يحسم الجدل نهائيًا. وفي عام 2024، برزت إشكالية إضافية أكثر دقة تتعلق بالتناقض الجزئي بين تفاصيل الرواية الرسمية الأمريكية والوثائق المسربة من جهة، والتحقيق الفرنسي المستقل من جهة أخرى، إذ خلص تحقيق فرانس24 إلى أن براميل الكلور المستخدمة فعليًا في حادثتَي الجيلي كانت أسطوانات غاز صناعية كبيرة الحجم، لا الذخائر الأصغر المصممة خصيصًا التي وصفتها وثائق نيويورك تايمز وواشنطن بوست بأنها من تصميم العميد حسين تحديدًا، وهو تباين تفصيلي لم يُفسَّر بشكل قاطع حتى الآن (Khaleej Times, 2026)، ما يستدعي حذرًا منهجيًا صارمًا من افتراض التطابق الكامل بين كل التفاصيل الفرعية للروايات المختلفة، حتى وإن اتفقت هذه الروايات جميعًا على جوهر الواقعة الأساسي.
كما ظهرت شائعات موازية إضافية حول تصريحات قيادات عسكرية سودانية غير مؤكدة المصدر بدقة خلال عام 2024، أثارت اهتمام المراقبين قبل أن تتبلور الاتهامات الرسمية بشكلها النهائي (سودانايل، 2026 ج)، وهو نمط متكرر بوضوح في بيئة معلوماتية شديدة الاستقطاب تتنافس فيها الروايات الموالية للجيش والروايات الموالية لقوات الدعم السريع على تشكيل الرأي العام المحلي والدولي بشكل متزامن ومتصارع، ما يحتم على الباحث الأكاديمي الرصين التعامل مع أي مصدر أولي بمعزل تام عن انتمائه المفترض لأحد طرفي الاستقطاب، والاستناد حصرًا وبشكل صارم إلى ما خضع فعليًا لتحقق فني أو صحفي مستقل قابل للتدقيق والمراجعة من قبل أطراف ثالثة محايدة. ومن أبرز نماذج المعلومات التي وجب التعامل معها بحذر منهجي شديد أيضًا ذلك التصريح اللاحق الذي أدلى به مسؤولون سودانيون، أقروا فيه بوجود تلوث كيميائي فعلي موثق في أجزاء من الخرطوم، لكنهم عزوا هذا التلوث إلى استهداف قوات الدعم السريع لمنشآت صناعية وكيميائية مدنية أثناء انسحابها من مواقعها، لا إلى استخدام الجيش السوداني نفسه لأسلحة محظورة دوليًا (سودانايل، 2026 ج)؛ وهو تفسير بديل يستحق تقييمًا نقديًا متوازنًا بذاته، إذ إنه لا يفسر بشكل كافٍ الأنماط الفنية المحددة التي وثقها تحقيق فرانس24 من إسقاط جوي متعمد لبراميل كلور محددة في تاريخين محددين بدقة، ولا يتوافق مع طبيعة الأضرار الموثقة في المواقع المستهدفة بذاتها.
الفصل الثاني عشر: التداعيات على السياسة الدولية والعدالة الانتقالية – من العقوبات الأحادية إلى مطلب التحقيق الدولي المستقل
تجاوزت تداعيات هذا الملف بأكمله حدود النقاش الفني والحقوقي الأكاديمي البحت لتتحول إلى أداة ضغط دبلوماسي واقتصادي مباشر وملموس ذات تأثير اقتصادي بالغ الخطورة على الاقتصاد السوداني المنهك أصلًا؛ إذ تحوّلت العقوبات الأمريكية المتتالية عبر حزمها الثلاث المتعاقبة إلى عامل إضافي جوهري في تعميق عزلة السودان المالية والتجارية، وسط أزمة اقتصادية متفاقمة أصلًا بفعل استمرار الحرب الأهلية منذ أبريل 2023، وقيود واسعة النطاق على وصول البلاد إلى التمويل الدولي والتكنولوجيا والاستثمارات الأجنبية المطلوبة بشدة لإعادة الإعمار المستقبلي (Al Jazeera, 2026). ويرى بعض المراقبين المتخصصين، وعلى رأسهم تحليل نشره موقع سودانايل، أن التوقيت السياسي الدقيق لتصعيد هذا الملف تحديدًا، وتزامنه المتكرر مع سلسلة عقوبات أمريكية سابقة استهدفت مباشرة رموزًا عسكرية سودانية وإسلاميين داعمين للجيش، يعكس نمطًا واضحًا من سياسة “العصا والجزرة” الأمريكية التقليدية تجاه الخرطوم، دون أن يعني ذلك بالضرورة تشكيكًا موضوعيًا في صحة جوهر الأدلة المنشورة والموثقة بشكل مستقل (سودانايل، 2026 هـ). في المقابل، طالب “التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة” المعروف اختصارًا بـ”تقدم”، إلى جانب “التحالف السوداني للحقوق”، بفتح تحقيق دولي مستقل ومحايد بشكل صريح وعاجل لتحديد المسؤوليات القانونية الكاملة ومحاسبة جميع المتورطين في هذا الملف، معتبرَين أن نتائج تحقيق فرانس24 تمثل تحققًا مستقلًا أول من نوعه في هذا الملف تحديدًا، ينصف أخيرًا شهادات الضحايا والعاملين الصحيين التي ظلت تتردد بشكل متواصل منذ عام 2024 دون أن تحظى بأي تصديق رسمي دولي (سودانايل، 2026 أ؛ Sudanese Alliance for Rights, 2025).
ويظل السؤال الجوهري بأكمله معلقًا دون إجابة حاسمة حتى تاريخ كتابة هذا المقال: هل يمكن لعقوبات اقتصادية أحادية الجانب، أو للجنة تحقيق وطنية يقودها أطراف متهمة بشكل مباشر ومباشر جدًا كما تبين من مشاركة “مهندس البرنامج” نفسه في عضوية اللجنة المكلفة بالتحقيق فيه، أن تحل محل تحقيق دولي مستقل بالكامل ينهي هذا الجدل الممتد نهائيًا وبشكل ملزم قانونيًا لجميع الأطراف؟ الإجابة الأكاديمية المتوازنة، وفق أغلب الأدبيات القانونية المتخصصة التي جرى استعراضها في هذا المقال، هي النفي القاطع والصريح؛ إذ إن العقوبات، مهما بلغت آثارها السياسية والاقتصادية القاسية على السكان المدنيين بشكل غير مباشر، لا تعد بديلًا موضوعيًا عن آليات التحقق الفني المنصوص عليها صراحة في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية ذاتها، بل تعكس في جوهرها تقييمًا سياديًا أحاديًا محضًا لدولة بعينها، دون أن تحسم من منظور القانون الدولي حقيقة الوقائع محل النزاع بشكل مستقل ومحايد (سودانايل، 2026 أ). ولذلك فإن بقاء الملف بأكمله محصورًا بين طرفَين متنازعين فقط – عقوبات أمريكية أحادية من جهة، وتحقيق وطني سوداني تعتريه شبهة تضارب مصالح فاضح من جهة أخرى – في ظل غياب تام لتحقيق دولي ثالث مستقل مماثل للنموذج السوري المزدوج المسار الذي جرى استعراضه في الفصل العاشر، يترك مساحة واسعة جدًا للجدل المستمر، ويؤخر بشكل جوهري وصول الحقيقة الكاملة التي يستحقها ضحايا هذه الهجمات المزعومة أيًا كانوا، كما يحرم في الوقت نفسه الجهة المتهمة من حقها المشروع في الدفاع عن نفسها وإثبات موقفها عبر إجراءات قانونية دولية واجبة ومحايدة تستند إلى تحقيق فني مستقل وذي مصداقية معترف بها دوليًا من جميع الأطراف دون استثناء، ويحد كذلك بشكل ملموس من قدرة المجتمع الدولي بأسره على بناء موقف قانوني موحد يستند إلى نتائج تحقق فني محايد بدلًا من الروايات المتضاربة السياسية الطابع.
خاتمة نقدية
يكشف هذا التتبع الأكاديمي الموسع لملف الأسلحة الكيميائية في السودان، من ضربة مصنع الشفاء عام 1998، مرورًا بجبل مرة عام 2016، وصولًا إلى معركة الخرطوم عام 2024 وتداعياتها المستمرة حتى منتصف عام 2026، عن نمط تاريخي متكرر بوضوح لافت: اتهام جاد ومتصاعد مدعوم بأدلة متفاوتة القوة من حالة إلى أخرى، يقابله في كل مرة إنكار حكومي سوداني قاطع وشبه موحد الصياغة اللغوية عبر العقود الثلاثة الماضية، وسط غياب دائم ومستمر لتحقيق دولي مستقل يملك تفويضًا قانونيًا كاملًا بالوصول الميداني غير المقيد ويحظى بثقة جميع الأطراف المتنازعة دون استثناء. وبينما شهدت أدوات التحقق تطورًا نوعيًا ملموسًا وقابلًا للقياس بوضوح شديد بين الحالتين، من الاعتماد شبه الكلي على الشهادة الهاتفية غير القابلة للتحقق المباشر في عام 2016، إلى التقاطع الثلاثي بين الوثائق المسربة من داخل جهاز الدولة نفسه، والتحقيق الصحفي مفتوح المصدر القائم على تقنيات فنية متطورة، والتحقق المؤسسي المزدوج بين جهات مستقلة عن بعضها في عام 2024، فإن الفجوة المؤسسية الجوهرية بين متانة الأدلة الصحفية والحقوقية المتراكمة من جهة، وبطء الآليات الرسمية للتحقق الدولي الملزم وتسييسها البنيوي المتكرر من جهة أخرى، لا تزال هي القاسم المشترك الجوهري والثابت الذي يفسر استمرار هذا الجدل حتى تاريخ كتابة هذه السطور دون حسم قانوني نهائي وملزم دوليًا.
ولعل أخطر تداعيات هذا الجدل الممتد وغير المحسوم بعد أن هذا التحليل الأكاديمي يخلص إليه بوضوح تام هو أن ضحايا مزعومين وموثقة أعراضهم السريرية بشكل متكرر ومستقل لهجمات كيميائية عبر حالتين متباعدتين زمنيًا بثماني سنوات كاملتين، ما زالوا حتى اليوم ينتظرون اعترافًا رسميًا دوليًا ملزمًا يليق بمعاناتهم الموثقة، في وقت يتيح فيه استمرار غياب المساءلة الدولية المستقلة والملزمة قانونيًا استمرارَ مثل هذه الانتهاكات المزعومة، إن صحت، دون رادع قانوني حقيقي ورادع، فيما يترك في الوقت نفسه مساحة واسعة جدًا تتنازعها الرواية الرسمية الحكومية والرواية الحقوقية والصحفية المستقلة، دون أن تلقى الحقيقة الكاملة والنهائية طريقها إلى الضوء بالشكل الذي يستحقه شعب سوداني أنهكته عقود متلاحقة من النزاعات المسلحة المتعاقبة. والدرس العملي الأهم القابل للتطبيق المباشر الذي يستخلصه هذا المقال من مقارنته المعمقة مع التجربة السورية هو أن حسم هذا الملف نهائيًا يتطلب بالضرورة إرادة سياسية دولية موحدة ومتماسكة على مستوى مجلس الأمن الدولي لإنشاء آلية تحقيق مشتركة مزدوجة المسار مماثلة تمامًا لتلك التي طُبقت بنجاح نسبي وموثق على الحالة السورية، تجمع بين بعثة تقصي حقائق فنية محايدة تتحقق أولًا من وقوع الهجوم بذاته، وفريق تحقيق وتحديد منفصل يتولى لاحقًا وحصريًا تحديد المسؤولية القانونية الدقيقة عنه؛ وهو ما يظل، رغم كل الأدلة المتراكمة والمتقاطعة التي استعرضها هذا المقال بالتفصيل، غائبًا تمامًا عن الملف السوداني حتى تاريخ كتابة هذه الخاتمة.
المراجع
- Aajqa. (2026). السودان ينتقد تقارير أميركية عن برنامج للأسلحة الكيميائية. أخبار الشرق. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Africanews. (2016). Sudanese president accuses Amnesty International of ‘lying’ about chemical attacks in Darfur. Africanews. (Accessed: September 2026).
- Al Jazeera. (2010a). ICC charges Bashir with genocide. Al Jazeera. (Accessed: September 2026).
- Al Jazeera. (2010b). Timeline: The ICC and Sudan. Al Jazeera. (Accessed: September 2026).
- Al Jazeera. (2025). الجيش السوداني يعلن سيطرته على مصفاة الجيلي شمال الخرطوم. الجزيرة نت. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Al Jazeera. (2026). واشنطن تصعّد والخرطوم تنفي.. عقوبات أمريكية بشأن اتهامات الأسلحة الكيميائية. الجزيرة نت. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Almashhad Alsudani. (2025). الجيش يواصل عملياته لاستعادة السيطرة على مصفاة الجيلي للنفط. المشهد السوداني. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Amnesty International. (2016). Sudan: Credible evidence of the use of chemical weapons to kill and maim hundreds of civilians including children in Darfur revealed. Amnesty International. (Accessed: September 2026).
- Amnesty International. (2017). Sudan: Elevation to OPCW’s governing body a slap in the face for victims of chemical attacks. Amnesty International. (Accessed: September 2026).
- Arabefiles.com. (2026). ملف السلاح الكيماوي يعود للواجهة.. اتهامات تطال الجيش السوداني وقيادة البرهان. ملفات عربية. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Arabi21. (2026). “قنابل الكلور”.. سلاح كيميائي استخدمه الجيش السوداني وحاول طمس آثاره. عربي21. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Arms Control Association. (2016). Sudan Accused of Chemical Weapons Use. Arms Control Today. (Accessed: September 2026).
- Arms Control Association. (2026). Sudan Army Said to Use Chlorine as Weapon. Arms Control Today. (Accessed: September 2026).
- Asharq. (2025). البرهان يشكّل لجنة تحقيق في استخدام الجيش السوداني أسلحة كيميائية. الشرق للأخبار. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Asharq Al-Awsat. (2026). السودان يرفض العقوبات الأميركية واتهامه باستخدام أسلحة كيماوية. الشرق الأوسط. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Beam Reports. (2025). الجيش يعلن عن سيطرته على مصفاة الخرطوم للبترول في «الجيلي» بالكامل. بيم ريبورتس. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- BioBright.blog. (2026). Chlorine Gas vs. Mustard Gas: Key Differences. BioBright. (Accessed: September 2026).
- Biology Insights. (2026). Is Chlorine Gas the Same as Mustard Gas? Biology Insights. (Accessed: September 2026).
- CNN. (2016). Amnesty says Sudan used deadly chemical weapons in Darfur conflict. CNN. (Accessed: September 2026).
- Council on Foreign Relations. (بلا تاريخ). Civil War in Sudan. Global Conflict Tracker. (Accessed: September 2026).
- Craig, J. (2016). Sudan Accused of Using Chemical Weapons in Darfur. Voice of America. (Accessed: September 2026).
- CSMonitor. (2012). Sudanese factory destroyed by US now a shrine. The Christian Science Monitor. (Accessed: September 2026).
- Dabanga Radio TV. (2026). السلاح الكيميائي في السودان يعود إلى الواجهة.. نفي رسمي وضغوطات أمريكية. راديو دبنقا. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Deccan Herald. (بلا تاريخ). Investigation finds Syria likely behind 2018 chlorine attack. Deccan Herald. (Accessed: September 2026).
- Emirates 24|7. (2026). Secret dossier bolsters evidence of Sudan military chemical weapons use. Emirates 24|7. (Accessed: September 2026).
- Encyclopedia MDPI. (بلا تاريخ). Al-Shifa Pharmaceutical Factory. Encyclopedia MDPI. (Accessed: September 2026).
- En.ImArabic. (2026a). The Sudanese Army’s Use of Chemical Weapons in Darfur: An Analysis of the Amnesty International Report and the Jebel Marra Campaigns. ImArabic. (Accessed: September 2026).
- En.ImArabic. (2026b). International Monitoring and Verification Mechanisms for Chemical Weapons in Sudan: The Role of the United Nations and the Organisation for the Prohibition of Chemical Weapons. ImArabic. (Accessed: September 2026).
- Euronews Arabic. (2026). تصاعد الخلاف الأمريكي السوداني بشأن الأسلحة الكيميائية مع دخول عقوبات جديدة حيز التنفيذ. يورونيوز. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- European Times. (2025). France 24 proves SAF use of chemical weapons in Sudan’s civil war. The European Times. (Accessed: September 2026).
- France 24. (2025a). Videos show the Sudanese army’s use of chlorine gas as a weapon. France 24 Observers. (Accessed: September 2026).
- France 24. (2025b). How did chlorine imported to Sudan for water purification end up being used as a poison gas? France 24 Observers. (Accessed: September 2026).
- GAO – US Government Accountability Office. (2006). Darfur Crisis: Death Estimates Demonstrate Severity of Crisis, but Their Accuracy and Credibility Could Be Enhanced (GAO-07-24). GAO. (Accessed: September 2026).
- GlobalSecurity.org. (بلا تاريخ أ). Chemical Weapons. GlobalSecurity.org. (Accessed: September 2026).
- GlobalSecurity.org. (بلا تاريخ ب). Al-Shifa Pharmaceutical Plant. GlobalSecurity.org. (Accessed: September 2026).
- Gulf News. (2016). Sudan says chemical weapons report ‘unfounded’. Gulf News. (Accessed: September 2026).
- Gulf News. (2026). Sudan Army’s Secret Chlorine Bomb Programme Exposed: Leaked Dossier Reveals Chemical Weapons Tests, Stockpiles and Alleged War Crimes. Gulf News. (Accessed: September 2026).
- Human Rights Watch. (2016). World Report 2017: Sudan. Human Rights Watch. (Accessed: September 2026).
- Human Rights Watch. (2025). Disturbing Reports of Sudan’s Military Using Chlorine Gas. Human Rights Watch. (Accessed: September 2026).
- Human Security Centre. (بلا تاريخ). The Increased Use of Chemical Agents in Warfare – Sudan, Libya and Beyond. Human Security Centre. (Accessed: September 2026).
- Khaleej Times. (2026). Secret dossier adds to evidence of chemical weapons in Sudan. Khaleej Times. (Accessed: September 2026).
- Kimball, D. (2016). Sudan Accused of Chemical Weapons Use. Arms Control Today. (Accessed: September 2026).
- KUMC. (بلا تاريخ). Gas in The Great War. University of Kansas Medical Center. (Accessed: September 2026).
- Lepointtn.com. (2026). وثائق سرية تكشف تفاصيل جديدة عن “كيماوي” الجيش السوداني. لوبوان تونس. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Liberation News. (2023). When the U.S. incinerated Sudan’s pharmaceutical industry. Liberation News. (Accessed: September 2026).
- Madamasr. (2024). الجيش يسابق الزمن لاستعادة «الجزيرة» قبل موسم الأمطار. مدى مصر. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Middle East Online. (بلا تاريخ). وثائق سرية تثير مخاوف من تطوير الجيش السوداني أسلحة كيميائية. ميدل إيست أونلاين. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Newsweek. (2016). Amnesty International Documents Use of Chemical Weapons Against Civilians in Sudan’s Darfur. Newsweek. (Accessed: September 2026).
- New Lines Magazine. (2023). A Notorious Syria Conspiracy Theory Is Definitively Debunked. New Lines Magazine. (Accessed: September 2026).
- Nonproliferation Review. (1998). Report: Chemical Weapons in the Sudan. The Nonproliferation Review, Fall 1998. (Accessed: September 2026).
- Observer Research Foundation. (2025). Chemical Weapons Allegations in Sudan’s Escalating Conflict. ORF. (Accessed: September 2026).
- Okaz. (2025). الجيش السوداني يستعيد مصفاة الجيلي شمال الخرطوم. عكاظ. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- OPCW. (بلا تاريخ). Fact-Finding Mission. Organisation for the Prohibition of Chemical Weapons. (Accessed: September 2026).
- OPCW. (2023a). OPCW Releases Third Report by Investigation and Identification Team. Organisation for the Prohibition of Chemical Weapons. (Accessed: September 2026).
- OPCW. (2023b). Syria and the OPCW. Organisation for the Prohibition of Chemical Weapons. (Accessed: September 2026).
- OPCW. (2024). OPCW Fact-Finding Mission concludes investigation on reported allegation in Al-Yarmouk, Syria. Organisation for the Prohibition of Chemical Weapons. (Accessed: September 2026).
- Operation Broken Silence. (2025). Hard evidence emerges of chemical weapons attacks in Sudan. Operation Broken Silence. (Accessed: September 2026).
- Refworld. (2016). 2016 Country Reports on Human Rights Practices – Sudan. US Department of State / Refworld. (Accessed: September 2026).
- Sky News Arabia. (2024). اشتباكات في الخرطوم.. وقتال قرب مصفاة نفط الجيلي. سكاي نيوز عربية. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sky News Arabia. (2026). حرب السودان.. وثائق جديدة تعيد “الأسلحة الكيميائية” للواجهة. سكاي نيوز عربية. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudan Tribune. (2025). Sudan asks U.S. for evidence on chemical weapons claim. Sudan Tribune. (Accessed: September 2026).
- Sudan Tribune. (2025c). واشنطن تبدأ فرض عقوبات على السودان لاستخدامه أسلحة كيميائية. سودان تربيون. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudan Tribune. (2025d). الجيش يعلن السيطرة على مصفاة الجيلي شمال الخرطوم. سودان تربيون. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudan Tribune. (2026a). عقوبات أمريكية على السودان بسبب الأسلحة الكيميائية. سودان تربيون. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudan Tribune. (2026b). واشنطن تفرض جولة ثانية من العقوبات على السودان بسبب الأسلحة الكيميائية. سودان تربيون. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudanese Alliance for Rights. (2025). Statement Welcoming the France 24 Investigation on the Use of Chemical Weapons in Sudan’s Civil War. Sudanese Alliance for Rights. (Accessed: September 2026).
- Sudanile. (2026a). الأسلحة الكيميائية في السودان.. الحقيقة الغائبة بين حق الضحايا وعجز العدالة الدولية. سودانايل. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudanile. (2026b). السلاح الكيميائي في السودان… من الاتهام إلى البحث عن الحقيقة. سودانايل. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudanile. (2026c). الأسلحة الكيماوية في السودان… حين تتحول الاتهامات إلى أزمة دولة. سودانايل. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudanile. (2026d). الكيماوي (1-2). سودانايل. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudanile. (2026e). دوافع واشنطن حول الكشف عن معلومات استخدام الكيماوي. سودانايل. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Sudanile. (2026f). السودان يرفض التصريحات الأمريكية بشأن مزاعم الأسلحة الكيميائية ويؤكد التزامه باتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية. سودانايل. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- Tasnim News Agency. (2026). US Bombing of Sudan Pharmaceutical Factory Left Lasting Humanitarian Toll. Tasnim News Agency. (Accessed: September 2026).
- The National. (2026a). New evidence points to chemical weapons use by Sudan’s army. The National News. (Accessed: September 2026).
- The National. (2026b). US demands immediate inspections of Sudan’s chemical weapons and warns of consequences. The National News. (Accessed: September 2026).
- The Nation. (2015). August 20, 1998: The US Bombs a Suspected Qaeda-Run Chemical Plant in Sudan. The Nation. (Accessed: September 2026).
- The New Humanitarian. (2016). Sudan and chemical weapons – a serial offender? The New Humanitarian (IRIN). (Accessed: September 2026).
- The Sudan Times. (2026). US rejects SAF chemical weapons inquiry, demands OPCW inspections. The Sudan Times. (Accessed: September 2026).
- Ultra Sudan. (2026). واشنطن تفرض عقوبات على الجيش إثر مزاعم استخدام أسلحة كيميائية. ألترا سودان. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
- UN News. (2023). ‘Reasonable grounds’ to believe Syrian Government was behind deadly chlorine gas attack on Douma: OPCW report. UN News. (Accessed: September 2026).
- US Holocaust Memorial Museum. (بلا تاريخ). Darfur. Holocaust Encyclopedia. (Accessed: September 2026).
- VOA/GlobalSecurity.org. (2015). UN Seeks Accountability for Syria Gas Attacks. Voice of America. (Accessed: September 2026).
- WebMD. (2024). Commonly Known Chemical Weapons Agents. WebMD. (Accessed: September 2026).
- Wikipedia. (بلا تاريخ أ). Al-Shifa pharmaceutical factory. Wikipedia. (Accessed: September 2026).
- Wikipedia. (بلا تاريخ ب). Operation Infinite Reach. Wikipedia. (Accessed: September 2026).
- Wikipedia. (بلا تاريخ ج). Chemical weapon. Wikipedia. (Accessed: September 2026).
- Wikipedia. (بلا تاريخ د). Darfur genocide (2003–2005). Wikipedia. (Accessed: September 2026).
- يورونيوز عربي. (2026). تصاعد الخلاف الأمريكي السوداني بشأن الأسلحة الكيميائية مع دخول عقوبات جديدة حيز التنفيذ. يورونيوز. (تاريخ الوصول: سبتمبر 2026).
