ليست المشكلة الأساسية في المجتمعات التي تعاني من ضعف الديمقراطية أنها تفتقر إلى «العقل» أو أن شعوبها أقل ذكاءً من الشعوب الديمقراطية، وإنما أن العقل لا يعمل في فراغ. فهو يحتاج إلى مؤسسات وقواعد وحوار عام يسمح له بمراجعة أفكاره وتصحيح أخطائه.
وهنا يمكن التمييز بين نوعين من المعرفة: معرفة تبدو لنا بديهية وفطرية، ومعرفة تتشكل من خلال التفكير والنقد والحوار. المعرفة الأولى تمنح الإنسان شعوراً قوياً باليقين، بينما الثانية تقبل دائماً احتمال الخطأ.
وهذا التمييز مهم لفهم مشكلة الحداثة والديمقراطية في المجتمعات التي تكون فيها المؤسسات ضعيفة.
فمعظم ما نعتبره «بديهياً» ليس بالضرورة حقيقة عقلانية. الإنسان يولد بغرائز ومخاوف وانتماءات، ثم يتعلم داخل الأسرة والقبيلة والدين والمجتمع. ولذلك فإن جزءاً كبيراً من معرفتنا الأولى يتشكل قبل أن نمارس التفكير النقدي. ومع ضعف التعليم والمؤسسات والمجال العام، يصبح من الصعب إخضاع هذه المعرفة للمراجعة.
ولهذا فإن سيادة المعرفة الفطرية تكون أكثر احتمالاً في المجتمعات الفقيرة والمتخلفة سياسياً، حيث تكون المؤسسات التي تعمل كروافع للعقل ضعيفة. فالجامعة، والصحافة الحرة، والقضاء المستقل، والأحزاب الديمقراطية، ومراكز البحث، والمجتمع المدني، كلها ليست مجرد مؤسسات إدارية؛ إنها أدوات اجتماعية تساعد الفرد على تجاوز ما يبدو له بديهياً.
كانط وحدود المعرفة
وقد أدرك كانط مبكراً أن الإنسان لا يستطيع أن يعرف الأشياء في ذاتها معرفة كاملة ومطلقة. نحن لا نصل إلى الواقع كما هو في جوهره، وإنما ندركه من خلال أدواتنا العقلية والحسية.
وهذا يعني أن ادعاء امتلاك الحقيقة الكاملة يمثل مشكلة معرفية قبل أن يكون مشكلة سياسية.
إذا كان الإنسان لا يستطيع الإحاطة بالموضوع إحاطة كاملة، فلا يمكن أن تكون جماعة سياسية أو دينية أو أيديولوجية مالكة للحقيقة المطلقة. ولذلك فإن التواضع المعرفي ليس فضيلة أخلاقية فقط، بل ضرورة عقلانية.
لكن تاريخ الحداثة نفسه يوضح أن التخلص من المعرفة الفطرية ليس أمراً سهلاً. فقد ظهرت في القرن العشرين أيديولوجيات حديثة، كالماركسية والفاشية، ادعت امتلاك مفاتيح تفسير التاريخ والمجتمع. وبالرغم من اختلافها الجوهري، اشتركت بعض صورها العقائدية في الاعتقاد بأن هناك حقيقة تاريخية نهائية يمكن أن تمنح أصحابها شرعية فوق النقد.
وهنا ظهرت مفارقة الحداثة: يمكن للعقل نفسه أن يتحول إلى أيديولوجيا عندما يعتقد أنه امتلك الحقيقة النهائية.
من امتلاك الحقيقة إلى امتلاك الحق في إقصاء الآخر
وهذه النقطة تقودنا إلى ظاهرة شديدة الأهمية في السياسة، خصوصاً داخل الأحزاب العقائدية: اغتيال شخصية الآخر.
عندما أعتقد أنني أمتلك الحقيقة، فإن الاختلاف معي لا يعود مجرد اختلاف في الرأي. فإذا كانت الحقيقة التي أمتلكها مطلقة، فالشخص الذي يرفضها لا يمكن أن يكون ببساطة مخالفاً؛ لا بد أن يكون جاهلاً أو خائناً أو عميلاً أو فاسداً أو منحرفاً أو معادياً للدين والوطن.
وهكذا يتحول النقاش من:
«هل حجتك صحيحة؟»
إلى:
«من أنت حتى تقول ذلك؟»
وهنا يصبح اغتيال شخصية الخصم بديلاً عن تفنيد حجته.
وهذه الممارسة يمكن ملاحظتها بوضوح في الحياة السياسية السودانية، ولا سيما داخل التيارات العقائدية المختلفة. فالخصومة السياسية كثيراً ما تتحول إلى اتهام في النوايا والانتماء والولاء، بدلاً من مناقشة الأفكار والسياسات.
ولا يقتصر الأمر على تيار عقائدي بعينه. فالمشكلة في البنية العقائدية نفسها: حين تتحول الفكرة إلى هوية مغلقة، يصبح نقد الفكرة تهديداً للجماعة، ويصبح نقد الجماعة تهديداً للذات.
وهنا تتخفى المعرفة الفطرية خلف قناع العقلانية. فقد يستخدم الإنسان لغة منطقية ومصطلحات سياسية وفلسفية، لكنه يبدأ من نتيجة لا يسمح بمناقشتها، ثم يبحث عن الأدلة التي تؤيدها. ولذلك يصبح الحوار مجرد وسيلة لإثبات ما نعتقده مسبقاً، لا وسيلة لاكتشاف ما إذا كنا مخطئين.
حتى العلم لا يعمل منفرداً
والأمر لا يختلف تماماً حتى في العلوم الطبيعية. فالعالم لا يكتشف الحقيقة ثم يطلب من الآخرين قبولها لمجرد أنه عالم. نتائج البحث تخضع للمراجعة والنقد والتكرار، ويقوم العلماء بتصحيح بعضهم بعضاً.
أي أن المعرفة العلمية نفسها لا تعتمد فقط على عقل الفرد، وإنما على مجتمع من العقول المتحاورة.
وهذا هو المعنى الأعمق للعقلانية التواصلية عند هابرماس: العقلانية ليست ملكية فردية يمتلكها شخص أو حزب أو طبقة أو طائفة، وإنما تظهر في عملية التواصل عندما يستطيع الناس عرض حججهم، والرد عليها، وتغيير مواقفهم إذا ظهرت لهم أسباب أفضل.
لذلك فإن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات.
فالانتخابات قد تنتج حكومة، لكنها لا تضمن بالضرورة عقلانية المجال العام. الديمقراطية تحتاج إلى صحافة حرة، وقضاء مستقل، وجامعات مستقلة، ومؤسسات قوية، وأحزاب تقبل التداول، ومواطنين قادرين على التمييز بين الحجة والدعاية.
لماذا تصبح الديمقراطية أصعب في المجتمعات ذات المؤسسات الهشة؟
هنا نصل إلى المشكلة الأهم بالنسبة للمجتمعات النامية.
إذا كان العقل يحتاج إلى روافع مؤسسية، فإن ضعف هذه الروافع يعني أن الإنسان يصبح أكثر اعتماداً على ما ورثه من معرفة ومعتقدات وانتماءات.
ولهذا فإن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا ينبغي النظر إليهما باعتبارهما مجرد «تقاليد غربية» يمكن استيرادها أو رفضها. صحيح أن الصياغات الحديثة لهذه المبادئ تطورت تاريخياً في الغرب، لكن أساسها أعمق: الاعتراف بحدود معرفة الإنسان وبحاجته إلى حماية الآخر المختلف منه.
حقوق الإنسان تقول، في جوهرها، إن الإنسان لا يفقد كرامته لأننا نختلف معه.
والديمقراطية تقول إنني لا أحتاج إلى امتلاك الحقيقة المطلقة حتى أشاركك السلطة.
وهذا يتناقض جذرياً مع العقلية العقائدية المغلقة.
السودان: المشكلة ليست فقط في من يحكم
في الحالة السودانية، لا تكمن الأزمة فقط في وجود أنظمة عسكرية أو أحزاب عقائدية أو ضعف اقتصادي. المشكلة أعمق: في الثقافة السياسية التي تجعل الاختلاف يتحول بسهولة إلى عداوة.
وعندما تضعف المؤسسات، يصبح من الصعب إدارة الاختلاف سلمياً. وإذا كانت الجماعة السياسية ترى نفسها مالكة للحقيقة، فإن التنازل يصبح خيانة، والاعتراف بالخطأ يصبح ضعفاً، والخصم يصبح عدواً ينبغي إسقاطه أخلاقياً قبل إسقاط حجته.
ومن هنا يمكن فهم خطورة اغتيال الشخصية السياسية: إنه ليس مجرد تشويه للسمعة، وإنما جزء من منظومة معرفية ترفض الاعتراف بشرعية الاختلاف.
العقلانية التواصلية كطريق للخروج
البديل ليس أن نستبدل عقيدة بأخرى، ولا أن نستبدل «حقيقة» بأخرى، وإنما أن نغير طريقة إنتاج الحقيقة السياسية نفسها.
أي أن ننتقل من:
«أنا أمتلك الحقيقة، ولذلك يجب أن تتبعني»
إلى:
«أنا أمتلك حجة أعتقد أنها صحيحة، ولذلك أدعوك إلى مناقشتها.»
ومن:
«أنت مخطئ لأنك تنتمي إلى الجماعة الخطأ»
إلى:
«قد تكون مخطئاً، وقد أكون أنا المخطئ؛ فلنختبر حججنا معاً.»
وهذا هو جوهر العقلانية التواصلية.
فالمجتمع الديمقراطي لا يحتاج إلى مواطنين يتفقون في كل شيء، بل إلى مواطنين يستطيعون الاختلاف دون أن يحولوا المختلف إلى عدو أو خائن أو شيطان.
ولهذا فإن بناء الديمقراطية في السودان لا يبدأ فقط بصندوق الاقتراع، وإنما يبدأ ببناء الشروط التي تجعل الحوار ممكناً: مؤسسات مستقلة، تعليم نقدي، إعلام حر، قضاء مستقل، أحزاب ديمقراطية، ومجال عام يستطيع فيه الإنسان أن يختلف دون أن يخشى اغتيال شخصيته.
فالديمقراطية في نهاية الأمر ليست انتصار رأي على رأي، وإنما نظام اجتماعي يعترف بأن أياً منا لا يمتلك الحقيقة كاملة، وأن أفضل وسيلة للاقتراب منها هي أن نضع أفكارنا أمام الآخرين، ونقبل احتمال أن نكون مخطئين.
وهذا ربما يكون الفارق الجوهري بين مجتمع تحكمه المعرفة الفطرية ومجتمع تحكمه العقلانية: الأول يسأل «من مع من؟»، أما الثاني فيسأل أولاً: «ما الحجة؟».
طلعت محمد الطيب
