الصادق حمدين
ليس هذا حواراً بقدر ما هو حديث يدور في دائرة مغلقة، يبدأ من برهان وينتهي عند برهان، تحيط به ذات الوجوه والحواريين، فيما تغيب عنه أصوات السودانيين الحقيقية وأسئلتهم الملحّة. لذلك، فإن المطلوب ليس المزيد من الحوارات التي تتم إدارتها مع النفس أو باسمها، بل أن يأخذ البرهان حواره وحوارييه ويرحل، ليفتح المجال لحوار حقيقي لا يحتكره طرف ولا يفرضه واقع السلطة.
الآن كتاب أزمات الوطن الجريح فاتح على مصرعيه، وعناوينه تحمل مدلولاتها للتعريف بها دون جهالة مربكة توردنا موارد الفناء والهلاك. فالقضايا المصيرية لن يتم حلها ببرنامج الحد الأدنى، وفقه الجوديات الأهلية، ومنفستو التنازلات التي سوف تتناسل حروباً ودماراً إذا تمت تغطيتها بـ “عويش” الترضيات. بعد هذه المعاناة قتلاً ورعباً ودماءً وأشلاءً وتشرداً بين لجوء ونزوح، لن يتمخض جبل هذه الحرب ليهبنا فأراً لا يفيدنا جلداً ولا لحماً.
وقبل أي حوار، لابد من فرض هدنة إنسانية عاجلة تتعامل مع جائحة الجوع التي تضرب الوطن، وتفتح الطريق أمام الغذاء والدواء والمساعدات الإنسانية إلى كل من يحتاج إليها، دون عوائق أو حسابات سياسية. فالجوع لا ينتظر المفاوضات، والمرض لا يعرف الاصطفافات، ومعاناة المدنيين لا تحتمل مزيداً من التأجيل.
وبعد الهدنة الإنسانية، يجب أن تقف الحرب، لأن الحوار في ظل استمرار القتل والنزيف لن يكون سوى إدارة للأزمة وليس حلاً لها. وعندها فقط يبدأ حوار حقيقي، واضح الأهداف والمرجعيات، تكون فيه شروط العدالة الانتقالية محددة وواضحة قبل أي برنامج سياسي؛ لأن أساس الاستقرار يكمن في تطبيق العدالة، ومحاسبة كل من تثبت عليه جريمة لا يشملها التقادم المسقط، أياً كان موقعه أو انتماؤه أو صفته، مع ضمان تعويض الضحايا تعويضاً عادلاً ينصفهم ويرد إليهم بعضاً من حقوقهم المسلوبة.
وقبل كل ذلك، يجب أن تكون إعادة الإعمار في صدارة الأولويات، ووضع خطط إسعافية عاجلة تجعل الحياة ممكنة في حدها الأدنى، وتعيد للناس مقومات العيش، وتفتح الطرق أمام عودة النازحين واللاجئين، وترمم ما دمرته الحرب من مساكن ومرافق صحية وتعليمية وبنية تحتية ومصادر رزق. فلا معنى لأي حديث عن المستقبل إذا كان المواطن لا يجد غذاءً أو علاجاً أو مأوى، ولا يمكن بناء دولة مستقرة فوق أنقاض مجتمع أنهكته الحرب.
إن مباراة تعادل الدم والنزيف المتبادل بين الفرقاء، وإن طالت، في نهاية المطاف ستنتهي بالجلوس والتفاوض. ولكن الحوار الذي يريده الشعب السوداني ليس حواراً لتوزيع الأدوار، ولا منصة لإعادة إنتاج الأزمة، ولا منفستو للتنازلات، وإنما حوار يضع القضايا المصيرية في مقدمة الأولويات، ويؤسس لدولة محترمة تليق بتضحيات هذا الشعب العظيم.
وفوق كل ذلك، يجب ابتداءً فك الارتباط السياسي مع الإسلاموعسكرتاريا، وحظر نشاط الإسلاميين بمختلف تشكيلاتهم ومسمياتهم، كشرط أساسي. ودون ذلك الشرط الجوهري تصبح هذه المفاوضات وعوداً جوفاء، وتوزيعاً للأدوار، وخطابات ديماغوغية فارغة المحتوى والمضمون.
كما ويجب انتزاع حقوقنا الأساسية التي تمثل الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية قمة هرمها، لضمان استقلالنا الغذائي لقهر سلطان الجوع والعوز والفاقة، وحقنا المدعوم من الدولة في العلاج والتعليم. ثم تأتي الديمقراطية السياسية كخطوة تالية، والتي تعني إسناد السلطة لحكومة مدنية، تكون الكفاءة شرط استحقاق أساسي لنيل حق من يمثل الشعب.
وهذا كله لا يستقيم إلا ببناء دولة علمانية فيدرالية تقف على مسافة واحدة من كل الأديان، دولة يكون فيها الوطن للجميع، والحقوق والواجبات على أساس المواطنة، ولا تكون فيها الدولة أداة لفرض دين أو إقصاء عقيدة، ولا مجال فيها لخلط الدين بالسلطة السياسية أو تحويله إلى وسيلة للاستحواذ على الدولة. دولة المؤسسات المدنية، لا الحكومة المدنية التي يشكلها العسكر وتأتمر بأمره، دولة تحكمها مؤسساتها المدنية على ان تكون المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية.
ذلك هو الحوار الذي يريده الشعب السوداني؛ حوار يبدأ بإنقاذ الإنسان من الجوع، ووقف الحرب، وإرساء العدالة، وتعويض الضحايا، وإعادة الإعمار، ثم يمضي إلى بناء الدولة على أسس المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لا إلى إعادة إنتاج الماضي بأسماء جديدة.
المجد والخلود لشهداء ثورة ديسمبر المجيدة…. والتحية للكنداكات عظم ظهر الثورة وملهمها….والتعظيم للشباب الواقفين قنا….
لك المجد يا وطن الشموخ.
والثورة مستمرة بقوة دفعها الشبابية……
