من «رأسمالية النسور» إلى «التراكم الطفيلي الحربي»
قراءة سودانية في كتاب
Vulture Capitalism لـ Grace Blakeley
Grace Blakeley، Vulture Capitalism: Corporate Crimes, Backdoor Bailouts, and the Death of Freedom، Bloomsbury، 2024، 416 صفحة.
ثمة كتب لا تكمن أهميتها في تقديم إجابة نهائية، بل في تغيير السؤال. وهذا ما يفعله كتاب Grace Blakeley Vulture Capitalism. فالكتاب يفكك أسطورة «السوق الحرة»، ويكشف أن الرأسمالية المعاصرة تقوم على تشابك رأس المال والشركات والتمويل والدولة، بما يسمح في أزمات كثيرة بتحويل المخاطر إلى المجتمع، بينما تظل المكاسب مركزة في أيدي خاصة.
تسمي Blakeley هذا النمط «رأسمالية النسور»؛ رأسمالية لا تكتفي بإنتاج الثروة، بل تستطيع أن تقتات على الأزمات والأصول المتعثرة واختلال موازين القوة. وتصبح الأزمة، في هذه الحالة، أكثر من خلل اقتصادي مؤقت؛ إنها فرصة لإعادة توزيع الثروة والسلطة.
الحالة السودانية تدفع الفكرة إلى مستوى أكثر قسوة. فالحرب لا تنتج فقط اقتصاداً مشوهاً أو أسواقاً غير رسمية، بل يمكن أن تجعل الاضطراب نفسه مصدراً للتراكم. وهذا ما يمكن تسميته «التراكم الطفيلي الحربي»: نمط تتشكل فيه الثروة من السيطرة على الموارد والندرة ومسارات التجارة والامتيازات التي أفرزتها الحرب، بدلاً من توسيع القدرة الإنتاجية.
الذهب هو المثال الأكثر وضوحاً. فالسودان يمتلك مورداً استراتيجياً يمكن أن يوفر النقد الأجنبي، لكن قيمة الذهب لا تتحدد عند نقطة استخراجه فقط؛ بل في كامل السلسلة الممتدة من المنجم إلى التصدير والأسواق الخارجية. وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى أن صادرات الذهب الرسمية إلى الإمارات بلغت نحو 8.8 طن بقيمة تقارب 840 مليون دولار خلال النصف الأول من 2025، فيما تظل التجارة غير الرسمية والتهريب خارج الحسابات الرسمية بدرجات واسعة.
السؤال الاقتصادي الحقيقي ليس حجم الذهب وحده، وإنما مسار القيمة: من يسيطر على استخراجه؟ من يملك قنوات تسويقه؟ أين تتحول قيمته إلى نقد؟ وما الذي يصل إلى المالية العامة؟ وما الذي يبقى خارجها؟ هذه الأسئلة تكتسب وزناً أكبر في ظل تراجع الإيرادات الحكومية إلى مستويات تقل عن 5% من الناتج المحلي خلال سنوات الحرب، وارتفاع التضخم وتآكل القوة الشرائية للجنيه، وفق تقديرات البنك الدولي.
في مثل هذا الاقتصاد، يصبح امتلاك الدولار أو الذهب أو سلعة نادرة أو قناة تجارية وسيلة لحماية الثروة، بينما تتحمل الأسر التي تعتمد على الأجور والمدخرات المحلية الجزء الأكبر من تكلفة التضخم والانهيار. وبذلك لا تكون الحرب مجرد تدمير للإنتاج؛ إنها تعيد توزيع القدرة على امتلاك القيمة نفسها.
يتضح الفرق بين التراكم المنتج والتراكم الطفيلي الحربي في هذه النقطة تحديداً. التراكم المنتج يوسع الاقتصاد عبر الزراعة والصناعة والتكنولوجيا والمهارات والبنية التحتية، ويحتاج إلى الاستقرار والاستثمار طويل الأجل. أما التراكم الحربي فيستمد عائده من الندرة وفروق الأسعار والسيطرة على الموارد ومسارات التجارة والامتيازات، وقد يجد في استمرار الاضطراب حماية لمصادر ربحه.
لهذا فإن الحرب السودانية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها صدمة سياسية وعسكرية فحسب. إنها تعيد تشكيل الحوافز الاقتصادية. عندما يصبح الوصول إلى مورد أو معبر أو سوق أكثر ربحية من إنشاء مصنع أو تطوير مزرعة، يبدأ الاقتصاد في مكافأة السيطرة على القيمة بدلاً من إنتاجها.
وهنا تصبح قراءة Blakeley مفيدة، لكنها غير كافية. فالكتاب ينطلق من الرأسمالية الغربية المتقدمة، حيث الشركات الكبرى والأسواق المالية والدولة الحديثة هي البنية الأساسية للتحليل. أما السودان فيجمع بين اقتصاد ريعي، وتصنيع محدود، وقطاع غير رسمي واسع، وموارد طبيعية عالية القيمة، ومؤسسات ضعيفة، وتداخل تاريخي بين الاقتصاد والسلاح والأسواق الإقليمية. لذلك يحتاج المفهوم إلى إعادة صياغة تناسب اقتصاداً يمكن أن يتحول فيه الاضطراب من نتيجة للحرب إلى شرط للتراكم.
المسألة لا تتوقف عند استعادة السيطرة على الموارد أو محاربة التهريب. المطلوب هو العدالة في استرداد القيمة؛ أي إعادة بناء المسار الذي تتحول عبره الموارد والعمل والثروة العامة إلى عائد اجتماعي وإنتاجي. فالذهب والأرض والطاقة والموانئ والاتصالات لا ينبغي أن تنتهي قيمتها في شبكات الريع والوساطة، بل في التعليم والصحة والبنية التحتية والتمويل والتكنولوجيا وفرص العمل.
وتكمن المشكلة الاقتصادية الأساسية في بنية الحوافز: عندما يكون الربح من الريع والوساطة والسيطرة على الموارد أسرع من الربح الناتج عن الاستثمار والإنتاج والابتكار، يصبح رأس المال أداة لاستخراج القيمة من الاقتصاد بدلاً من توسيع قدرته على إنتاجها. لذلك لا يتعلق الإصلاح بمن يملك رأس المال فقط، بل بكيفية إنتاج القيمة وملكيتها وتوزيع عوائدها.
إعادة إعمار السودان، وفق هذا المنظور، ليست مشروعاً لإعادة بناء ما دمرته الحرب فحسب، بل فرصة لإعادة بناء نمط التراكم. المطلوب نقل الاقتصاد من استخراج القيمة من الندرة والاضطراب إلى إنتاجها من العمل والمعرفة والاستثمار، ومن اقتصاد يكافئ السيطرة إلى اقتصاد يكافئ الإنتاج.
وتصبح معركة ما بعد الحرب، بهذا المعنى، معركة على ملكية القيمة المستقبلية للسودان: موارده، وأراضيه، وموانئه، وأسواقه، ومعرفته وقوة عمله.
تكشف قراءة Vulture Capitalism أن الأزمة قد تتحول إلى مجال للتراكم؛ أما التحدي السوداني فهو أكثر خطورة: أن تتحول الحرب نفسها إلى اقتصاد قابل لإعادة إنتاج الحرب. لذلك لا يكفي أن تنتهي الحرب عسكرياً؛ يجب تفكيك البنية الاقتصادية التي تجعل من استمرار الاضطراب مصدراً للثروة، وبناء اقتصاد يراكم القيمة من الإنتاج لا من الانهيار
habobsalah@gmail.com
