أواب عزام البوشي
عاد عثمان عمليات للظهور مجددًا، حيًا يُرزق، وفي كامل صحته وعافيته، ليسقط بذلك واحدة جديدة من حلقات التضليل التي ظل السودانيون يتعرضون لها طوال سنوات الحرب. فكما رُوّج سابقًا لشائعة مقتل حميدتي، وتكررت روايات “الحسم القريب” و”الانتصارات الوهمية”، تتكرر اليوم ذات الآلة الإعلامية التي تعيش على صناعة الأكاذيب وإطالة عمر الصراع.
الحديث هنا ليس دفاعًا عن قوات الدعم السريع، ولسنا جزءًا من أي طرف في هذه الحرب، لكن الحقيقة لا يجب أن تُدفن تحت ركام الدعاية السياسية. فالسودانيون ظلوا لسنوات يتلقون أخبارًا مضللة هدفها رفع المعنويات الزائفة، وتخدير الناس، ودفع المزيد من الشباب إلى جبهات الموت على أمل انتصارٍ يُقال إنه “اقترب”، بينما الواقع يزداد خرابًا يومًا بعد يوم.
كم من الأسر فقدت أبناءها بسبب هذه الأكاذيب؟ وكم من السودانيين تم استنزافهم نفسيًا وإنسانيًا واقتصاديًا تحت تأثير خطاب تعبوي يقوم على الوهم أكثر من الحقيقة؟ لقد تحولت الحرب إلى مساحة مفتوحة لتزييف الوعي، بينما المواطن البسيط يدفع الثمن وحده من دمه ومستقبله وحقه في الحياة.
وفي خضم هذا الانهيار الكبير، تبرز دعوات وقف الحرب باعتبارها الموقف الأكثر أخلاقية وإنسانية، لا باعتبارها انحيازًا لطرف ضد آخر. ومن بين هذه الأصوات جاءت دعوة الدكتور قاسم بدري إلى خروج السودانيين في تظاهرات شعبية للضغط من أجل إنهاء الحرب، وهي دعوة تستحق التوقف عندها بجدية، مهما اختلف الناس حول فرص نجاحها أو تعقيدات الواقع.
فالحقيقة التي باتت واضحة للجميع هي أن هذه الحرب لا تملك منتصرًا حقيقيًا. المنتصر الوحيد فيها هو الخراب، والخاسر الوحيد هو الشعب السوداني. ثلاث سنوات من الموت والنزوح والجوع والانهيار الكامل للخدمات، بينما لا تزال بعض القوى تصر على تغذية الكراهية وترويج الأوهام وكأن هذه الحرب هي مشروع استثمار سياسي طويل الأمد.
وفي مفارقة تكشف الكثير، نقلت مجلة “أفق جديد” عن مصادر مطلعة أن قيادات في الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني المحلول أبدت موافقة على وقف الحرب، لكن بشروط تتعلق بعودتها إلى العمل السياسي والحصول على ضمانات بعدم الملاحقة أو المحاسبة. وهي مفارقة تطرح سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا بالغ الخطورة: هل المطلوب سلام ينقذ السودان، أم تسوية تعيد إنتاج الأزمة ذاتها بوجوه جديدة؟
إن السلام الحقيقي لا يمكن أن يُبنى على الأكاذيب، ولا على محاولات غسل التاريخ أو الهروب من المسؤولية.
فالسودانيون لا يحتاجون إلى صفقات تعيد تدوير الأزمة، بل إلى موقف وطني صادق ينهي الحرب ويحفظ ما تبقى من الوطن.
كما أن الموقف الأمريكي الأخير، بحسب ما نقلته “أفق جديد”، أشار إلى تمسك واشنطن بموقفها الداعي لإنهاء الصراع، مع رفض التعليق على تفاصيل الاتصالات المتعلقة بمبادرات بعض قيادات الحركة الإسلامية. وهو ما يعكس حذرًا دوليًا من الانخراط في تسويات متسرعة تتجاوز قضايا العدالة والمحاسبة.
إن الدعوة إلى السلام ليست خيانة، وليست اصطفافًا مع طرف ضد آخر، بل هي موقف أخلاقي وإنساني وديني قبل أي شيء. فالله سبحانه وتعالى يقول :-
﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾
ويقول الرسول ﷺ: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض».
لا يوجد نصر حقيقي فوق جماجم الأبرياء، ولا بطولة في استمرار نزيف الدم السوداني. وسيذكر التاريخ من دعا إلى إيقاف الحرب، كما سيذكر من ساهم في استمرارها بالأكاذيب وخطابات التحريض والمصالح الضيقة.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان إلى صوتٍ شعبي حر يرفض التضليل، ويرفض تحويل الناس إلى وقود لحرب عبثية لا نهاية لها إلا بالتفاوض والاتفاق. لأن الحقيقة التي يحاول البعض الهروب منها هي أن هذه الحرب لن تُحسم بالشعارات، ولن تنتهي بالأوهام، بل ستتوقف فقط عندما ينتصر صوت العقل على تجار الدم والكذب.
awabazzam456@gmail.com
