من نقد الرأسمالية إلى نقد اقتصاد الحرب
السودان: حين يتحول الخراب إلى آلية للتراكم
بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
لم يعد كافياً أن تقرأ القوى التقدمية الاقتصاد السوداني بأدوات نقد الرأسمالية في صورتها التقليدية. فالحرب منذ أبريل 2023 لم تُسقط الناتج والإنتاج فقط، بل أعادت تشكيل علاقات القوة الاقتصادية: من يملك المورد، ومن يسيطر على مساره، ومن يمول التجارة، ومن يحدد سعرها، ومن يحصل على العملة الصعبة، ومن يدفع كلفة الانهيار. لذلك لم يعد السؤال المركزي: من يملك وسائل الإنتاج؟ بل: من يملك القدرة على تحويل الحرب إلى مورد للتراكم؟
الأرقام تكشف عمق الانقلاب. فقد انكمش الناتج المحلي الحقيقي للسودان بنحو 29.4% في 2023 و14% في 2024، قبل نمو تقديري محدود بلغ 3.1% في 2025. وانخفضت الإيرادات الحكومية من نحو 10% من الناتج المحلي في 2022 إلى أقل من 5% في 2024–2025، بينما ارتفعت نسبة الفقر المدقع تقديرياً من 48% في 2023 إلى 59% في 2025.[1]
هذه ليست مجرد خسارة في الناتج؛ إنها إعادة توزيع اجتماعية للخسارة. فالعمال وصغار المنتجين والمزارعون والتجار المحليون فقدوا الدخل والأصول والأسواق، بينما فتحت الندرة والفوضى مساحات جديدة للريع والاحتكار والمضاربة. حين ينكمش الاقتصاد بهذا الحجم، لا يتضرر الجميع بالقدر نفسه؛ فالأزمة نفسها تصبح مصدراً جديداً للثروة لدى من يملك القدرة على الوصول إلى الموارد والأسواق.
هنا يظهر ما يمكن تسميته «التراكم الحربي»: تحقيق الثروة والنفوذ من السيطرة على الموارد ومساراتها أكثر من إنتاج قيمة اقتصادية جديدة. الذهب هو المثال الأوضح. ففي النصف الأول من 2025 استحوذت الإمارات على نحو 90% من صادرات السودان الرسمية من الذهب، بقيمة تقارب 840 مليون دولار، بينما تشير تقديرات سودانية إلى أن الذهب المهرب يتجاوز الإنتاج الرسمي بأضعاف.[2] وفي يوليو 2026 فرض الاتحاد الأوروبي قيوداً على تجارة الذهب السوداني، مستهدفاً أحد مصادر تمويل الحرب.[3]
المشكلة ليست في الذهب كمورد، وإنما في من يستحوذ على القيمة التي ينتجها المورد. فالمعدن يخرج من الأرض السودانية، لكن القيمة تتوزع عبر حلقات الاستخراج والشراء والنقل والتمويل والتكرير والتصدير، فيما تتحمل المجتمعات المحلية كلفة التهجير والتدهور البيئي وفقدان سبل العيش. وهكذا تتحول الثروة الطبيعية من قاعدة للتنمية إلى وقود للصراع.
بهذا المعنى، يتجاوز اقتصاد الحرب السوق التقليدية. إنه اقتصاد تتداخل فيه القوة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، وتصبح القدرة على الوصول إلى المورد أحياناً أهم من ملكيته القانونية. فالذي يسيطر على الطريق أو المنفذ أو التمويل أو الترخيص يستطيع اقتطاع جزء من القيمة دون أن ينتج السلعة نفسها. وهذه هي إحدى صور «الطبقة الريعية الحربية»: شبكات لا تستمد قوتها أساساً من زيادة الإنتاجية، بل من موقعها في مسارات الموارد والتمويل والنفوذ.
لذلك ينبغي أن يتغير النقد الاقتصادي للقوى التقدمية. فليس المطلوب نقد الملكية الخاصة وحدها، وإنما كشف الريع الذي تنتجه القوة، والاحتكار الذي تنتجه الحرب، والتراكم الذي يقوم على السيطرة على مسارات القيمة بدلاً من توسيع قاعدة الإنتاج.
والخطر أن لا ينتهي هذا الاقتصاد بانتهاء القتال. فقد تتحول شبكات التهريب إلى شركات، والامتيازات غير الرسمية إلى عقود، والنفوذ العسكري أو السياسي إلى ملكية واستثمار. وعندها تصبح إعادة الإعمار نفسها ساحة جديدة للتراكم. هذه هي «رأسمالية ما بعد الحرب»: انتقال أدوات التراكم التي تشكلت أثناء الحرب إلى سوق السلام، تحت غطاء قانوني ومؤسسي جديد.
وهنا ينبغي الحذر من «خصخصة كلفة الحرب»: أن يدفع المجتمع كلفة تدمير الأصول العامة والبنية الإنتاجية، ثم تنتقل هذه الأصول بعد الحرب، بأسعار منخفضة أو عبر عقود غير متكافئة، إلى من يملك رأس المال والنفوذ. عندها يتحول فقدان المجتمع إلى فرصة استحواذ للآخرين.
السودان مقبل على احتياجات هائلة لإعادة الإعمار، فيما تضررت قطاعات الصناعة والطاقة والنقل والخدمات بصورة واسعة. وقدرت مصادر صناعية الخسائر التي لحقت بالقطاع الصناعي بنحو 50 مليار دولار.[4] ومع انهيار الإيرادات العامة إلى أقل من نصف مستواها النسبي قبل الحرب، ستحتاج الدولة بالضرورة إلى التمويل الخارجي والاستثمار الخاص.[1] لذلك فإن السؤال ليس فقط: كم تبلغ فاتورة إعادة الإعمار؟ بل: من سيمولها، ومن سيحصل على عقودها، ومن سيمتلك أصولها، ومن يراقب عائدها الاجتماعي؟
إذا غابت الشفافية عن العقود وملكية الأراضي وحقوق التعدين وبيع الأصول والمشتريات الحكومية، فقد تتحول أموال السلام إلى مصدر جديد للتراكم الريعي. وقد يصبح «اقتصاد السلام» مجرد اقتصاد حرب أكثر تنظيماً وأعلى شرعية.
لذلك لا ينبغي أن يكون اقتصاد ما بعد الحرب عودة إلى اقتصاد ما قبل الحرب؛ فقد كان ذلك الاقتصاد نفسه عاجزاً عن توزيع الموارد بصورة عادلة. وتشير بيانات البنك الدولي إلى انخفاض نصيب الفرد الحقيقي من الناتج بمتوسط سنوي بلغ 7.1% بين 2012 و2024.[5] الحرب إذن لم تبدأ من اقتصاد سليم؛ وإنما عمّقت اختلالات تراكمت طويلاً.
المطلوب هو تغيير اتجاه التراكم: من استخراج القيمة من الموارد إلى خلق القيمة داخل الاقتصاد؛ من تصدير الخام إلى بناء سلاسل قيمة؛ من اقتصاد الريع إلى الإنتاج؛ ومن إعادة الإعمار باعتبارها حجم إنفاق إلى إعادة البناء باعتبارها خلقاً للوظائف والدخل والقدرة الإنتاجية.
وهذا يتطلب حماية الأصول العامة، وإعادة بناء الزراعة والصناعة، وتوسيع التمويل المنتج، وإصلاح قطاع التعدين، وربط الاستثمار الأجنبي بنقل القيمة والمعرفة، وإخضاع العقود العامة لرقابة مؤسسية ومجتمعية. فالعدالة الاقتصادية بعد الحرب ليست توزيع الدخل فقط، وإنما إعادة توزيع القدرة على الوصول إلى الأرض والموارد والتمويل والعمل والعقد العام.
وهنا تتجدد مهمة القوى التقدمية. لم يعد كافياً أن تقول «ضد الرأسمالية»؛ عليها أن تشرح كيف يتشكل التراكم في السودان، ومن يدفع ثمنه ومن يستحوذ على عائده. عليها أن تنقل نقدها من الملكية المجردة إلى شبكات المصالح ومسارات القيمة وعلاقات القوة التي تنتج الثروة والفقر معاً.
فالسوداني الذي فقد أرضه أو منزله أو عمله لا يواجه فقط آثار الحرب؛ إنه يواجه احتمال أن تتحول خسارته إلى أصل استثماري لغيره. والمزارع الذي فقد مدخلات الإنتاج قد يعود إلى سوق بشروط تجعل رأس المال الأقوى هو المستفيد الأكبر. والعامل الذي فقد أجره قد يرى مليارات إعادة الإعمار تمر عبر العقود دون أن يحصل على نصيب عادل من القيمة.
لذلك فإن المعركة الاقتصادية بعد الحرب ليست فقط معركة استعادة النمو، بل معركة تحديد من يستفيد من النمو.
السودان يحتاج إلى اقتصاد يجعل السلام منتجاً للثروة الاجتماعية، لا فرصة لإعادة توزيع الغنائم؛ اقتصاد تكون فيه الموارد العامة ملكاً للمجتمع، والاستثمار منتجاً لا ريعياً، والدولة حارسة للمال العام لا وسيطاً بين النفوذ والثروة.
إن الانتقال الضروري هو من نقد الرأسمالية إلى نقد اقتصاد الحرب، ومن نقد توزيع الثروة إلى نقد آليات إنتاجها، ومن مقاومة الاستغلال إلى بناء اقتصاد يمنع إعادة إنتاجه.
فالسؤال بعد الحرب لن يكون فقط: كم سيبلغ الناتج؟ بل:
من سيملك النمو؟
ومن سيملك إعادة الإعمار؟
ومن سيملك السودان عندما يتحول الخراب إلى سوق؟
هامش المراجع
[1] World Bank, Sudan Economic Update / Sudan Country Overview, 2025–2026. بيانات الناتج، الإيرادات الحكومية والفقر.
World Bank – SudanAttachment.png
[2] Reuters, 21 October 2025, Sudan pound suffers as de facto UAE flight ban hits gold exports. بيانات صادرات الذهب الرسمية ومسارات التجارة.
[3] Reuters, July 2026, تقارير القيود الأوروبية على تجارة الذهب السوداني وتمويل الحرب.
[4] Reuters, 23 October 2025, Khartoum’s shattered factories pick up pieces as war rages. تقديرات خسائر القطاع الصناعي.
[5] World Bank, Sudan Economic Update / Macroeconomic Indicators, 2025–2026. بيانات تراجع نصيب الفرد من الناتج خلال الفترة 2012–2024.
[6] UNDP Sudan، تقارير الأثر الاقتصادي والاجتماعي للحرب وإعادة بناء سبل العيش، 2024–2026.
[7] UNCTAD، تقارير التجارة والتنمية والاقتصادات المتأثرة بالنزاعات، للاستناد إلى مفهوم انتقال الموارد من الإنتاج إلى الاقتصادات الريعية وشبكات التجارة غير الرسمية.
habobsalah@gmail.com
