المُبْتَدَأُ:
الحَرْبُ تَخْلُقُ وَعْياً، وَالوَعْيُ يَصْنَعُ المَصِيرَ.
وَالخَبَرُ:
(1)
النَصْرُ العَسْكَرِيُّ فِي الحُرُوبِ الأَهْلِيَّةِ لا يُتَرْجِمُ آلِيّاً إِلَى هَيْمَنَةٍ سِياسِيَّةٍ، وَالحَرْبُ فِي السُودانِ لَيْسَت حَرْباً بَيْنَ دُوَلٍ، وَإِنْ كانَ لَها أَطْرافٌ داعِمَةٌ خارِجِيَّةٌ؛ بَلْ حَرْباً داخِلَ البِنْيَةِ الاِجْتِماعِيَّةِ ذاتِها. اِسْتِعادَةُ الجَيْشِ لِلمُدُنِ مِنْ يَدِ مِلِيشِياتِ الدَعْمِ السَرِيعِ لا تَعْنِي اِسْتِعادَةَ “الدَوْلَةِ” بِمَفْهُومِها السِياسِيِّ؛ فَالبِنْيَةُ التَحْتِيَّةُ مُدَمِّرَةٌ، وَالخَدَماتُ غائِبَةٌ، وَالمُواطِنُ لا يُفَرِّقُ بَيْنَ جَيْشٍ يَحْمِيهِ وَجَيْشٌ يُفْرَضُ عَلَيْهِ إِتاواتِ الفَسادِ. وَجَدَلِيّاً، النَصْرُ المُؤَقَّتُ يُنْتِجُ وَعْياً زائِفاً بِالسَيْطَرَةِ، لٰكِنَّ الواقِعَ المادِّيَّ المُتَمَثِّلَ فِي: (اِنْتِشارِ الجُوعِ، اِنْعِدامِ الدَواءِ، وَتَوَقُّفُ الخَدَماتِ) يُفَنِّدُ هٰذا الوَهْمَ يَوْمِيّاً وَيَضَعُ جِنِرالاتِ الجَيْشِ أَمامَ واقِعٍ وطني مَأْساوِيٍّ يُحاوِلُونَ القَفْزَ فَوْقَهُ دُونَ جَدْوَى.
(2)
اِنْقِلابُ 25 أكتوبر 2021 لَمْ يَكُنْ حَدَثاً عابِراً، بَلْ هُوَ نُقْطَةُ تَحَوُّلٍ بِنْيَوِيَّةٍ فِي عَلاقَةِ الجَيْشِ بِالشَعْبِ. جِنِرالاتُ الجَيْشِ لَمْ يَعُدُوا مُجَرَّدَ قادَةٍ عَسْكَرِيِّينَ، بَلْ صارُوا رُمُوزاً لِـ”الوَعْدِ الخائِبِ” بِالاِنْتِقالِ المَدَنِيِّ. الوَعْيُ الشَعْبِيُّ اِخْتَزَلَ فِي ذاكِرَتِهِ أَنَّ هٰؤُلاءِ الرِجالَ هُمْ مَنْ أَغْلَقُوا الطَرِيقَ أَمامَ الثَوْرَةِ، وَفَتَحُوا البابَ أَمامَ التَمَرُّدِ المُسَلَّحِ بِالسَماحِ لِمَلِيشْيا الدَعْمِ السَرِيعِ بِالتَمَدُّدِ وَحَشْدِ العَتادِ وَالرِجالِ فِي عاصِمَةِ البِلادِ. هٰذا الإِرْثُ يَجْعَلُ وُجُودَ جِنِرالاتِ الجَيْشِ ضِمْنَ المَشْهَدِ السِياسِيِّ لِما بَعْدَ الحَرْبِ غَيْرَ قابِلٍ لِلتَزْكِيَةِ، مَهْما كانَتْ إِنْجازاتُهُمْ العَسْكَرِيَّةُ المَيْدانِيَّةُ.
(3)
وَالأَعْمَقُ مِنْ ذٰلِكَ، أَنَّ الحَرْبَ الحالِيَّةَ، فِي قِراءَةِ كَثِيرٍ مِنْ المُراقِبِينَ، كانَتْ وَلِيدَةُ ذٰلِكَ الاِنْقِلابِ ذاتِهِ. فَتَرَكَ الفَراغَ السِياسِيَّ يَتَّسِعُ وَيَتَمَدَّدُ، كانَ مِنْ أَهَمِّ العَوامِلِ الَّتِي هَيَّأَت المُناخَ لِاِنْدِلاعِ الصِراعِ المُسَلَّحِ. وَهُنا تَكْمُنُ المُفارَقَةُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ صُنْعِ الحَرْبِ، هُوَ نَفْسُهُ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَحْصُدَ شَرْعِيَّتَها. وَهُنا يُبْرِزُ سُؤالُ وُجُودِي فِي أَرْوِقَةِ السِياسَةِ وَالشارِعِ مَعاً: هَلْ بِإِمْكانِ هٰذا الجَيْشِ إِذا ما اِنْتَصَرَ أَنْ يَتَحَوَّلَ إِلَى حاكِمٍ؟ أَمْ أَنَّ النَصْرَ نَفْسَهُ سَيَكُونُ قَبْرُهُ السِياسِيُّ؟ وَفِي اِعْتِقادِي أَنَّ هٰذا السُؤالَ لا يَحْتاجُ إِلَى إِجابَةٍ مِنْ كُتُبِ السِياسَةِ، بِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إِلَى قِراءَةٍ مُتَأَنِّيَةٍ لِلواقِعِ المادِّيِّ الَّذِي يَتَحَرَّكُ فِيهِ الجِنِرالاتُ، وَالتَناقُضاتُ الَّتِي تَنْسِجُها الحَرْبُ مِنْ خُيُوطِها الخاصَّةِ.
(4)
صَحِيحٌ أَنَّ الجَيْشَ اِسْتَعادَ مُدُناً، وَفَرَضَ هَيْبَتَهُ فِي مَعارِكَ ضارِيَةٍ. لٰكِنْ هَلْ اِسْتَعادَ الدَوْلَةَ؟ وَهَلْ اِسْتَعادَ ثِقَةَ المُواطِنِ؟ الناظِرُ إِلَى أَيِّ مَدِينَةٍ تَحَرَّرَتْ، سَيَجِدُ أَنَّ البُنْيَةَ التَحْتِيَّةَ مُدَمِّرَةٌ، وَالمُسْتَشْفَياتُ بِلا كَهْرُباءٍ وَلا دَواءٍ، وَالأَسْواقِ بِلا رَقابَةٍ، وَالأَمْنُ غائِبٌ فِي التَفاصِيلِ اليَوْمِيَّةِ. الجَيْشُ يَرْفَعُ العِلْمَ فَوْقَ المَبانِي، لٰكِنَّ المُواطِنَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالسُؤالِ: مَتَى تَعُودُ الحَياةُ؟ هٰذا الفارِقُ بَيْنَ “السَيْطَرَةِ” وَ”الحُكْمِ” هُوَ ما يَجْهَلُهُ العَسْكَرُ، أَوْ يَتَجاهَلُونَهُ. فَالاِنْتِصارُ عَلَى العَدُوِّ لا يَعْنِي القُدْرَةَ عَلَى إِدارَةِ المَوارِدِ، وَلا يَعْنِي تَوْفِيرَ الخُبْزِ وَالدَواءِ وَالأَمانِ. وَالمُواطِنُ السُودانِيُّ، بَعْدَ كُلِّ هٰذِهِ السَنَواتِ، صارَ يُفَرِّقُ جَيِّداً بَيْنَ مَنْ يَحْمِي البِلادَ وَمَنْ يُدِيرُها. الأَوَّلُ يَحْظَى بِالدَعْمِ المَشْرُوطِ، وَالثانِي يَخْضَعُ لِلمُحاسَبَةِ الجَماهِيرِيَّةِ.
(5)
الدَوْلَةُ، بِأَبْسَطِ تَعْرِيفاتِها، هِيَ مِنْ تَوَفُّرِ الأَمْنِ وَالخَدَماتِ وَتَحْكُمُ بِالعَدْلِ. وَلٰكِنْ فِي مَناطِقِ سَيْطَرَةِ الجَيْشِ، هٰذا غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ لِلأَسَفِ حَتَّى الآنَ. نَجِدُ مُواطِنً فِي أُمِّ دِرْمانَ مَثَلاً يَقُولُ لَكَ: أَنا تَحْتَ حِمايَةِ الجَيْشِ، لٰكِنِّي أَخافُ مِنْ قِطاعِ الطُرُقِ لَيْلاً. وَمُواطِنَةً فِي بَحْرِيِّ تَشْتَكِي اِنْقِطاعَ الماءِ لِأَيّامٍ. وَآخر فِي الخُرْطُومِ يَدْفَعُ مَبالِغَ خُرافِيَّةً نَظِيرَ رَغِيفِ الخُبْزِ الحاف. المُؤَسَّساتُ الحُكُومِيَّةُ مَشْلُولَةٌ، وَالرَواتِبُ تَتَأَخَّرُ، وَالدَواءُ شَحِيحٌ، وَالمُسْتَقْبَلُ غائِمٌ. هٰذا الفَشَلُ الإِدارِيُّ اليَوْمِيُّ، وَهٰذا العَجْزُ عَنْ تَوْفِيرِ الحَدِّ الأَدْنَى مِنْ مُتَطَلَّباتِ العَيْشِ، هُوَ ما يَنْسِفُ شَرْعِيَّةَ الجَيْشِ مِنْ الداخِلِ، أَسْرَعَ مِمّا تَنْسَفُهُ أَيُّ قَذِيفَةٍ أَوْ حِصارٍ. فَالسُلْطَةُ لا تَقُومُ عَلَى البُنْدُقِيَّةِ فَقَطْ، بَلْ عَلَى قُدْرَتِها عَلَى إِشْباعِ الحاجاتِ الأَساسِيَّةِ. وَعِنْدَما تَعْجَزُ، تَسْقُطُ هٰذِهِ هِيَ المُعادَلَةُ بِكُلِّ بَساطَةٍ.
(6)
نَعَمْ، الجَماهِيرُ تُهَلِّلُ لِلجَيْشِ فِي الشَوارِعِ، وَتَرْفَعُ صُوَرَ قادَتِهِ، وَتَدْعُو لَهُمْ فِي المَآتِمِ وَالمُناسَباتِ. لٰكِنْ هَلْ هٰذا التَأْيِيدُ مَبْنِيٌّ عَلَى قَناعَةٍ بِحُكْمِهِمْ؟ أَمْ هُوَ مُجَرَّدُ رَدَّةِ فِعْلٍ عَلَى فَظائِعِ الطَرَفِ الآخَرِ؟ التَحْلِيلُ المَنْطِقِيُّ البَسِيطُ يُشِيرُ الَى أَنَّ هٰذا التَأْيِيدَ “سَلْبِيٌّ”، وَلَيْسَ تَأْيِيداً “إِيجابْيّاً”. إِنَّهُ خِيارُ الشَرِّ الأَقَلُّ فِي مُواجَهَةِ شَرٍّ أَكْبَرَ. فَنَفْسُ الجَماهِيرِ الَّتِي تَهْتِفُ الآنَ بِاِسْمِ الجَيْشِ، هِيَ الَّتِي كانَتْ تَهْتِفُ “لا لِلعَسْكَرِ” قَبْلَ عامَيْنِ. وَهٰذِهِ الذاكِرَةُ الجَماعِيَّةُ لَيْسَتْ مَيْتَةً، بَلْ هِيَ فِي حالَةِ كَمُّونٍ، تَنْتَظِرُ أَنْ تَنْفَجِرَ عِنْدَ أَوَّلِ فُرْصَةٍ. وَالدَلِيلُ عَلَى ذٰلِكَ واضِحٌ فَكُلَّما هَدَأَتْ جَبْهاتُ القِتالِ، عادَتْ أَصْواتُ الاِحْتِجاجِ عَلَى الفَسادِ وَسُوءِ الإِدارَةِ إِلَى الظُهُورِ، وَكَأَنَّ الجَماهِيرَ تُعْلِنُ أَنَّ مُسانَدَتَها لِلجَيْشِ فِي الحَرْبِ، لا تَعْنِي تَزْكِيَتَها لَهُ فِي الحُكْمِ.
(7)
كَشَفَتْ الحَرْبُ عَنْ شَيْءٍ عَمِيقٍ وَهُوَ أَنَّ جَوْهَرَ الصِراعِ لَيْسَ قَبْلِيّاً كَما يُرَوِّجُ البَعْضُ، بَلْ هُوَ صِراعٌ عَلَى الثَرْوَةِ وَالسُلْطَةِ وَالنُفُوذِ. الفَقِيرُ فِي الخُرْطُومِ، وَالفَقِيرُ فِي نِيالا، وَالفَقِيرُ فِي كَسَلا، كُلُّهُمْ عانَوْا مِنْ الجُوعِ نَفْسِهِ، وَمِنْ الإِهْمالِ نَفْسِهِ، وَمِنْ غِيابِ الدَوْلَةِ نَفْسِهِ. هٰذا الوَعْيُ الجَدِيدُ، الَّذِي وُلِدَ فِي مُعَسْكَراتِ اللُجُوءِ وَالمَنافِئِ وَفِي التَكايا وَغُرَفِ الطَوارِئِ، يَرْفُضُ أَيَّ تَسْوِيَةٍ تُكَرِّسُ وُجُودَ العَسْكَرِ كَحُرّاسٍ لِلثَرْوَةِ الوَطَنِيَّةِ. إِنَّهُ وَعْيٌ طَبَقِيٌّ بِاِمْتِيازٍ، يُطالِبُ بِمُحاسَبَةِ كُلِّ مَنْ تَسَبَّبَ فِي هٰذا الدَمارِ، سَواءٌ كانَ فِي ثُكْنَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ أَوْ فِي قَصْرٍ حُكُومِيٍّ. وَالأَهَمُّ، أَنَّهُ وَعْيٌ لا يَقْبَلُ بِالوِصايَةِ، وَلا يَرْضَى بِالشَراكَةِ المُزَيَّفَةِ مَعَ مَنْ يُمْسِكُ بِالسِلاحِ عَلَى قَرارِ الشَراكَةِ المَعْلُولَةِ الَّتِي حَكَمَتْ البِلادَ بَعْدَ ثَوْرَةِ دِيسَمْبِرَ وَقادَتْ البِلادَ لِلمَحْرَقَةِ.
(8)
المَأْزِقُ الأَخْلاقِيُّ وَالوُجُودِيُّ لِلمُواطِنِ السُودانِيِّ أَنَّ الخِياراتِ المُتاحَةَ أَمامَهُ كُلَّها مُؤْلِمَةٌ. إِمّا حُكْمٌ عَسْكَرِيٌّ يَفْرِضُ وِصايَتَهُ، وَإِمّا حُكْمُ مِيلِيشْياوي يُمارِسُ الإِبادَةَ. كِلا الخَيّارَيْنِ يُؤَدِّي إِلَى تَدْمِيرِ الدَوْلَةِ، الأَوَّلِ بِبُطْءٍ وَالثانِي بِسُرْعَةٍ. وَهٰذا المَأْزِقُ يَخْلُقُ حالَةً مِنْ الإِحْباطِ السِياسِيِّ، لٰكِنَّهُ فِي الوَقْتِ نَفْسِهِ، يُنْتِجُ طاقَةً كامِنَةً هائِلَةً. لِأَنَّ الإِنْسانَ، عِنْدَما يَصِلُ إِلَى قاعِ اليَأْسِ، لا يَجِدُ أَمامَهُ إِلّا أَنْ يَثُورَ عَلَى كُلِّ الأَطْرافِ، وَأَنْ يَبْحَثَ عَنْ خِيارٍ ثالِثٍ، يَخْتَلِفُ جَذْرِيّاً عَنْ نَماذِجِ الحُكْمِ الَّتِي جَرَتْ البِلادُ إِلَى الهاوِيَةِ. وَهٰذا الخِيارُ الثالِثُ، مَهْما بَدا بَعِيداً، فَهُوَ حاضِرٌ فِي الوِجْدانِ الشَعْبِيِّ كَبَدِيلٍ طَبِيعِيٍّ.
(9)
الحَرْبُ لَها أَثْمانٌ، وَالجَيْشُ يَدْفَعُ بَعْضَها بِالدَمِ، وَالبَعْضُ الآخَرُ بِالسِياسَةِ. فَالجِنِرالاتُ اليَوْمَ يَسْتَعِينُونَ بِفُلُولِ النِظامِ السابِقِ، بِرِجالِ أَعْمالٍ إِسْلامِيِّينَ، وَبِكَتائِبِ الظِلِّ الاِسْلامَوِيَّةِ الَّتِي كانَت وَلا تَزالُ ذِراعاً لِنِظامِ الحَرَكَةِ الإِسْلامِيَّةِ البائِدِ. هٰذِهِ الاِسْتِدانَةُ تَجْعَلُ الجَيْشَ أَسِيراً لِإيديولوجِيَّةٍ فَقَدَتْ شَرْعِيَّتَها، وَأَصْبَحَتْ فِي ذاكِرَةِ السُودانِيِّينَ مُرادَفَةً لِلفَسادِ وَالقَمْعِ وَالتَهْمِيشِ. الإِسْلامِيُّونَ يَسْتَخْدِمُونَ الجَيْشَ كَحِصانِ طِرْوادَةٍ لِلعَوْدَةِ إِلَى الواجِهَةِ، وَالجَيْشُ يَسْتَخْدِمُهُمْ كَوُقُودٍ لِلحَرْبِ. لٰكِنَّ هٰذِهِ العَلاقَةَ السامَّةَ وَالمُضْطَرِبَةَ، مَهْما طالَ أَمَدُها، سَتَؤُولُ إِلَى صَدّام. لِأَنَّ مَصالِحَ الطَرَفَيْنِ مُتَضارِبَةٌ، وَرُؤْيَتَهُما لِلمُسْتَقْبَلِ مُخْتَلِفَةٌ، وَالشارِعُ السُودانِيُّ يَرْفُضُ كِلَيْهِما دُونَ تَرَدُّدٍ.
(10)
مِن الخَطَأِ قِراءَةُ الجَيْشِ السُودانِيِّ كَجِسْمٍ مُتَماسِكٍ وَمُوَحَّدٍ. فَهُوَ يَضُمُّ أَجْنِحَةً مُتَعَدِّدَةً: جَناحاً مِهْنِيّاً تَقْلِيدِيّاً، وَآخَرُ إِسْلامِيّاً نافِذاً فِي جِهازِ المُخابَراتِ، وَثالِثاً قَبْلِيّاً قادِماً مِنْ حَرَكاتٍ مُسَلَّحَةٍ سابِقَةٍ اِلْتَحَقَتْ بِالجَيْشِ بِمُوجِبِ اِتِّفاقاتِ سَلامٍ. كُلُّ جَناحٍ لَهُ مَشْرُوعُهُ الخاصُّ لِلسُلْطَةِ، وَكُلُّ جَناحٍ يَتَرَقَّبُ لَحْظَةَ ما بَعْدَ الحَرْبِ لِيُحْسِمَ الصِراعَ لِصالِحِهِ. هٰذا التَعَدُّدُ فِي المَرْكَزِ يَجْعَلُ أَيَّ حُكْمٍ عَسْكَرِيٍّ مُسْتَقْبَلِيٍّ أَشْبَهَ بِمَجْلِسِ وِصايَةٍ مُتَنازِعٍ، لا يَسْتَطِيعُ اِتِّخاذَ قَرارٍ جَرِيءٍ فِي أَيِّ مَلَفٍّ، سَواءٌ كانَ اِقْتِصادِيّاً أَوْ سِياسِيّاً أَوْ أَمْنِيّاً. وَالفَشَلُ فِي اِتِّخاذِ القَراراتِ، هُوَ فَشَلٌ فِي الحُكْمِ، بِكُلِّ بَساطَةٍ.
(11)
وَمِنْ ناحِيَةٍ أُخْرَى تَتَحَرَّكُ بَعْضُ الأَطْرافِ الإِقْلِيمِيَّةِ، وَفِي مُقَدِّمَتِها الجارَةُ الشَمالِيَّةُ مِصْرُ فِي بَعْضِ المَلَفّاتِ، فِي مُحاوَلَةٍ لِتَشْكِيلِ “كُتْلَةٍ مَدَنِيَّةٍ” تَدْعَمُ حُكْمَ البُرْهانِ وَتُضْفِي عَلَيْهِ نَوْعاً مِنْ الشَرْعِيَّةِ. وَلٰكِنَّ هٰذِهِ الكُتْلَةَ، إِذا تَشَكَّلَتْ مِنْ خارِجِ الإِرادَةِ الشَعْبِيَّةِ، وَفِي غِيابِ القُوَى المَدَنِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ كَالنِقاباتِ وَلِجانِ المُقاوَمَةِ وَالتَنْسِيقِيّاتِ، سَتَكُونُ مُجَرَّدَ ديكورٍ سِياسِيٍّ، يَقْرَأُهُ الشارِعُ كَـ”عَمِيلٍ” لَيْسَ إِلّا. فَالقُوَى المَدَنِيَّةُ قَدْ جَرَّبَت الشَراكَةَ مَعَ العَسْكَرِ فِي الفَتْرَةِ الاِنْتِقالِيَّةِ (2019-2021)، وَاِكْتَوَتْ بِها. وَلا أَظُنُّ أَنَّها سَتُكَرِّرُ التَجْرِبَةَ مُجَدَّداً، إِلّا بِشُرُوطٍ واضِحَةٍ وَوَفْقَ ضَماناتٍ دَوْلِيَّةٍ مَوْثُوقَةٍ، فِي مُقَدِّمَتِها رَحِيلُ العَسْكَرِ عَنْ السُلْطَةِ نِهائِيّاً. وَهٰذا ما يَرْفُضُهُ الجِنِرالاتُ، مِمّا يَجْعَلُ أَيَّ مَسْعىً خارِجِيٍّ لِإِضْفاءِ الشَرْعِيَّةِ مَحْكُوماً بِالفَشَلِ مِنْ البِدايَةِ.
(12)
يَلْعَبُ الجَيْشُ بِوَرَقَةِ التَحالُفاتِ الدَوْلِيَّةِ، مُسْتَفِيداً مِنْ مَوْقِعِهِ عَلَى البَحْرِ الأَحْمَرِ وَمِنْ مَناجِمِ الذَهَبِ، لِجَذْبِ دَعْمٍ رُوسِيٍّ وَصِينِيٍّ، وَلِكَسْبِ مِساحَةٍ مِنْ المُناوَرَةِ ضِدَّ الضُغُوطِ الاِمْرِيكِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ. وَلٰكِنَّ هٰذِهِ اللُعْبَةَ تُحَوَّلَ السُودانَ إِلَى ساحَةِ تَنافُسٍ دَوْلِيٍّ، وَتَفْقِدُ أَيَّ قَرارٍ وَطَنِيٍّ اِسْتِقْلالَهُ. وَالمُواطِنُ الَّذِي يُشاهِدُ بِلادَهُ تَتَحَوَّلُ إِلَى رُقْعَةِ شَطَرَنْجٍ بَيْنَ القُوَى الكُبْرَى، يَشْعُرُ بِالغَبْنِ وَبِأَنَّ مَصِيرَهُ يُباعُ وَيُشْتَرَى فِي غُرَفٍ مُغْلَقَةٍ. وَهٰذا الشُعُورُ يُغَذِّي وَعْياً جَدِيداً بِالتَحَرُّرِ مِنْ كُلِّ الوَصايا، الخارِجِيَّةِ وَالداخِلِيَّةِ مَعاً. وَالجِنِرالاتِ، كُلَّما تَقَرَّبُوا مِنْ الخارِجِ فَرْسَخاً، اِبْتَعَدُوا عَنْ الجَماهِيرِ فَراسِخَ؛ وَهٰذِهِ مُعادَلَةٌ يَصْعُبُ قَلْبُها.
(13)
الجِنِرالُ البُرْهانُ يُكَرِّرُ بَيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى دَعَواتِهِ إِلَى “حِوارٍ وَطَنِيٍّ شامِلٍ”، وَكَأَنَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ لِلسَلامِ. لٰكِنَّ النَظْرَةَ المادِّيَّةَ لِهٰذِهِ الدَعَواتِ تَكْشِفُ أَنَّها مُجَرَّدُ مُناوَرَةٍ سِياسِيَّةٍ، تَهْدِفُ إِلَى تَجْمِيلِ الصُورَةِ، وَكَسْبِ الوَقْتِ، وَاِسْتِنْزافِ القُوَى المَدَنِيَّةِ. أَيُّ حِوارٍ يَشْتَرَطُ لَهُ أَنْ يَكُونَ “تَحْتَ مِظَلَّةِ الجَيْشِ”، أَوْ دُونَ جَدْوَلٍ زَمَنِيٍّ مُلْزَمٍ لِتَسْلِيمِ السُلْطَةِ، هُوَ حِوارٌ لِلاِسْتِسْلامِ، وَلَيْسَ لِلمُشارَكَةِ. وَالقُوَى المَدَنِيَّةُ، الَّتِي دَفَعَتْ ثَمَناً باهِظاً مِنْ دِمائِها، لَنْ تَقَعَ فِي هٰذا الفَخِّ مَرَّةً أُخْرَى. وَلَنْ تُفَرِّطَ فِي مَكاسِبِها الثَوْرِيَّةِ مُقابِلَ وُعُودٍ واهِيَةٍ، تَعْرِفُ مِنْ تَجارِبِها السابِقَةِ أَنَّها لَنْ تُنَفِّذَ.
(14)
أَحَدُ أَخْطَرِ ما تَفْعَلُهُ الحَرْبُ الحالِيَّةُ، هُوَ تَحْوِيلُ الجَيْشِ مِنْ مُؤَسَّسَةٍ وَطَنِيَّةٍ إِلَى تَجَمُّعٍ لِقَبائِلَ مُسَلَّحَةٍ وَمِيلِيشْياتٍ مَحَلِّيَّةٍ، فَهٰذِهِ القَبائِلُ وَالمِيلِيشْياتُ المُناطِقِيَّةُ المُسَلَّحَةُ، الَّتِي يُسْتَعانُ بِها اليَوْمُ لِقِتالِ مِلِيشْيا الدَعْمِ السَرِيعِ، سَتَتَحَوَّلُ غَداً إِلَى أَطْرافٍ سِياسِيَّةٍ تُطالِبُ بِحِصَّتِها فِي السُلْطَةِ، وَرُبَّما تُسْتَخْدَمُ سِلاحُها فِي صِراعاتٍ داخِلِيَّةٍ جَدِيدَةٍ. وَبِهٰذا يَكُونُ الجَيْشُ قَدْ زَرَعَ بُذُورَ حَرْبٍ أَهْلِيَّةٍ جَدِيدَةٍ، وَفَكَّكَ نَفْسَهُ مِنْ الداخِلِ، وَحَوْلَ السُودانِ إِلَى كانتوناتٍ مُتَناحِرَةٍ. وَالنَصْرُ الَّذِي يُحَقِّقُهُ اليَوْمَ، قَدْ يَكُونُ مُقَدِّمَةً لِهَزِيمَةٍ أَوْسَعَ غَداً، حِينَ يَفْقِدُ الجَيْشُ تَفَرُّدَهُ العَسْكَرِيَّ وَاِحْتِكارَهُ لِلقُوَّةِ وَالسِلاحِ، وَتَتَساوَى مَعَهُ جَمِيعُ الأَطْرافِ المُسَلَّحَةِ فِي القُوَّةِ وَالشَرْعِيَّةِ.
(15)
بَقاءُ الجِنِرالاتِ فِي السُلْطَةِ يَرْتَبِطُ بِاِسْتِمْرارِ الحَرْبِ، لِأَنَّهُمْ يَسْتَخْدِمُونَها كَذَرِيعَةٍ لِتَعْلِيقِ أَيِّ اِنْتِقالٍ سِياسِيٍّ. لٰكِنَّ الحَرْبَ، بِدَوْرِها، تَفَقِّدُهُمْ شَرْعِيَّتُهُمْ الشَعْبِيَّةُ، وَتَكْشِفُ عَجْزَهُمْ الإِدارِيَّ، وَتُهَدِّدُ بِتَفْكِيكِ مُؤَسَّسَتِهِمْ. كُلَّما طالَتْ الحَرْبُ، زادَتْ التَناقُضاتُ، وَقَلَّتْ خِياراتُهُمْ. الدائِرَةُ مُفْرَغَةٌ، وَالنِهايَةُ واضِحَةٌ: إِمّا أَنْ يَخْرُجُوا بِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ أَنْ تُخْرِجَهُمْ الجَماهِيرُ، أَوْ تَلْتَهِمَهُمْ تَناقُضاتُهُمْ الداخِلِيَّةُ.
(16)
خُلاصَةُ القَوْلِ إِنَّهُ ما لَمْ يَحْدُثْ تَغْيِيرٌ جِذْرِيٌّ فِي مَوازِينِ القُوَى، فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَ السُودانِ سَيَنْحَصِرُ فِي أَرْبَعَةِ سيناريوهاتٍ رَئِيسِيَّةٍ لا يَخْلُو أَيٌّ مِنْها مِنْ مَخاطِرَ جَمَّةٍ أَوَّلُها: حُكْمٌ عَسْكَرِيٌّ مُمْتَدٌّ، مَعَ اِحْتِجاجاتٍ شَعْبِيَّةٍ مُتَصاعِدَةٍ، تَنْتَهِي بِاِنْفِجارٍ جَدِيدٍ مُشابِهٍ لِثَوْرَةِ دِيسَمْبِرَ. وَثانِيها اِنْشِقاقٌ داخِلِيٌّ فِي الجَيْشِ بَيْنَ أَجْنِحَتِهِ، يَتَحَوَّلُ إِلَى صِراعٍ مُسَلَّحٍ عَلَى السُلْطَةِ، يَخْرُجُ البِلادَ مِنْ أَزْمَةٍ إِلَى أَزْمَةٍ أَعْمَقَ. وَثالِثُها ثَوْرَةٌ شَعْبِيَّةٌ ثانِيَةٌ، تُزِيلُ كُلَّ الأَطْرافِ المُسَلَّحَةِ، وَتُؤَسِّسُ لِدَوْلَةٍ مَدَنِيَّةٍ دِيمُقْراطِيَّةٍ، عَلَى أَنْقاضِ ما تَبَقَّى مِنْ المُؤَسَّساتِ. أَمّا رابِعُها وَهُوَ الأَكْثَرُ مَأْساوِيَّةً وَخُطُورَةً فَهُوَ تَفَكُّكٌ جُغْرافِيٌّ، يَتَحَوَّلُ فِيهِ السُودانُ إِلَى كانتوناتٍ قَبْلِيَّةٍ وَإِثْنِيَّةٍ، كُلٌّ مِنْها تَحْتَ سُلْطَةِ أَمِيرِ حَرْبٍ، وَتَضِيعُ فِيهِ فِكْرَةُ الدَوْلَةِ الوَطَنِيَّةِ. وَلَعَلَّ القارِئَ الكَرِيمَ يَتَّفِقُ مَعِي فِي أَنَّ السِينارْيُو الثالِثَ هُوَ الأَكْثَرُ نَفْعاً لِلوَطَنِ وَالمُواطِنِ السُودانِيِّ، لٰكِنَّهُ الأَصْعَبُ فِي التَحْقِيقِ. وَالسيناريُو الأَوَّلُ هُوَ الأَقْرَبُ فِي حالِ اِسْتَمَرَّتْ الأُمُورُ عَلَى ما هِيَ عَلَيْهِ.
(17)
مِمّا تَقَدَّمَ مِن تَحْلِيلٍ نَخْلِصُ الَى أَنَّهُ لا يُمْكِنُنا فَصْلُ آمالِ الجِنِرالاتِ عَن تَناقُضاتِ الواقِعِ المَوْضُوعِيِّ. وَالواقِعُ يَكْشِفُ إِنَّ الجَيْشَ، بِأَدَواتِهِ القَمْعِيَّةِ وَإِدارَتِهِ الفاشِلَةِ وَتَبَعِيّاتِهِ الداخِلِيَّةِ وَالخارِجِيَّةِ، غَيْرَ قادِرٍ عَلَى تَأْسِيسِ حُكْمٍ مُسْتَقِرٍّ وَشامِلٍ. وَالشارِعُ السُودانِيُّ، بِوَعْيِهِ المُتَصاعِدِ، وَبِتَجارِبِهِ المُوجِعَةِ، وَبِتَطَلُّعاتِهِ العادِلَةِ، لَنْ يَقْبَلَ بِالوِصايَةِ العَسْكَرِيَّةِ مُجَدَّداً. لِذٰلِكَ، فَإِنَّ مُسْتَقْبَلَ السُودانِ سَيَكْتُبُ خارِجَ إِرادَةِ الجِنِرالاتِ تَماماً. إِمّا بِتَوافُقٍ شَعْبِيٍّ مَدَنِيٍّ، وَإِمّا بِفَوْضَى تَأْكُلُ الجَمِيعَ. وَالجِنِرالاتُ الَّذِينَ يُمْسِكُونَ اليَوْمَ بِزِمامِ الحَرْبِ، قَدْ يَكْتَشِفُونَ غَداً أَنَّهُمْ لا يُمْسِكُونَ بِزِمامِ التارِيخِ.
(18)
فِي المُطْلَقِ الحُرُوبُ تَخْلُقُ وَعْياً، وَالوَعْيُ يَصْنَعُ مَصِيرَ الشُعُوبِ وَيَصِيغُ مُسْتَقْبَلُها. وَالجِنِرالاتُ الَّذِينَ يُراهِنُوا عَلَى السِلاحِ عادَةً، يَجْهَلُونَ أَنَّ السِلاحَ لا يَرْدَعُ جائِعاً، وَلا يُخِيفُ مَحْرُوماً، وَلا يُوقِفُ مَوْجَةَ غَضَبٍ شَعْبِيٍّ، مَهْما كانَ عَتادُها وَقُوَّتُها. السُودانُ الجَدِيدُ لَيْسَ لِأَصْحابِ البَنادِقِ، بَلْ لِأَصْحابِ الرُؤَى، وَلِلشَعْبِ الَّذِي دَفَعَ أَغْلَى الأَثْمانِ، لِيُصْبِحَ هُوَ صانِعَ قَرارِهِ، وَكاتِبَ تارِيخِهِ.
تَيْسِيرُ حُسَن إِدْرِيسَ
14/09/2026م
