محمد عبدالله
في البداية، تبدو الأنظمة المستبدة كأنها تبني عالماً شديد التماسك: زعيم لا يُردّ له أمر، أجهزة جبارة، ورجال يظنون أنهم صاروا جزءاً من كيان الدولة ذاته، وأن السلطة التي أسهموا في بنائها لن تنقلب عليهم أبداً. لكن التاريخ ـ ذلك الكائن البارد الذي لا يجامل أحداً ـ يعيد المشهد نفسه بإصرار يكاد يكون ساخراً: الديكتاتورية لا تكتفي بافتراس خصومها، بل تنتهي غالباً إلى التهام أبنائها المخلصين أيضاً.
ولعل واحدة من أكثر الصور تعبيراً عن هذه المفارقة في التاريخ الإسلامي هي ما عُرف لاحقاً بـ”نكبة البرامكة”. والمفارقة أن هذا الاسم نفسه لم يكن شائعاً زمن وقوع الحدث؛ إذ كان ابن خلدون من أوائل من منحوا الواقعة هذا البعد الرمزي. فالنكبة هنا ليست مجرد سقوط سياسي، بل انهيار مدوٍ يخرج من قلب السلطة نفسها.
كان البرامكة، وفي مقدمتهم جعفر بن يحيى البرمكي، أقرب الناس إلى هارون الرشيد. لم يكونوا وزراء بالمعنى التقليدي، بل كانوا جزءاً من البنية التي تدير الدولة وتمنحها حيويتها. المال بأيديهم، والإدارة بأيديهم، والثقافة بأيديهم، حتى بدا لكثيرين أن الخلافة لا تستقيم من دونهم. ثم، وفي ليلة واحدة تقريباً، تحول القرب إلى تهمة، والنفوذ إلى خطر، والمجد إلى ذكرى دامية.
لماذا؟
لأن السلطة المطلقة لا تحتمل الشركاء طويلاً. الحاكم المستبد قد يحتاج إلى حلفائه، لكنه لا يطيق أن يشعر بأنهم صاروا ضرورة مستقلة عنه. وفي اللحظة التي يتحول فيها الحليف إلى مركز قوة حقيقي، تبدأ نهايته، حتى لو كان من أقرب الناس إلى دائرة الحكم.
هذه القاعدة لم تبقَ حبيسة العصر العباسي. ففي القرن العشرين أعاد التاريخ إنتاج المشهد نفسه بوجوه مختلفة. يكفي تأمل العلاقة التي نشأت بين جماعة الإخوان المسلمين وضباط يوليو في السنوات الأولى من حكم جمال عبد الناصر. آنذاك، بدا لكثيرين أن الطرفين يتحركان نحو مشروع واحد، وأن المؤسسة العسكرية يمكن أن تتحول إلى وعاء سياسي قابل للاحتواء أو التأثير.
لكن الدولة العسكرية، بطبيعتها، لا تقبل شريكاً عقائدياً دائماً. وما إن شعر عبد الناصر بأن الجماعة تريد دوراً يتجاوز المساندة السياسية حتى بدأ الصدام الكبير: سجون، وإعدامات، ومطاردات، وتفكيك طويل. واكتشف الإسلاميون في مصر، متأخرين، أن المؤسسة التي ظنوا أنهم اقتربوا منها كانت تنظر إليهم باعتبارهم حليفاً مؤقتاً لا أكثر.
ويتكرر المشهد اليوم، بصيغة مختلفة، في السودان.
فهناك من يرى أن ما يوجد في السودان حالياً ليس جيشاً بالمعنى المهني، بل مجرد ميليشيا كبيرة تابعة للتنظيم الإسلامي. غير أن هذه القراءة، رغم استنادها إلى حقائق تتعلق بحجم الاختراقات التي تعرضت لها المؤسسة العسكرية خلال عقود حكم الإسلاميين، تبدو أقرب إلى التبسيط السياسي.
فلو كان الجيش قد ذاب بالكامل داخل التنظيم، لما ظل قلق الإسلاميين من موقفه قائماً بهذا الشكل، ولما احتاجوا أصلاً إلى إنشاء تشكيلات موازية وواجهات مسلحة متعددة تحفظ لهم النفوذ خارج المؤسسة الرسمية. بل إن العلاقة نفسها تكشف عن قدر كبير من انعدام الثقة؛ فكلما ظهرت مؤشرات إلى احتمال اقتراب قيادة الجيش من تسوية توقف الحرب، تصاعدت داخل التيار الإسلامي أصوات التشكيك والتخوين، وكأن هاجس الانقلاب من الداخل لا يفارقهم.
وهذا يكشف حقيقة مهمة: المؤسسة العسكرية، مهما تعرضت للتسييس أو الاختراق أو التدهور، لا تتحول بسهولة إلى ذراع تنظيمية خالصة.
فالجيش النظامي، حتى في أضعف حالاته، يظل ابناً للدولة الحديثة: تحكمه هياكل القيادة، وسلاسل الأوامر، ومفهوم السيادة الوطنية، وحسابات البقاء المؤسسي. أما التنظيمات العقائدية، فتنطلق من منطق مختلف، حيث تتقدم الجماعة والفكرة والعقيدة على مفهوم الوطن بمعناه الحديث.
ومن هنا ينشأ التناقض العميق الذي يصعب التعايش معه طويلاً.
فالجندي النظامي قد يكون متديناً أو متعاطفاً أو حتى منتمياً سياسياً، لكنه في النهاية يتحرك داخل مؤسسة غايتها البقاء بوصفها دولة. أما التنظيم العقائدي، فينظر إلى الدولة باعتبارها أداة لمشروع أكبر، لا غاية نهائية في ذاتها. ولهذا تظل العلاقة بين الجيوش والتنظيمات العقائدية علاقة قابلة للانفجار مهما بدت مستقرة في لحظة ما.
ظن البرامكة أنهم صاروا جزءاً من الخلافة نفسها، فاكتشفوا متأخرين أنهم مجرد قوة يمكن الاستغناء عنها. وظن الإسلاميون في مصر أن التحالف مع الضباط قدر تاريخي دائم، فانتهى الأمر إلى السجون والمشانق. وفي السودان أيضاً، قد يطول الزمن أو يقصر، لكن منطق السلطة والمؤسسات المسلحة يقول الشيء نفسه: لا مؤسسة تحتمل إلى الأبد شريكاً يعتقد أنه يملك حق الوصاية عليها أو الحديث باسم قدرها التاريخي.
إنها القاعدة التي تتكرر عبر العصور: الأنظمة التي تُبنى على الخوف والتحالفات المغلقة والأدلجة المفرطة تنتهي غالباً بابتلاع أقرب حلفائها إليها. فالسلطة المطلقة لا تكتفي بصناعة الخصوم، بل تنتهي ـ عاجلاً أم آجلاً ـ إلى التهام أبنائها.
muhammedbabiker@aol.co.uk
