أواب عزام البوشي
في كل الحروب، يأتي وقت يصبح فيه وقف إطلاق النار أكثر صعوبة من اندلاع الحرب نفسها. ليس لأن السلاح قد حسم المعركة، بل لأن بعض الأطراف تبدأ في النظر إلى استمرار القتال باعتباره جزءًا من استراتيجيتها السياسية. وعند هذه المرحلة، تتحول الهدنة من مطلب إنساني إلى اختبار حقيقي للنوايا، يكشف من يرى في السلام مخرجًا، ومن لا يزال يعتقد أن بإمكانه تحقيق ما عجز عنه في ميدان السياسة عبر ميدان المعركة.
والسودان اليوم يقف أمام هذا الاختبار.
فبعد سنوات من القتال، وملايين النازحين واللاجئين، وانهيار الاقتصاد، وتدمير البنية التحتية، لم يعد وقف إطلاق النار مجرد مطلب للمجتمع الدولي، بل أصبح ضرورة لإنقاذ ما تبقى من الدولة السودانية. غير أن التطورات الأخيرة كشفت أن الطريق إلى الهدنة لا تعرقله الاعتبارات العسكرية وحدها، وإنما الحسابات السياسية أيضًا.
لقد أعادت تصريحات كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الجدل إلى الواجهة عندما أعلن أمام مجلس الأمن أن مقترح الهدنة الإنسانية الأخير لم يحظَ بقبول مجلس السيادة في بورتسودان. ومهما اختلفت الروايات حول تفاصيل المقترح، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن أصدر البيان الأقوى أو النفي الأسرع، بل يتعلق بسبب تعثر فرصة جديدة كان يمكن أن تخفف من معاناة ملايين السودانيين.
فالهدنة ليست اعترافًا بالهزيمة، كما أنها ليست انتصارًا لطرف على آخر. إنها مساحة إنسانية تمنح المدنيين حقهم في الحياة، وتتيح وصول المساعدات، وتفتح الباب أمام مسار سياسي قد ينهي واحدة من أكثر الحروب تدميرًا في تاريخ السودان الحديث. ولذلك، فإن أي موقف من وقف إطلاق النار يجب أن يُقاس بمدى خدمته للإنسان السوداني، لا بمدى خدمته للمكاسب العسكرية المؤقتة.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا: من الذي يخشى وقف إطلاق النار؟ وهل الخوف نابع من اعتقاد بإمكانية تحقيق مكاسب ميدانية إضافية؟ أم من خشية أن يؤدي توقف الحرب إلى فتح ملفات المساءلة السياسية والاقتصادية والإنسانية التي ظلت مؤجلة تحت غبار المعارك؟
لقد أثبتت تجارب النزاعات حول العالم أن الأطراف التي تراهن على الحسم العسكري غالبًا ما تكتشف، بعد سنوات من الاستنزاف، أن السلام الذي رفضته بالأمس كان أقل كلفة من الحرب التي أصرت على استمرارها. فكل يوم إضافي من القتال لا يضيف فقط مزيدًا من الدمار، بل يراكم أيضًا مزيدًا من الأحقاد والانقسامات التي ستواجهها الأجيال القادمة.
إن المجتمع الدولي لن يحكم على الأطراف السودانية من خلال خطاباتها، وإنما من خلال مواقفها العملية تجاه كل مبادرة لوقف إطلاق النار. فالقبول بالحوار والهدنة يبعث برسالة إيجابية، أما رفضها أو تعطيلها فيثير بطبيعة الحال تساؤلات حول مدى الجدية في البحث عن حل سياسي.
وفي النهاية، لن يتذكر السودانيون من كان أكثر حضورًا في المؤتمرات الصحفية، ولا من أصدر البيانات الأكثر حدة، بل سيتذكرون من منحهم فرصة للنجاة، ومن أضاع فرصة أخرى كان يمكن أن توقف نزيف الدم.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام كل الأطراف: إذا كان الجميع يعلن أنه يريد السلام، فلماذا لا يزال وقف إطلاق النار يواجه كل هذا التعثر؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تكون المفتاح لفهم من يخشى بالفعل أن تصمت البنادق في السودان.
awabazzam456@gmail.com
