منهج عبد الخالق محجوب في التعامل مع القوى السياسية الأخرى .. بقلم: صديق الزيلعي

تمر ثورة شعبنا بمنعطف خطير، رغم تصاعد النضال الجماهيري، واجماع شعبنا على اسقاط انقلاب 25 أكتوبر، والتأسيس لديمقراطية تعددية، تبنى على سيادة حكم القانون ومسئولية المؤسسات، الا ان العمل القيادي يعاني من الضعف والتشتت. وتأكد تماما تمتع حركتنا النضالية بالحيوية والتنوع وعدم الخنوع امام الدكتاتوريات وأجهزة قمعها. فحركة بتلك الحيوية والصمود تستحق، بجدارة، ان نتحاور حول تجربتها، ونحلل عوامل ضعفها وقوتها، والأهم ان نتعلم من دروسها المتنوعة، حتى لا نقع في اخطائها، ونتمسك بعوامل قوتها ونطورها، لتتماشى مع واقع الحياة المتغير. وان يكون شعارنا دائما ” النظر للماضي لتشكيل المستقبل”. ومن الأهمية بمكان عدم الانكفاء على الماضي وتمجيده بتعصب وبعين مغمضة، ونفس الوقت، الا نتهيب مصاعب الحاضر وتعقيدات المستقبل.
أكدت مواكب 30 يونيو الضخمة، التي شملت كل بقاع السودان، وتميزت بالإصرار على انه لا مشاركة ولا شرعية ولا تفاوض مع من ارتكب جريمة الانقلاب، ثم واصل جرائمه بقتل الثوار، بطريقة ممنهجة ومقصودة باستهداف القادة والنشطاء. ثم تواصل النضال، وابتدع الثوار الشباب شكل الاعتصامات المتعددة، رمزا لان لا رجوع حتى اسقاط الانقلاب. هذا الزخم الثوري المتعاظم يوميا، يحتاج لمزيدا من التكريب والتشبيك، من القوى النقابية والسياسية والمجتمعية، وصولا للإضراب السياسي العام والعصيان المدني. ولا يمكن انجاز إضراب سياسي ناجح وشامل وقوي بدون نقابات منتخبة ديمقراطيا من قواعدها، توحد العاملين تحت الشعار الخالد ” النقابة للجميع ولكل حزبه”، وكما تحتاج القوى السياسية ان تفهم وتحدد التناقض الجوهري والاساسي والتناحري هو مع الاسلامويين ولجنتهم الأمنية، والذي يجب ان تتوحد كل الجهود لهزيمتهم. اما التناقضات الثانوية داخل قوى الثورة والديمقراطية فتحل بالحوار والشفافية والوضوح، من أجل ان تعمل قوى الثورة والديمقراطية على توحيد المواثيق وتحديد صيغة مقبولة لبناء شكل قيادي، يستفيد من أخطاء التجربة السابقة.
خطاب البرهان الأخير، رغم فشله في خداع القوي الشبابية والسياسية والمجتمعية، الا انه يكشف ما كررناه وحذرنا منه، وهو ان هناك مجموعة من كوادر الاسلامويين المتخصصة، تخطط له كل خطواته، وتعمل بخبث لإرباك الواقع السياسي، وللظهور امام المجتمع الدولي بغير حقيقتها. وهو ما بدأ خلال المفوضات ما بعد إزاحة البشير، والطريقة التي صيغت بها الوثيقة الدستورية، وكل ممارسات ما سمي بالمكون العسكري، خلال الفترة السابقة. وهذه المجموعة هي التي تحدد الاستراتيجيات السياسية والإعلامية والأمنية والنقابية، وكل ما يتعلق بمجتمعنا حاليا. وفي نفس الوقت نجد ان المعارضة منشغلة بالمعارك الجانبية فيما بينها ليطغي التناقض الثانوي على التناقض الاساسي. وهذه الخلية الاجرامية مستعدة لان تستخدم كل الحيل بما فيها الانتخابات المضروبة لشرعنة الحكم العسكري، وإعادة حكم الفرد المطلق.
هذا المقال ينير تفاصيل تجربة مهمة، استهدافا لتشجيع التفكير خارج الصندوق، والارتفاع لمستوى تضحيات شباب لجان المقاومة، ووعيهم، وصمودهم، الذي شكل امتدادا اصيلا لكل نضالات شعبنا، وأضاف اليها رؤى ومناهج جديدة، تواكب روح العصر. يطرح المقال، ضرورة تفهمنا للروح والمنهج الذي تميز به البيان الذي أصدره الحزب الشيوعي السوداني، حول انتخابات المجلس المركزي، خلال الدكتاتورية العسكرية الأولي (1958 -1964).
جاء في البيان:
” في هذه الأيام يدور الجدل عاليا حول دخول او مقاطعة الانتخابات للمجالس المحلية، فان الحزب الشيوعي السوداني يرى من واجبه ان يؤكد بصورة قاطعة ان الاضراب السياسي العام ما زال السلاح القوي الذي يمكن ان تشهره الجماهير لإسقاط النظام الراهن، وانه لا مقاطعة الانتخابات او دخولها يمكن ان يكون بديلا لهذا الاضراب. ان الاضراب السياسي سيظل دائما هو المحك لاختبار صحة الطريق الذي تسلكه الجماهير في هذه القضية او تلك بما في ذلك المقاطعة او عدمها. وفي حالة الانتخابات للمجالس المحلية، بينما يرى الحزب الشيوعي أهمية خوض هذه المعركة وتحويلها الى مظاهرة كبرى، والارتفاع بمستوى المعركة سياسيا وتنظيميا من اجل التحضير للإضراب السياسي، يرى البعض الآخر ضرورة مقاطعتها كأسلوب من أساليب المعارضة للحكم العسكري. ومن الواضح ان كلا الشعارين يهدفان في ظاهرهما الى غرض واحد هو معارضة النظام الراهن والرغبة في انهائه. ان الحزب الشيوعي يهمه ان يكون موقفه واضحا امام الجماهير العمالية وكل الشعب في هذه النقطة بالذات. ذلك ان النظام الراهن برمته وليس مشتقاته فحسب، هو نظام رجعي غير ديمقراطي ودكتاتوري، وليس هناك سوى السذج من يعتقدون في ان تولد الدكتاتورية نظاما ديمقراطيا في نفس الوقت. وعليه فان جميع ما يسمى بمؤسسات التطور الدستوري التي تنشأ في ظل هذا النظام لا يمكن ان تلبي آمال الشعب في الديمقراطية الحقيقية.
إن الذين يدعون إلى مقاطعة المجالس المحلية رغم حسن نواياهم ومقاصدهم هم في رأينا يتخذون موقف غير سليم لا يفيد قضية النضال ضد النظام الراهن. انهم ينادون بالمقاطعة، ولكنهم لا يشيرون الى أي عمل ثوري بديل في مقابل ذلك. ان الجماهير حين تهرع للتسجيل والترشيح ليس استجابة لنداء الحكومة او تأييدا لها كما تزعم أجهزة الاعلام الرسمية، ولكنها مدفوعة بغريزتها الثورية لممارسة حق من حقوقها.
ومع ذلك فان الحزب الشيوعي يحترم بكل اخلاص رأي الذين يدعون لمقاطعة الانتخابات رغم اختلافه معهم من حيث انهم يكشفون عن موقفهم من النظام الراهن وهذا هو الجوهر الذي نلتقي معهم فيه التقاءا تاما. وعلى هذا فان الحزب الشيوعي على أتم استعداد أن يعمل عملا مشتركا خارج نطاق الانتخابات. انه على استعداد للتوقيع معهم فورا على وثيقة تطالب بإلغاء المجلس المركزي والمطالبة بتأسيس برلمان منتخب انتخابا مباشرا تكفل معه جل الحقوق والحريات الديمقراطية. وهو على أتم استعداد لوضع كل قواه في عمل إيجابي وجماهيري حقا لتحقيق هذا المطلب الشعبي السليم.
المكتب السياسي لحزب الشيوعي السوداني
9/3/1963

هل ستتعلم كافة القوى الشبابية والسياسية والمجتمعية من هذا المثال؟

siddigelzailaee@gmail.com
//////////////////////////

عن صديق الزيلعي

صديق الزيلعي

شاهد أيضاً

الحوار مع د. ناهد: أزمة المثقف والحزب الشيوعي

صديق الزيلعييتواصل الحوار مع الدكتورة ناهد محمد الحسن حول مقالها الهام: أين ذهب الرفاق؟ وتعرض …

اترك تعليقاً