بقلم: مرتضى القسم عوض الكريم
في كتابه الساخر “نحن والحمير في المنعطف الخطير”، يروي الأديب اليمني محمد مصطفى العمراني قصة تبدو طريفة في ظاهرها، عميقة في باطنها.
قرية يمنية تعاني للحصول على ماء الشرب. طريقها إلى العين وعر، بمحاذاة وادٍ سحيق. مرت سنوات طويلة، سقط فيها الأطفال وسقطت الحمير في المنحدر القاتل، ومع كل سقوط كانت الحياة تستمر، وكأن الدم لا يكفي لتغيير الطريق.
حتى جاء يوم اجتمع فيه وجهاء القرية ليبحثوا عن حل. سألهم الكاتب – وقد عاش التجربة طفلاً -: لماذا لا تبحثون عن طريق بديل أكثر أماناً؟ فجاء الرد الذي يلخص كل شيء: “نحن نمشي وراء الحمير، وهي من تسلك بنا هذا الطريق”.
رد مضحك مبك، لكنه يكشف منطقاً مأزوماً: الاعتياد على الخطر، والاستسلام للمألوف، وتسليم العقل لحمار يقود القطيع، وهذا حالنا بدون لف أو دوران.
وهذا المنطق ليس حبيس تلك القرية، بل هو صورة طبق الأصل لما يحدث في السودان، ولكن بشكل أشد وأخطر.
في السودان نعيش نفس المنعطف. محليات تضيق على الناس سبل العيش الكريم، وتتفنن في الجبايات والرسوم، وطرق تنهك المواطن ولا تخدمه، ومؤسسات تعود بنفس العقلية القديمة. هذه الحكومة لم تستفد من النكبات التي مرت على السودان، بدلاً من أن تعتبر ازدادت سوءاً على سوء. تتغير الأسماء وتبقى الممارسة، تتبدل الشعارات ويبقى السقوط في ذات الحفرة.
وهنا بيت القصيد: الظلم.
الظلم أصبح ثقافة عامة. أن تدفع ولا تجد خدمة، أن تبتز في الطريق، أن تهان في المكاتب، أن يطارد البائع البسيط ويترك الفاسد الكبير. أن تسافر نهاراً كاملاً فلا تجد حماماً يليق بك، وأن تمرض فلا تجد مستشفى يليق بآدميتك. هذا ظلم مركب، يأخذ منك المال ولا يعطيك الكرامة.
ولماذا نرضى بهذا الظلم؟
نرضى به لأننا خائفون. نخاف على الرزق وكأنه بيد المسؤول لا بيد الله، ونقدس صاحب المنصب ونهاب صاحب البزة.
نرضى به لأننا متفرقون. لا نتعاون مع بعضنا، نكيد لمن يصلح، ونحارب الناجح، ونترك المجال لأسوأ الناس ليتصدروا شؤون الأحياء والقرى البعيدة.
نرضى به لأننا تعودنا أن نمشي وراء الحمير، فصرنا نأتمن الفاشل على مصيرنا، ونترك الجاهل يقرر طريقنا.
لهذا كانت النتيجة واحدة: مؤسسات مترهلة، وفساد مستشر، وبطالة متزايدة، وخدمات في الحضيض. نبرر لأنفسنا كل مرة، ولا نسأل السؤال الصحيح: لماذا لا نكسر النمط؟ لماذا لا نجعل المسؤول وكل الأجهزة تعمل ألف حساب للمواطن؟
إن عبارة “نحن نمشي وراء الحمير” ليست نكتة، بل هي تشخيص دقيق لمأساة أمة تتبع القطيع حتى لو قادها إلى الموت. نحن لا ينقصنا العقل، ينقصنا القرار الشجاع.
أهل تلك القرية فقدوا أطفالاً في المنحدر، أما نحن فقد فقدنا وطناً بأكمله ونكاد نفقد ما تبقى من أمل في هذه الحياة، وهذه أسوأ مرحلة يصل إليها الإنسان.
التغيير لا يحتاج معجزة، بل يحتاج أن نرفع رؤوسنا، ونغير الطريق، ونتوقف عن انتظار الحمار ليقرر أين نذهب.
والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
