نحو آليات وطنية وشعبية لمكافحة الفساد

د. صبري محمد خليل
أستاذ الفلسفة – جامعة الخرطوم
sabri.khalil@hotmail.com
تعريف الفساد:
الفساد لغةً هو البطلان؛ فيقال: فسد الشيء، أي بطل واضمحل. وقد ورد لفظ الفساد في القرآن الكريم للدلالة على عدة معانٍ، كالشرك والمعاصي وما يترتب عليهما من آثار كالقحط في البر واضطراب الحياة في البحر، كما في قوله تعالى:
(ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون) (الروم: 41).
وقد يأتي بمعنى الطغيان والتجبر، كما في قوله تعالى:
(للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً) (القصص: 83)،
أو بمعنى عصيان أوامر الله، كما في قوله تعالى:
(إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يُقتلوا أو يُصلّبوا أو تُقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض، ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) (المائدة: 33).
أما الفساد اصطلاحاً، فقد تعددت تعريفاته، لكنها تشترك في وصفه بأنه إساءة استعمال السلطة العامة أو الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة.
فقد عرّفه معجم أوكسفورد بأنه: (انحراف أو تدمير النزاهة في أداء الوظائف العامة من خلال الرشوة والمحاباة)،
كما عرّفته منظمة الشفافية العالمية بأنه: (استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة)،
ويعرّفه البنك الدولي بأنه: (إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص).
ويحدث الفساد عادةً عندما يقوم موظف بقبول أو طلب رشوة أو ابتزاز لتسهيل إجراء ما، أو عند قيام وسطاء أو وكلاء شركات بتقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على المنافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القانون. كما قد يحدث الفساد دون رشوة، كحالات المحسوبية، أو تعيين الأقارب، أو اختلاس المال العام.
ومن خلال هذه التعريفات، يتبين أن للفساد صوراً متعددة، منها:
الرشوة، والمحسوبية، والمحاباة، والواسطة، وسرقة المال العام، والابتزاز، والتقاعس عن أداء الواجب، وعرقلة مصالح المواطنين.
أسباب الفساد:
المنافسة غير المنضبطة بين القطاعين العام والخاص:
في كثير من الأحيان يعاني القطاع العام من منافسة القطاع الخاص، وإذا تُركت هذه المنافسة دون ضوابط، فإنها قد تؤدي إلى إضعاف القطاع العام. ويرجع ذلك إلى أن القطاع الخاص يعتمد على المضاربة، بينما لا يستطيع القطاع العام – بحكم طبيعته – مجاراتها.
كما تعتمد هذه المنافسة على جذب الكفاءات من القطاع العام عبر الأجور المرتفعة أو خلق ازدواج وظيفي، وهو ما يمثل مصدراً أساسياً للفساد. وفي هذا السياق تشير الباحثة سوزان روز-أكرمان إلى أنه: كلما امتلك المسؤول العام سلطة تقديرية في توزيع المنافع أو التكاليف، زادت حوافز الرشوة.
الارتباط غير المشروع بين السلطة ورأس المال:
يُعد الفساد في كثير من دول العالم الثالث نتيجة لعلاقة غير مشروعة بين السلطة والثروة. فبينما تضمن الديمقراطية الليبرالية في الغرب الحد من استبداد الحكام، فإنها لا تضمن بالضرورة منع استبداد الرأسماليين.
أما في دول العالم الثالث، فقد تم تبني النظام الرأسمالي دون استكمال شروطه السياسية (الديمقراطية)، مما أدى إلى استبداد مزدوج (سياسي واقتصادي)، كان الفساد أحد نتائجه.
التناقض بين النظام الاقتصادي الرأسمالي والقيم الحضارية العربية الإسلامية:
حيث يؤدي هذا النظام إلى تعزيز النزعة الفردية والأنانية، التي تتحول إلى قيم اجتماعية تغذي الفساد.
ضعف الانتماء الوطني، وشيوع الأنماط الاجتماعية السلبية كالنزعة القبلية والعشائرية.
ضعف أجهزة الرقابة وعدم استقلاليتها.
تدني رواتب العاملين في القطاع العام وارتفاع تكاليف المعيشة.
غياب أو ضعف الالتزام بلوائح العمل ومدونات السلوك.
غياب حرية الإعلام وصعوبة الوصول إلى المعلومات.
ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني.
غياب التشريعات الفعالة أو ضعف تطبيقها.
انخفاض تكلفة الفساد نتيجة ضعف العقوبات.
التعيين على أساس الولاء أو القرابة بدلاً من الكفاءة.
تغير نظرة المجتمع تجاه الفساد والتسامح معه.
ضعف استقلال السلطتين القضائية والتشريعية.
آليات وطنية وشعبيه لمكافحة الفساد:
وضع ضوابط للمنافسة بين القطاعين العام والخاص، عبر دعم القطاع العام، وتفعيل الرقابة، وتحفيز العاملين، وتحديد مجالات عمل كل قطاع بوضوح.
تعزيز دور الدولة في إدارة الاقتصاد، مع إصلاح القطاع العام وتطهيره من البيروقراطية والاختلالات الإدارية.
انشاء وتفعيل مبادرات حكومية وشعبية لمكافحه الفساد.
تبني موقف نقدي من الخصخصة، يقوم على:
وقف خصخصة القطاعات الاستراتيجية والسلع الأساسية.
ضمان الشفافية والرقابة الشعبية على عمليات الخصخصة.
إصلاح نظم التوظيف والترقية، بحيث تقوم على الكفاءة لا الولاء.
تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات (التشريعية والتنفيذية والقضائية).
ضمان حرية الصحافة والرأي والتعبير كأداة رقابية فعالة.
سنّ قوانين صارمة لمكافحة الفساد، وتطبيق مبدأ: من أين لك هذا.

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

نحو آليات وطنية وشعبية لمواجهة السياسات المدمّرة للمؤسسات الرأسمالية الدولية

نحو آليات وطنية وشعبية لمواجهة السياسات المدمّرة للمؤسسات الرأسمالية الدولية” صندوق النقد الدولى والبنك الدولى…” …