نحو تثبيت الأقدام: من الحكاية إلى مشروع الدولة

«استعادة الثورة لا تكون بتكرارها، بل بتصحيح مسارها… وكفانا أجيالًا كتبت فأعتمت!»

مقدمة: حين لا تكون الحكاية حكاية

يُحكى — وليس كل ما يُحكى خيالًا — أنّ امرأةً سوداء، في كامل بهائها، وقعت يومًا في يد جنود إمبراطورية عظيمة.

نظروا إليها لا كغنيمة، بل كسرٍّ لا يُفسَّر.

سألوها:

من أين أتيتِ بهذا الجمال؟

قالت بهدوء الواثقين:

«جئتُ من قومٍ يتكلمون ولا يطحنون.»

لم تكن تلك جملة عابرة…

بل مفتاح فهمٍ كاملٍ لمعنى الدولة.

الحكاية: حكمة الأميرة

ثم قالت:

«نحن من قومٍ إذا سرنا، سرنا فيالق فيالق.

أول قادتنا في الصفوف الأولى، وآخر قادتنا في الصفوف الأولى.

لذلك لا تغيب شمسنا… ولا يستطيع أحد إبادتنا.»

ثم أضافت، وكأنها تُلخّص قانون البقاء:

«نحن لا ننتظر القائد… نحن نصنعه.»

لم تكن تتحدث عن الحرب،

بل عن نظامٍ داخلي:

قيادة لا تختبئ
مجتمع يعرف كيف يلتحم
وقدرة دائمة على إنتاج القادة
التحول: من الحكاية إلى الواق

هنا تنتهي الحكاية…

لكن يبدأ السؤال.

لماذا، إذن، انهار السودان؟

ليس لأنه بلا تاريخ،

ولا لأنه بلا موارد،

ولا لأنه بلا قوة…

بل لأنه فقد شروط البقاء التي تحدثت عنها تلك المرأة:

تكلمنا… ولم نفعل
امتلكنا قادة… لكنهم لم يكونوا في الصفوف الأولى
امتلكنا شعبًا… لكنه لم يُلتحم
وهنا بدأ الانهيار.

إعادة القراءة: ما الذي ضاع؟

الحكاية تقدم نموذجًا واضحًا:

١. تحويل القول إلى فعل

٢. قيادة في الصفوف الأولى

٣. تماسك مجتمعي حقيقي

٤. إنتاج مستمر للقيادات

وهذه الأربعة…

هي ما غاب عن الدولة السودانية.

الجسر المفقود: من الحكاية إلى الفراغ
لو توقفنا عند الحكاية، لبقيت أدبًا جميلًا.

لكن الواقع يقول:

حين تغيب هذه الشروط،

لا يبقى الفراغ فارغًا…

بل يُنتج من يملؤه.

حميدتي: القائد الذي انبثق من الفراغ

في هذا السياق، لا يمكن فهم حميدتي كشخص فقط،

بل كظاهرة.

حين تغيب الدولة،

تظهر قوى لا تصنعها المؤسسات…

بل تصنعها لحظة الانهيار.

وهنا يظهر ما يمكن تسميته:

“القائد المنبثق”

قائد:

لم تأتِ به الدولة
بل جاء نتيجة غيابها
وملأ فراغًا حقيقيًا في السلطة والفعل
وهذا ما يمنحه حضورًا لا يمكن تجاهله.

لكن السؤال ليس في نشأته…

بل في مآله:

هل يتحول إلى جزء من دولة تُبنى؟

أم يبقى تعبيرًا عن فراغ يُعاد إنتاجه؟

«المشكلة ليست في القوة… بل في غياب المشروع الذي يحتويها.»

مشروع الدولة: إعادة بناء ما قالتْه الأميرة

إذا أردنا الخروج من الأزمة،

فالحل ليس في الأشخاص…

بل في إعادة بناء الشروط:

دولة تُنتج القيادة… لا تُفاجأ بها
جيش واحد… لا جيوش متعددة
مشروع جامع… لا مشاريع متنازعة
موارد تُستخدم للوحدة… لا للصراع
هنا فقط يبدأ البناء الحقيقي.

الخاتمة: تثبيت الأقدام

ثم، وكأن صوت تلك الأميرة لم يكن حكايةً،

بل عهدًا يعود…

ولكم يا أهل السودان…

لكم قيادةٌ لا تأتي مصادفة،

بل تأتي حين تبلغ الأزمات ذروتها،

كأمرٍ حتمي لا يُؤجَّل.

ولكم عناصر الثبات:

أرضٌ تعرفكم،

وشعبٌ لم يُهزم،

وتاريخٌ لا ينكسر.

لكن الفارق الحقيقي ليس امتلاك هذه العناصر…

بل اتخاذ القرار.

قرارٌ:

بلا مواربة،

بلا تردد،

وبلا إضاعة وقت.

لقد جرّب السودان التردد طويلًا…

ودفع ثمنه.

لكن التاريخ لا ينتظر.

لديكم القائد…

ولديكم عناصر الثبات…

فامضوا.

ليس لأن الطريق واضح،

بل لأن الوقوف لم يعد خيارًا.

الوقت… لا يقدر على عدم المضي إلى الأمام.

ومن لا يمضي معه،

لا يبقى…

بل يُترك خلف التاريخ.

د. أحمد التيجاني سيد أحمد

قيادي و مؤسس في تحالف تاسيس

التاريخ: ٣١ مارس ٢٠٢٦ – روما، إيطاليا

ahmedsidahmed.contacts@gmail.com

عن د. احمد التيجاني سيد احمد

د. احمد التيجاني سيد احمد

شاهد أيضاً

الحزب الشيوعي: من ضمير الفقراء إلى هامش السياسة

((في السياسة، لا تموت الأحزاب حين تُهزم… بل حين يتجاوزها الزمن)) ahmedsidahmed.contacts@gmail.com عندما دخلت الشيوعية …