نحو توسيع دائرة القرار الاقتصادي (4) “مكافحة الفساد، والتصالح مع الشفافيه” .. بقلم: عبدالرحمن عبدالله سيد احمد/هيوستن
عبدالرحمن عبدالله سيد احمد
١.الجميع يتحدث عن ضرورة مكافحة الفساد؛ رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء، البرلمان، وزارة الماليه، الأحزاب المشاركه في الحكومه، وقطعا احزاب المعارضه. كلهم يبكي فمن سرق الكتاب؟
٢. لقد اصبح الفساد هو الخطر الأكبر الذي يهدد الأمن الداخلي للدول، و اصبح الجميع ينادي بضرورة سن قوانين صارمة لمحاربة هذا المارد و التضييق عليه، ليس فقط في السودان، بل في كل دول المنطقه. رغم ان الكثير من الدراسات الصادره من المؤسسات الدوليه تشير الى تبؤ بلادنا مركزا متقدما في قائمة الدول ذات الانظمه الفاسده، الا انني على قناعه ان حجم الفساد في دول الجوار هو اكبر. ليس لأنهم أفسد منا، ولكن لاعتبار حجم اقتصادياتهم و فوائضهم النقديه. انظر مثلا الى مشروع المطار الدولي في احدى الدول العربيه، تمت ترسية العطاء الى احدى شركات المقاولات الامريكيه في العام ٢٠٠٥، بقيمة كليه بلغت 2.5 مليار دولار وكان من المفترض استلام المطار في العام ٢٠١٠. لم يتم الانتهاء من المطار و تشغيله الا في منتصف العام ٢٠١٤، حيث تضاعفت الكلفه النهائية الى الضعف!
٤. استمعت مطلع هذا الأسبوع الى سمنار يعالج قضايا التنميه في افريقيا، اعدته موسسة شيكاغو للدراسات. ذكر احد المشاركين في السمنار ان انعدام التدريب و غياب الرقابه و ضعف صناع السياسات policy makers و التساهل في المحاسبه و ضعف ما يعرف بال financial policies and procedures
٥. قدر لي ان اعمل في إدارة المشتريات و العقود في شركة النيل الكبرى GNPOC في اول عهدها، فكنت شاهدا على سجل الشركه المميز في الشفافيه و الادارة الرشيده. كانت الشركه تدار وفق سياسات ماليه و إداريه صارمه تحدد الصلاحيات الماليه لكافة المدراء limit of authority و تفرض شروطا واضحه و قوانين شفافة لإدارة العطاءات، يرجع الفضل في ذلك للشريك الكندي (تاليسمان). لكن السياسات الصارمه ليست هي وحدها ما أوصل الشركه لذلك المستوى العالي من الشفافيه، بل لعبت الادارة العليا دورا لا يقل اهميه. اذكر جيدا ان الاستاذ عبدالمحمود سليمان (مدير إدارة المشتريات انذاك، و مدير سودانير الحالي) والمهندس محمد خليفه (نائب الرئيس التنفيذي VP و ممثل وزارة الطاقه) كانا يمثلان القدوه الحسنه لجميع موظفي الشركه. لم يكن يبدر منهم اي تدخل في مسار العطاءات، ويشهد الجميع على نزاهتهما و احترامهما للقوانين. اذكر ان ال VP استدعاني لمكتبه ذات يوم بخصوص احدى العقود التي كنت مسؤولا عنها، عند دخولي المكتب حياني بحراره وقدمني لضيوفه في المكتب، والذين كان من بينهم شخصيه قوميه عمل وزيرا للطاقه في عهد مايو. بعد التحيه و المجاملات اخبرني ال VP ان السيد الوزير السابق هو المالك للشركه صاحبة العقد، و ان لديهم بعض المشاكل في توفير خطابات الضمان. شرح السيد الوزير السابق موقفهم و طلب مني تقليل سقف خطاب الضمان. شعرت بالحرج الشديد لأن اللوائح لا تسمح بذلك، فاعتذرت لهم بلغة دبلوماسيه واوضحت لهم صرامة اللوائح التي تحكم عملنا. فما كان من ال VP الا ان شكرني أمامهم على التوضيح و الحرص على تطبيق اللوائح، وللامانة اشهد ان موقف الوزير السابق كان مشرفا، حيث قبل الامر و لم يحاول الضغط.
٨. في احدى المدن الامريكيه، قام عمدة المدنيه المنتخب حديثا في انتخابات حره و ديموقراطية، بتغيير اثاث مكتبه مكلفا خزينة المدنيه حوالي عشرون الف دولار. تسرب الخبر الى اجهزة الاعلام والتي اعتبرت الإجراء غير قانوني لان ميزانية المدنيه المجازه بواسطة المجلس البلدي لا تتضمن هكذا بند. رغم ضآلة المبلغ المبدد، و رغم ان المسؤول يتمتع بقاعده جماهيريه معتبره، إلا ان العمده لم يكن له خيار سوى تقديم استقالته و التنحي بهدوء. لقد مارس الاعلام سلطته الاخلاقيه و القانونية في كشف الفساد، لم يتكسب الاعلام من خلال ابتزاز العمده (كما هو الحال في بعض دولنا)، لانه ربما اعتبر نفسه صاحب رساله. لقد وضع الآباء المؤسسين للدوله الامريكيه ما يعرف بنظيره موازنة القوى (checks and balances ) لضمان عدم تركز القوة في يد احد مكونات اللعبه السياسيه، ظنا منهم ان توزيع ألقوه يؤدي الى مراقبة المكونات لبعضها البعض بصوره فعاله وهذا يضمن عدم الاستخدام السيء للسلطه. ومن هنا فإن الاعلام ظل يقوم بأدوار مهمه في كشف الفساد و الضغط على المفسدين. وبعد فضيحة ووتر قيت، اصبح الاعلام الامريكي اكثر رغبة في القيام بدوره الرقابي.
٩. إن لدينا فهما مغلوطا لثقافة التدريب، حيث ينظر اليه كفرصة للسفر و التواصل مع العالم الخارجي دون ان ينظر الى الماده التدريبية و الفائده المرجوه منها. ينقسم التدريب في الشركات العالميه الى قسمين: تدريب داخل الشركه و تدريب خارجها. اما التدريب الداخلي فهو امر إلزامي لكل منتسبي الموسسه؛ ابتداء من المدير العام و حتى اصغر العمال. أهمية هذا التدريب في انه يلزم المنتسبين دراسة و فهم الانظمه الداخليه و اللوائح ألمنظمه لعمل الموسسه. فهناك عدد معين من الكورسات التي يلزم الموظف بأخذها بشكل دوري (سنوي او نصف سنوي). تغطي هذه الكورسات مواد مثل:
١٠. أودّ ان اختم مقالي هذا بدراسة حديثه صدرت في سانفرانسيسكو ركزت على الشركات الناشئه في مجال التكنلوجيا Startups. ركزت الدراسه على شركة Uber، فبعد الفضائح التي منيت بها الشركة مؤخرا استطاع الشركاء ازاحة مؤسس الشركه عن منصبه و جاءوا بإدارة جديده لتحسين صورة الشركه. لكن الدراسة وجدت ان تغيير الرئيس التنفيذي وحده لم يكن كافيا لتغيير ثقافة الشركه، بل ان الامر يتطلب جهدا اكبر في تصميم ثقافة جديده و التبشير بها في كافة ادارات الشركه.
صديقنا العزيز خالد الشيخ هو أحد الكوادر الشابه المتخصصه في سياسات المشتريات و العقود. حصل على زمالة ال CIPS البريطانية و عمل في كبريات شركات النفط العالميه. عاد الى السودان قبل عامين و أراد ان ينقل تجربته، محاولة منه في نشر الشفافيه و محاربة الفساد. قام بالتواصل مع عدد من الشركات و المؤسسات الحكوميه عارضا عليهم تنقيح و مراجعة لوائح المشتريات و العقود و تدريب العاملين على ال international best practice in
لا توجد تعليقات
