نحو خطاب إسلامى مستنير يؤصل للحرية والعدالة الإجتماعية والوحدة

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الاسلاميه فى جامعه الخرطوم

sabri.m.khalil@gmail.com

تعريف مصطلح الخطاب:

لغة : الخطاب لغة الكلام ” الفيروزأبادي/القاموس المحيط/ مادة خطب” .

إصطلاحا: تعددت تعريفات الخطاب . غير أننا نستخدم مصطلح للدلالة على مذهب معين ، يتضمن جمله من الحلول، للمشاكل التي يطرحها واقع معين زمانا ومكانا.

مصطلحى الإستنارة والتنوير:

لغه:

ا/ فى السياق الغربى: المفهوم الفرنسي لمصطلح تنوير هو الأسبق في اللغات الأوربية ، ويعنى الذكاء و المعرفة وضوح الفكر، ثم أصبح علامة على عصر اوروبى معين “القرنين السابع عشر والثامن عشر”،اعتقد فيه الفلاسفة الغربيون أن أنوار العقل الطبيعي وحدها ، قادرة على السير بالبشر نحو تقدم العلم والحكمة والحضارة .

ب/فى السياق العربى – الإسلامى: كلمات إستنارة / تنوير في اللغة العربية مشتقه من الاصل الثلاثي” نور، نار ، أنار” ، وقد إستخدم النص القرانى اللفظ بدلالته المجازية، لوصف الله تعالى ( الله نور السماوات والأرض)، والقران الكريم(وأنزلنا إليكم نورا مبينا) ،والرسول”صلى الله عليه وسلم”( وداعيا إلي الله باذنه وسراجا منيرا).

اصطلاحا:لمصطلح التنوير دلالتين:

أولا: دلالة عامة- مشتركة: تتمثل في التنوير كمفهوم مجرد، تشترك في فهمه كل الفلسفات والمناهج .و مضمونها أن تحرير عقل الإنسان من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة “كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى” ،هو احد شروط نقل اى مجتمع، من التخلف الحضاري إلي التقدم الحضاري .

ثانيا: دلاله خاصة – منفردة : تتمثل في تطبيق مفهوم التنوير في واقع اجتماعي معين زمانا ومكانا ، وطبقا للمعنى الذى تنفرد بفهمه فلسفه ومنهج معرفه معينين .

تعريف الخطاب الاسلامى المستنير: مذهب اسلامى ، يهدف:
اولا: على المستوى الذاتي: تحرير عقل الإنسان المسلم ، من القيود التي تعوق فعاليته كوسيلة للمعرفة ” كأنماط التفكير الخرافي والاسطورى والبدعى” ، باعتبار أن ذلك هو شرط ذاتي لنقل المجتمعات المسلمة من تخلف النمو الحضاري إلي التقدم الحضاري .
ثانيا: على المستوى الموضوعي: إلى حل للمشاكل التي يطرحها واقع المجتمعات المسلمة المعين زمانا ومكانا.

وجوب التمييز بين الاسلام كدين والمذاهب الاسلاميه: هذا التعريف يميز بين الإسلام كدين، ممثلا في أصوله النصية الثابتة ، والمذاهب الاسلاميه باعتبارها اجتهادا يحتمل الصواب والخطأ.

رفض مصطلح “الاسلام المستنير” : لذا نرفض هنا مصطلح “الإسلام المستنير”
لانه لا يميز بينهما ، وبالتالى يوحى ان ثمه اسلام مستنير واخر غير مستنير، وهذا الالتباس اشار اليه الدكتور عصمت سيف الدولة فى كتابه “عن العروبة والإسلام” حيث يقول ( ومن أشكال مناهضة الإسلام بالعروبة ، نفاقا ، تفضيل بعضهم ”الإسلام المستنير ” والإشادة به والدعوة إليه . كأن ثمة إسلاميين أحدهما مستنير يشهرونه واخ. مظلم….ولو أنصفوا أنفسهم لتحدثوا عن الاستنارة والإظلام في المذاهب والآراء ،واجتنبوا الإسناد إلى الإسلام. وأن يكونوا مسلمين على مذهب يرونه مستنيراً فعليهم أن يقدموه مذهبا على مسؤوليتهم في الصواب والخطأ ، ولا يقدموه على أنه الإسلام المستنير بما يترك مجالا للظن بأن ثمة إسلاما غير مستنير )(عن العروبة والإسلام، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1986).

مفاهيم الخطاب الاسلامى المستنير:

المفهوم الإسلامى للعقل:
اولا: نشاط أو فاعلية معرفية: لذا لم يرد في القرآن لفظ عقل بصيغه الإسم. بل ورد بصيغه الفعل ” نعقل، تعقلون، يعقلون…” ، كما فى قوله تعالى﴿” وكذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون” ﴾.
ثانيا: هذه الفاعلية المعرفية محدودة:

ا/ تكليفيا:بالوحي في إدراكه لعالم الغيب المطلق عن قيود الزمان والمكان، يقول الإمام الشاطبى ” فهذا أصل إقتضى للعاقل أن لا يجعل العقل حاكما بإطلاق، وقد ثبت عليه حاكم بإطلاق وهو الشرع”.

ب/ تكوينيا: بالحواس في إدراكه لعالم الشهادة المحدود زمانا و مكانا ، قال تعالى﴿ والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والافئده لعلكم تشكرون﴾.

الإقتداء بالسلف لا يتعارض مع التجديد ولا يلزم منه التقليد:
كما ينبغي أن يقوم الخطاب الاسلامى المستنير على اوجبت النصوص القطعية على جميع المسلمين قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْه) (التوبة:الآية100).

اختلاف طبيعه الاقتداء بالسلف بإختلاف موضوع اقوالهم: غير أن طبيعة الاقتداء بالسلف الصالح تختلف باختلاف موضوع أقوالهم .

فى اصول الدين:فإذا كانت أقوالهم تتصل بأصول الدين، ممثله في النصوص يقينية الورود والقطعية الدلالة ،فان الاقتداء هنا يأخذ شكل الالتزام بفهم السلف الصالح لهذه النصوص ، وما تتضمنه من عقائد وعبادات وأصول معاملات، كما يأخذ شكل إلغاء الإضافات التي طرأت علي فهم السلف لهذه الأصول ، اى البدع إذ البدعة هي بالاضافه إلى أصول الدين.

فى فروع الدين: أما إذا كانت أقوالهم تتصل بفروع الدين،ممثله في النصوص ظنيه الورود والدلالة ،فان مضمون الاقتداء بالسلف الصالح هنا هو الاقتداء بهم في اجتهادهم في وضع قواعد فرعيه، لتنظيم مجتمعاتهم استجابة للمشاكل التي عاشوها، وذلك بالاجتهاد في وضع قواعد فرعيه لتنظيم مجتمعاتنا استجابة للمشاكل التي نعيشها ، غير أن هذا لا يعنى إلغاء القواعد الفرعية التي وضعها السلف الصالح ،بل اعتبارها تجسيدا لماضي الامه وخبرتها، وبالتالي اتخاذها نقطه بداية لاجتهادنا لا نقطه نهاية له، وذلك بالالتزام بالقواعد الفرعية التي وضعوها كما هى ، او بعد الترجيح بينها ، أو وضع قواعد جديدة استجابة لمشاكل جديدة .

وطبقا لما سبق فان الاقتداء بالسلف لا يتعارض مع التجديد ولا يلزم منه التقليد

أهداف الخطاب الاسلامى المستنير:

أولا: الحرية:

أكد الإسلام على قيمه الحرية بأبعادها المتعددة ،قال تعالى (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ) ، وقال تعالى ( فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ )(الكهف:29).
.وقال عمر بن الخطاب ( رضوان الله عليه )( متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحراراً) فتوح مصر ( ص 290 ) ، والحرية في المفهوم الإسلامي هى المقدرة على الترقي المادي والروحي للإنسان، أي المقدرة على إشباع حاجاته المادية والروحية ، هذا الترقي له ضوابط تكليفيه “الوحي”،وتكوينيه “السنن الالهيه التي تضبط حركه الوجود”تحده ولا تلغيه فتكمله وتغنيه .

الديموقراطيه: اتساقا مع المفهوم الاسلامى للحرية فان الخطاب الاسلامى المستنير ينبغي ان يتجاوز موقفي الرفض المطلق أو القبول المطلق لمفهوم الديموقراطيه، إلى موقف تقويمى “نقدي”، يقوم على التمييز بين الدلالات المتعددة للمفهوم ، فالإسلام لا يتناقض مع الدلالة العامة – المشتركة لمفهوم الديمقراطية، اى الديموقراطيه كنظام فني لضمان سلطه الشعب ضد استبداد الحكام.
أما الدلالة الخاصة – المنفردة للمفهوم ومثالها الديموقراطيه الليبرالية ، فيقوم الموقف الصحيح منها على اخذ وقبول ما لا يناقض أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يناقضهما .
هذا الموقف يقوم إذا على قبول مفهوم الديموقراطيه، بعد تقييده بالمفاهيم الكلية للفلسفة السياسية الاسلاميه، والتي هي بمثابة ضوابط موضوعيه مطلقه للتنظير والممارسة السياسية .

ثانيا: العدالة الاجتماعية:

اعتبر المنظور الاجتماعي الاسلامى ، أن العدل هو قاعدة من قواعد النظام العام الاسلامى ‏(‏وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل)‏ ‏(‏النساء‏:‏58‏) .كما اعتبر أن العدل الاجتماعي غاية للنشاط الاقتصادي ، وذلك من خلال تقريره لشرطي العدل الاجتماعي: تكافؤ الفرص وعدالة توزيع الثروة التي تتضمن عدالة الأجور، ففيما يتعلق بالشرط الأول “تكافؤ الفرص” يقول عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ( والله ما احد أحق بهذا المال من احد ..). أما فيما يتعلق بالشرط الثاني “عدالة توزيع الثروة وعدالة الأجور “روي أن ابوعبيدة تحدث يوماً مع عمر(رضي الله
عنه) في استخدام الصحابة في العمل فقال ” أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن الخيانة “.

المساوه : كما قرر المنظور الاجتماعي الاسلامى، قيمة المساوه ذات الصلة الوثيقة بالعدل الاجتماعي:قال تعالى ﴿ أن أكرمكم عند الله اتقاكم﴾
المبادئ الكلية للمذهب الاسلامى فى العدالة الاجتماعية:
اولا: إسناد ملكيه المال لله تعالى (واتوهم من مال الله الذى أتاكم) .
ثانيا: استخلاف الجماعة في الانتفاع به من خلال :
ا/ أن للجماعة حق الانتفاع بمصادر الثروة الرئيسية دون الفرد، قال (صلى الله عليه وسلم)( الناس شركاء في ثلاثة الماء و الكلأ والنار (روه احمد وأبو داود)
ثانياب/ تولى الدولة إدارة إنتاج هذه المصادر باعتبارها وكيل للجماعة ونائب عنها، قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)( لو أن عناقا ( عنزا ) ذهب بشاطئ العراق لأخذ بها عمر يوم القيامة). ثاج/ أما ما دون مصادر الثروة الرئيسية فان للجماعة أن تتركه حقا ينتفع به الفرد (القطاع الخاص) بشرط أن لا يتعارض ذلك مع مصلحتها.

ثالثا: الوحدة: دعا الإسلام المسلمين إلى الوحدة ، قال تعالى( واعصكو بحبل الله جميعا ولا تفرقو).
لذا يجب العمل على تحقيق وحدة الأمة على جميع المستويات” الوطنية والقومية والدينية”. ومحاربه التفرق ، بمقاومة مشاريع التفتيت الطائفى والقبلى للأمة، كمشروع الشرق الأوسط الجديد ” الإمبريالى- الصهيونى”، ومقاومه أنماط التفكير والسلوك التى تكرس للتجزئه والتفتيت ، كالشعوبية والقبلية والطائفية….

رابعا: الاصاله والمعاصرة (التجديد):

ترتبط مشكلة الاصاله والمعاصرة بالمشكلة (الحضارية) ،اى مشكلة كيفية تحقيق التقدم الحضاري في المجتمعات المسلمة؟ و هناك ثلاثة مواقف من هذه المشكلة.

الموقف الأول: (التقليد): يقوم على ان تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة يكون بالعودة إلى الماضي ، والعزلة عن المجتمعات المعاصرة، وبمنظور علم أصول الفقه هو موقف يقوم على الوقوف عند أصول الدين وفروعه.
و التَّقْلِيدِ بالاصطلاح الشرعي قَبُولُ قَوْلِ الْقَائِلِ بِلَا حُجَّةٍ يَذْكُرُهَا ( شرح المحلي على الورقات)، وقد ذم القران التقليد (وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه إباءنا)(لقمان:21). كما نهى عنه الائمه :يقول الإمام أبو حنيفة(حرام على من لم يعرف دليلي أن يفتى بكلامي، فإننا بشر نقول القول اليوم ونرجع عنه غدا)( ابن عبد البر، فى فضائل ألائمه والفقهاء، ص145 )، ويقول الإمام احمد بن حنبل( لا تقلدوني ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي ولا الثوري، وخذوا من حيث اخذوا) (ابن القيم أعلام الموقعين،ج2، ص302).

الموقف الثاني: (التغريب): يقوم على أن تحقيق التقدم الحضاري للمجتمعات المسلمة لا يمكن أن يتم إلا باجتثاث الجذور ، وتبني قيم المجتمعات الغربية. وفي منظور علم أصول الفقه يقوم على تبني قيم حضارة أخرى تناقض أصول الدين وفروعه – وقد لا يعي أصحاب هذا الموقف بهذا التناقض- . فهو موقف يقوم على الرفض المطلق من هذه الجهة. ومن جهة أخرى يقوم على القبول المطلق لإسهامات المجتمعات الغربية .

الموقف الثالث: الاصاله والمعاصرة (التجديد): أما الموقف الذى يعبر عن الخطاب الاسلامى المستنير فهو الموقف الذى يجمع بين الاصاله والمعاصرة من خلال تقرير أن تحقيق التقدم الحضاري لمجتمعات المسلمة ، يتم باستيعاب ما لا يناقض أصول الإسلام كدين (التي تمثل الهيكل الحضاري للمجتمعات
المسلمة) ، سواء كانت من اجتهادات المسلمين ، أو إسهامات المجتمعات المعاصرة الأخرى.

الاستفادة من الإسهامات الحضارية للأمم الأخرى: فهذا الموقف إذا يقوم على تجاوز موقفي الرفض والقبول المطلقين للإسهامات الحضارية للأمم الأخرى، إلى موقف نقدي قائم على اخذ وقبول ما يتسق مع أصول الدين وواقع المجتمعات المسلمة، ورد ورفض ما يتناقض معهما ، وهو الموقف الذى يتسق مع جوهر موقف الإسلام من المجمعات الأخرى وإسهاماتها ، فقد استفاد الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) في غزوة الأحزاب من الفرس فى صنع الخندق ، ورد فى عون المعبود (سميت الغزوة بالخندق لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمره – عليه الصلاة والسلام – لما أشار به سلمان الفارسي فإنه من مكائد الفرس دون العرب)، و استفاد عمر بن الخطاب(رضي الله عنه) من الفرس في تدوين الدواوين ، يقول ابن الأثير(الديوان هو الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش وأهل العطاء، وأول من دون الدواوين عمر، وهو فارسي معرب)، التجديد طبقا لضوابطه الشرعيه : كما انه موقف يسند إلى التجديد طبقا لضوابطه الشرعيه ، والتجديد لغة أعاده الشيء الى سيرته الأولى (لسان العرب 3/111، الصحاح للجوهرى 2/454)،أما في الاصطلاح الشرعي فهو الاجتهاد في فروع الدين المتغيرة، والمقيد (المحدود) بأصوله الثابتة ، قال (صلى الله عليه وسلم) (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) (سنن أبى داود، كتاب الملاحم، باب ما يذكر فى قرن المائة ح رقم 3740 والحاكم فى المستدرك 4/522).

عن د. صبري محمد خليل

شاهد أيضاً

المفكر الإسلامى المستنير بابكر كرار و تراثه الفكرى” الطرح الثورى للإسلام والإشتراكية الإسلامية”

د. صبري محمد خليل/ أستاذ فلسفة القيم الإسلامية في جامعة الخرطوم Sabri.m.khalil@gmail.com السيرة الذاتية للأستاذ …