د. صلاح أحمد الحبو
في السودان، لا تبدو الحرب الجارية انحرافًا عن مسار الدولة بقدر ما تبدو النتيجة المنطقية لذلك المسار. ما يحدث اليوم ليس صدامًا طارئًا بين جيشين، بل انفجارًا متأخرًا لبنية سياسية ومعرفية ظلّت تعيد إنتاج الأزمة لعقود. تتغير الوجوه وتتبدل التحالفات، لكن منطق الدولة ذاته بقي ثابتًا: سلطة تُدار كغنيمة، وسياسة تُختزل في السيطرة، ومؤسسات تُستدعى حين تخدم الصراع وتُهمّش حين تعرقله.
ما يواجهه السودان ليس فقط أزمة حكم، بل أزمة في طريقة التفكير التي أنتجت هذا الحكم. إنه ما يمكن وصفه بـ”العقل السوداني”—ليس كهوية ثقافية، بل كنمط إدراكي تاريخي تشكّل عبر تداخل السلطة بالقبيلة، والدولة بالمجتمع، والسياسة بالرمز. داخل هذا النمط، لا تُفهم الدولة بوصفها عقدًا مؤسسيًا، بل كفضاء مفتوح لإعادة توزيع القوة، حيث تصبح الشرعية لاحقة على القوة لا سابقة لها.
الحرب الحالية تكشف هذا المنطق في أقصى درجاته. فالأطراف الرئيسية ليست مجرد فاعلين عسكريين، بل تعبيرات عن تصورات متنافسة—لكن متقاربة—للدولة نفسها. المؤسسة العسكرية التقليدية تتحرك من منطق يرى الدولة ككيان يجب استعادته بالقوة عند انهيار السياسة، ما يجعل الحرب بالنسبة لها “تصحيحًا” لا أزمة. في المقابل، تعمل قوات الدعم السريع بمنطق براغماتي يرى الدولة كشبكة نفوذ قابلة لإعادة التشكيل، حيث تُدار السلطة كصفقة مستمرة لا كمؤسسة مستقرة. وبين هذا وذاك، تقف النخب السياسية والمدنية في موقع متأرجح، غالبًا ما تعيد إنتاج الانقسام بدل تجاوزه، وتتعامل مع الصراع بوصفه توزيعًا جديدًا للسلطة لا إعادة تعريف لها.
ورغم اختلاف هذه المواقع، إلا أنها تشترك في بنية أعمق: القبول الضمني بأن الدولة يمكن امتلاكها، وأن الصراع عليها يُحسم بالقوة أو التفاوض، لا بإعادة تأسيس مفهومها. بهذا المعنى، لا تعكس الحرب انهيار الدولة فقط، بل استمرار طريقة التفكير التي جعلت هذا الانهيار ممكنًا.
هذا النمط يفسر لماذا تتحول الأزمات في السودان إلى حلقات متكررة بدل أن تكون لحظات مراجعة. فبدل أن تنتج الحرب إعادة تفكير في الأساس المؤسسي للدولة، تُستوعب داخل سرديات جاهزة: لوم الخارج، تخوين الداخل، أو اختزال الفشل في أفراد. وهكذا يُعاد إنتاج ما يمكن تسميته بـ”وهم البراءة المتخيلة”، حيث يتنصل كل طرف من المسؤولية البنيوية، بينما تُعاد صياغة الكارثة بوصفها نتيجة أخطاء الآخرين.
هذا ما أشار إليه محمد عابد الجابري حين حلل هيمنة البنية الخطابية على التفكير النقدي. وهو ما ينسجم مع أطروحة أنطونيو غرامشي حول الهيمنة الثقافية، حيث تستمر الأنماط الفكرية المهيمنة حتى في لحظات فشلها لأنها تُعاد إنتاجها داخل الوعي الجمعي نفسه. أما فرانز فانون، فقد نبّه إلى أن النخب في السياقات ما بعد الاستعمار قد تتحول إلى امتداد للبنية التي كان يُفترض أن تفككها، بدل أن تكون قطيعة معها.
في السودان، تتجلى هذه الدينامية بوضوح قاسٍ: الدولة تُفكك بينما يُعاد شرعنة منطق السيطرة عليها، والعنف يُدان نظريًا بينما يُمارس عمليًا كأداة سياسية مشروعة. الحرب هنا ليست فقط نتيجة انهيار المؤسسات، بل نتيجة غياب تصور مشترك لماهية الدولة نفسها.
التجارب المقارنة توضح أن هذا النوع من الأزمات ليس محتومًا. في رواندا، رغم فداحة الإبادة الجماعية عام 1994، تم الدفع نحو نموذج عدالة انتقالية ربط بين المحاسبة وإعادة بناء النسيج الاجتماعي. في البوسنة، أوقفت التسوية الحرب لكنها كشفت حدود الحلول التي لا تمس البنية العميقة للانقسام. وفي العراق بعد 2003، أدى تفكيك مؤسسات الدولة إلى إنتاج فراغ مؤسسي غذّى دورة جديدة من العنف بدل إنهائها.
ما تكشفه هذه الحالات ليس وصفات جاهزة، بل قاعدة واحدة: أن نهاية الحرب لا تعني نهاية منطقها. فالأهم من وقف إطلاق النار هو ما إذا كانت الدولة قادرة على إعادة تعريف نفسها خارج منطق السيطرة والإقصاء.
في السودان، لا يزال هذا التحول غائبًا. لكن في الهامش، تتشكل ببطء “كتلة حرجة” من وعي جديد—شبكات مدنية ومهنية وشبابية بدأت تطرح سؤالًا مختلفًا: ليس من يربح الحرب، بل لماذا تُنتج الدولة نفسها حربها باستمرار.
غير أن هذا التحول، رغم أهميته، سيبقى محدود الأثر ما لم يتحول إلى مشروع مؤسسي ومعرفي يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالأزمة ليست فقط في غياب الحلول، بل في الإطار الذهني الذي يجعل بعض الحلول غير قابلة للتصور أصلًا.
إن الخروج من هذه الحلقة لا يتطلب فقط إعادة بناء المؤسسات، بل تفكيك المنطق الذي يحكمها. فالدولة لا تُهزم بالسلاح وحده، بل بطريقة التفكير التي تجعل السلاح أداة مركزية في تعريف السياسة. وما لم يتغير هذا المنطق، فإن أي تسوية ستظل مجرد هدنة بين موجتين من العنف.
في النهاية، السودان لا يواجه فقط حربًا، بل يواجه حدود طريقة تفكيره في الدولة ذاتها. والسؤال الحاسم لم يعد متى تنتهي الحرب، بل ما إذا كان ممكنًا إنهاء الشروط التي تجعلها قابلة للتكرار.
هامش بسط المفاهيم
- العقل السوداني
ليس مفهومًا إثنيًا أو ثقافيًا ثابتًا، بل نمط تاريخي في التفكير السياسي تشكّل عبر تداخل الدولة التقليدية مع البنى الاجتماعية (القبيلة، الطائفة، الجهة)، ما أدى إلى ضعف التمييز بين الدولة كـ“مؤسسة” والدولة كـ“غنيمة سلطة”.
- وهم البراءة المتخيلة
حالة إدراكية/سياسية يتم فيها إنكار المسؤولية البنيوية للأزمة عبر نسبتها إلى طرف خارجي أو فردي، مما يمنع إنتاج مساءلة حقيقية.
- الدولة كغنيمة
تصور للدولة باعتبارها موردًا للسيطرة والتوزيع وليس عقدًا مؤسسيًا قائمًا على القانون والشرعية.
- الهيمنة الثقافية
مفهوم يشير إلى قدرة منظومة فكرية على إعادة إنتاج نفسها داخل المجتمع حتى في حالات فشلها السياسي أو العملي.
- الكتلة الحرجة للوعي
تعبير عن تراكم نوعي في الوعي الاجتماعي يسمح بحدوث تحول سياسي/معرفي، دون أن يكون بالضرورة تنظيمًا سياسيًا.
هامش المراجع والإحالات المرجعية
[1] محمد عابد الجابري، نقد العقل العربي. [2] أنطونيو غرامشي، دفاتر السجن (Prison Notebooks). [3] فرانز فانون، معذبو الأرض. [4] دراسات التحول بعد النزاع: رواندا (1994–)، البوسنة (اتفاق دايتون 1995)، العراق (2003–)، ضمن أدبيات بناء الدولة ما بعد الصراع في مراكز بحثية مثل Carnegie Endowment for International Peace وInternational Crisis Grouphabobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم