بقلم: د. صلاح أحمد الحبو
حين تدخل المجتمعات لحظة الحرب، لا تنكشف فقط هشاشة البنى السياسية أو الاقتصادية، بل تنكشف كذلك بنية أعمق وأكثر خفاءً: بنية الوعي اليومي. فالحرب ليست مجرد صدام بين قوى عسكرية أو سياسية، بل هي أيضاً لحظة اختبار لطرائق التفكير التي حكمت المجتمع قبل اندلاعها. في هذه اللحظة يتبين أن كثيراً من الأفكار التي بدت طبيعية أو بديهية لم تكن سوى انعكاس لبنية اجتماعية وسياسية لم تُفكَّك نقدياً بما يكفي. ومن هنا تبرز أهمية استلهام المنهج النقدي الذي طرحه المفكر اللبناني مهدي عامل في كتابه نقد الفكر اليومي. فقد حاول مهدي عامل أن يبيّن أن الفكر اليومي ليس مجرد آراء عابرة يتداولها الناس في حياتهم اليومية، بل هو شكل من أشكال الوعي الأيديولوجي المرتبط بالبنية الاجتماعية. يقول مهدي عامل في صياغة تلخص مشروعه النقدي: «الفكر اليومي فكر أيديولوجي يعكس الواقع في شكله المباشر دون أن يكشف بنيته العميقة». بهذا المعنى، لا يكذب الفكر اليومي بالضرورة، لكنه يعكس الواقع في سطحه المباشر، ويترك البنية العميقة التي تنتج هذا الواقع خارج دائرة التحليل. إذا نظرنا إلى السودان من هذا المنظور، يمكن القول إن الحرب الراهنة لم تخلق أزمة الوعي، بل كشفتها. لقد دخل السودان زمن الحرب وهو يحمل إرثاً طويلاً من الاختلالات السياسية والاجتماعية التي لم تُحل بصورة جذرية. لكن هذه الاختلالات كانت في كثير من الأحيان تُفسَّر داخل الوعي اليومي عبر صيغ مبسطة، تميل إلى شخصنة الصراع أو اختزاله في أخطاء أفراد، بدل النظر إليه بوصفه نتيجة لبنية تاريخية معقدة. هذا النمط من التفكير ليس خاصاً بالسودان وحده، لكنه في السياق السوداني ارتبط بتاريخ طويل من التحولات السياسية والانقطاعات المؤسسية. فقد عاشت الدولة السودانية منذ الاستقلال سلسلة من الانقلابات والانتقالات غير المكتملة، الأمر الذي جعل كثيراً من القضايا البنيوية – مثل العلاقة بين الدولة والمجتمع، أو بين المركز والأطراف – تبقى معلقة دون حل حاسم. وقد أشار عدد من المفكرين السودانيين إلى هذه المعضلة منذ عقود. فقد كتب المفكر السوداني عبد الله علي إبراهيم في سياق تحليله للثقافة السياسية السودانية أن المجتمع كثيراً ما يميل إلى تفسير الأزمات السياسية عبر سرديات أخلاقية أو شخصية، في حين أن جذور الأزمة تكمن في بنية الدولة نفسها. وفي هذا السياق يمكن فهم كيف يتحول الخطاب اليومي إلى نوع من التفسير السريع الذي يمنح الإحساس بالفهم دون أن يفتح الطريق لتحليل أعمق. كذلك أشار المفكر السوداني منصور خالد في أعماله النقدية إلى أن أحد أوجه أزمة الدولة السودانية يتمثل في غياب التفكير المؤسسي العميق لصالح ردود فعل سياسية قصيرة المدى. وقد وصف هذا الوضع في أحد تحليلاته بأنه ميل متكرر إلى التعامل مع الأزمات عبر حلول مؤقتة لا تمس جذورها البنيوية. في ضوء هذا السياق التاريخي، يمكن القول إن الوعي اليومي في السودان قبل الحرب كان يحمل في داخله عناصر الأزمة نفسها. فقد بدا أحياناً أن المجتمع يعيش حالة من التعايش مع التناقضات دون محاولة تفكيكها. فالأزمات السياسية كانت تتكرر، لكن تفسيرها ظل في كثير من الأحيان يدور في الدائرة نفسها من الاتهامات المتبادلة أو القراءات الجزئية. ومع اندلاع الحرب، دخل هذا الوعي اليومي مرحلة جديدة. ففي زمن الحرب تتسارع الأحداث إلى درجة تجعل الحاجة إلى تفسيرها فورية. وهنا يلجأ الوعي اليومي إلى أقرب الأدوات المتاحة: التفسير المباشر، والانقسام الثنائي بين الصواب والخطأ، والبحث عن مسؤول واحد أو جهة واحدة تتحمل العبء الكامل للأزمة. لكن هذا النمط من التفكير، كما يبين مهدي عامل، يعكس الواقع دون أن يفسره. فهو يصف الحدث، لكنه لا يكشف الشروط التاريخية والاجتماعية التي جعلته ممكناً. ولهذا يصبح نقد الوعي اليومي ضرورة معرفية، لأنه يسمح بالانتقال من مستوى الوصف إلى مستوى التحليل. لقد كتب مهدي عامل في موضع آخر من مشروعه النقدي أن الفكر اليومي «ينظر إلى الظواهر في استقلالها الظاهري، فيفصل بينها وبين الشروط التي تنتجها». وهذا ما يحدث كثيراً في الخطاب العام أثناء الحروب؛ إذ تتحول الأحداث إلى سلسلة من الوقائع المنفصلة، بدل أن تُقرأ في إطار بنية تاريخية أوسع. وفي السودان، تبدو هذه الظاهرة واضحة في كثير من النقاشات العامة حول الحرب. فبدلاً من تحليل العلاقة بين الاقتصاد السياسي للدولة، وتكوين المؤسسة العسكرية، وتحولات المجال السياسي منذ الاستقلال، يميل الخطاب اليومي إلى التركيز على لحظة الانفجار نفسها. وكأن الحرب ظهرت فجأة، دون تاريخ طويل من الاختلالات غير المحلولة. غير أن الحرب، مهما بدت مفاجئة، هي في الحقيقة نتيجة لمسار تاريخي طويل. وقد أشار عدد من الباحثين السودانيين إلى أن فهم الأزمات السودانية يتطلب قراءة متصلة للتاريخ السياسي والاجتماعي، لا الاكتفاء بتحليل اللحظة الراهنة. ففي هذا السياق كتب المفكر السوداني محمد جلال هاشم عن أهمية فهم التعدد الثقافي والاجتماعي في السودان بوصفه عنصراً أساسياً في تكوين الدولة، وليس مجرد مسألة هامشية يمكن تجاوزها. إن نقد الوعي اليومي في السودان لا يعني رفض التجربة الشعبية أو التقليل من شأنها. فالوعي اليومي يحمل في داخله ذاكرة اجتماعية مهمة، ويعكس معاناة الناس وتجاربهم. لكن المشكلة تظهر حين يتحول هذا الوعي إلى الإطار الوحيد لفهم الواقع. فعندها يصبح عاجزاً عن رؤية البنية العميقة التي تنتج الأزمات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى جهد فكري يسعى إلى تحويل الوعي اليومي من مستوى الانعكاس المباشر إلى مستوى الفهم النقدي. وهذا التحول لا يحدث عبر الخطاب السياسي وحده، بل يحتاج إلى مساهمة المثقفين والباحثين ووسائل الإعلام في إعادة طرح الأسئلة الأساسية حول الدولة والمجتمع والتاريخ. لقد أظهرت الحرب في السودان أن الأزمة ليست سياسية فقط، بل هي أيضاً أزمة في طرائق التفكير السائدة. فحين يعجز المجتمع عن تحليل أزماته تحليلاً بنيوياً، فإنه يظل معرضاً لتكرارها في أشكال مختلفة. ولهذا فإن نقد الوعي اليومي يصبح جزءاً من مشروع أوسع لإعادة بناء المجال العام في السودان. فالمجتمع الذي يستطيع أن يفهم جذور أزمته يصبح أكثر قدرة على تجاوزها، بينما المجتمع الذي يكتفي بتفسير الأحداث في سطحها المباشر قد يجد نفسه يدور في الحلقة نفسها من الأزمات. في هذا المعنى، يمكن القول إن الحرب – على الرغم من قسوتها – تفتح أيضاً نافذة لإعادة التفكير. فهي تكشف حدود التفسيرات القديمة، وتدفع المجتمع إلى البحث عن أدوات تحليل جديدة. وهنا تتجدد أهمية المشروع النقدي الذي طرحه مهدي عامل، لأنه يذكرنا بأن تحرير الواقع يبدأ بتحرير الوعي الذي يفهم هذا الواقع. إن السودان اليوم يقف عند مفترق تاريخي، ليس فقط في مستوى السياسة أو الدولة، بل أيضاً في مستوى الوعي. فإما أن يظل الوعي اليومي أسير التفسيرات السطحية التي تحجب البنية العميقة للأزمة، وإما أن يتحول إلى وعي نقدي قادر على قراءة التاريخ وفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
ومن هنا تصبح مهمة الانتقال من الوعي اليومي إلى الوعي الاستراتيجي شرطًا أساسيًا لأي مشروع جاد لإعادة بناء الدولة والمجتمع.
إن الوعي الاستراتيجي لا يعني مجرد التفكير في المستقبل بوصفه امتدادًا زمنيًا للحاضر، بل يعني القدرة على قراءة البنية العميقة للتاريخ وتحليل الاتجاهات الكبرى التي تشكل مسار المجتمع. وهو وعي يقوم على الربط بين المعرفة التاريخية والتحليل السياسي والرؤية المستقبلية، بحيث يصبح الفعل العام مبنيًا على فهم متكامل للسياق الذي يتحرك فيه.
وفي ضوء ذلك يمكن اقتراح عدد من المسارات التي قد تسهم في بناء هذا الوعي الاستراتيجي:
أولًا، إعادة الاعتبار للفكر النقدي في المجال العام، بحيث يصبح النقاش السياسي قائمًا على تحليل البنى العميقة للأزمات لا على التفسيرات اللحظية للأحداث. ويتطلب ذلك تعزيز دور الجامعات ومراكز البحث والمثقفين في إنتاج معرفة نقدية تساعد المجتمع على فهم ذاته وتاريخه.
ثانيًا، بناء ثقافة التفكير بعيد المدى داخل المؤسسات السياسية والإدارية، بحيث لا تقتصر إدارة الشأن العام على معالجة الأزمات الطارئة، بل تمتد إلى صياغة رؤى استراتيجية طويلة الأجل تتعلق بالاقتصاد والتنمية وبناء الدولة.
ثالثًا، إصلاح منظومة التعليم والمعرفة بما يعزز مهارات التفكير التحليلي والاستشرافي لدى الأجيال الجديدة. فالمجتمعات التي تمتلك قدرة على التفكير الاستراتيجي هي المجتمعات التي تنجح في تحويل المعرفة إلى أداة لفهم المستقبل وصناعته.
رابعًا، إحياء دور المجال الثقافي والإعلامي في ترسيخ الوعي النقدي، بحيث يتحول الخطاب الإعلامي من مجرد متابعة للأحداث اليومية إلى فضاء لتحليلها وربطها بسياقها التاريخي والاجتماعي.
ومن خلال هذه المسارات يمكن تصور عدد من السيناريوهات المحتملة لمستقبل الوعي في السودان.
السيناريو الأول هو استمرار هيمنة الوعي اليومي، حيث يبقى النقاش العام أسير ردود الفعل الآنية والتفسيرات السطحية للأحداث. وفي هذا السيناريو قد تتكرر دورات الأزمة، لأن المجتمع يظل عاجزًا عن إدراك جذورها البنيوية.
أما السيناريو الثاني فهو بروز وعي نقدي انتقالي، يبدأ فيه المجتمع تدريجيًا في مساءلة أنماط التفكير السائدة، وتظهر محاولات متفرقة لربط الأحداث بسياقها التاريخي. وقد يشكل هذا السيناريو مرحلة انتقالية تمهد لتحولات أعمق في الثقافة السياسية.
أما السيناريو الثالث – وهو الأفق الذي ينبغي السعي إليه – فهو تبلور وعي استراتيجي جماعي قادر على قراءة الماضي بعمق، وفهم الحاضر بتعقيداته، واستشراف المستقبل برؤية واضحة. ففي هذا السيناريو يتحول التفكير العام من مجرد رد فعل على الأحداث إلى قدرة على استباقها وصياغة مسارات بديلة للتاريخ.
إن الطريق إلى هذا الوعي ليس طريقًا قصيرًا، بل هو مسار طويل يتطلب جهدًا فكريًا وثقافيًا ومؤسسيًا متواصلاً. غير أن لحظات التحول الكبرى في تاريخ الشعوب – على قسوتها – تفتح دائمًا نافذة لإعادة التفكير في الأسس التي يقوم عليها المجتمع.
ولعل الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من التجربة السودانية الراهنة هو أن بناء المستقبل لا يبدأ فقط بإعادة إعمار المدن أو إصلاح المؤسسات، بل يبدأ قبل ذلك بإعادة بناء الوعي الذي يفكر في هذه المدن وفي هذه المؤسسات وفي مصيرها التاريخي. فالمستقبل، في نهاية المطاف، ليس مجرد امتداد للحاضر، بل هو نتيجة للطريقة التي يختار بها المجتمع أن يفهم بها تاريخه وأن يتخيل بها إمكاناته القادمة.
17 مارس 2026
د. صلاح احمد الحبو
habobsalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم