دكتور الوليد آدم مادبو
ثلاثة عقود من العزلة الدولية، والعقوبات، والحصار الاقتصادي، والقرارات الأممية، لم تكن كافية لاقتلاع نظام الإنقاذ من السودان. ثلاثون عامًا ظل خلالها نظام أيديولوجي مغلق، شديد القسوة في الداخل ومحاصرًا في الخارج، قادرًا على المناورة وإعادة إنتاج نفسه، إلى أن أسقطته في النهاية انتفاضة شعبية.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يزال يطارد السودانيين: كيف استطاع نظام بهذا السجل أن يعيش كل هذه السنوات تحت أعين المجتمع الدولي؟ ليست الإجابة في براعة النظام وحدها، وإنما أيضًا في عطب أعمق داخل المنظومة التي كان يفترض أن تضغط عليه. فحين تتراخى آليات المساءلة، ويتحول الحياد إلى بيروقراطية، وتتحول البيروقراطية إلى فساد، لا يعود المجتمع الدولي جزءًا من الحل بالضرورة؛ وقد يصبح، من حيث لا يقصد، جزءًا من المشكلة.
كان سجل الإنقاذ معروفًا. مذكرة توقيف المحكمة الجنائية الدولية بحق عمر البشير تضمنت اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية والإبادة الجماعية في دارفور، كما وثقت هيومن رايتس ووتش اتهامات باستخدام أسلحة كيميائية في جبل مرة، فضلًا عن استضافة الخرطوم لأسامة بن لادن بين 1991 و1996. ومع ذلك لم يتحول هذا السجل إلى ضغط دولي متماسك قادر على إنهاء النظام.
وهنا لا يعود السؤال: هل كان العالم يعرف؟ بل: ماذا فعل العالم بما كان يعرفه؟
الفساد داخل المؤسسات الدولية ليس ظاهرة سودانية، ولا اتهامًا يمكن تعميمه على الأمم المتحدة، لكنه خطر مؤسسي موثق. فقد كشفت فضيحة «النفط مقابل الغذاء» في العراق عن إخفاقات جسيمة في الإدارة والرقابة وتضارب المصالح داخل منظومة أممية كان يفترض أن تكون نموذجًا للنزاهة.
والمشكلة في ملفات النزاع أن الفساد لا يبدد المال فقط؛ إنه قد يبدد الزمن. موظف يتغاضى عن انتهاك، أو مسؤول يساوم على موقف، أو مؤسسة تؤجل المساءلة، قد يمنح نظامًا أو طرفًا مسلحًا أشهرًا وسنوات إضافية لإعادة ترتيب صفوفه. وفي الحروب، الزمن ليس فراغًا محايدًا: طرف يستثمره في تعزيز قوته، بينما يدفع المدنيون ثمنه من أرواحهم وبيوتهم ومستقبلهم. لذلك تصبح مساءلة العاملين في ملفات النزاع جزءًا من حماية الشعوب نفسها، لا مجرد شأن إداري داخلي.
في هذا السياق تكتسب نهاية مهمة رمطان لعمامرة دلالتها. فقد شغل منصب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان منذ نوفمبر 2023، قبل أن يخلفه بيكا هافيستو في فبراير 2026. وخلال مهمته تعرض لعمامرة لانتقادات سودانية حادة، بلغت حد توقيع أكثر من مئة شخصية سودانية مذكرة تطالب بإبعاده وتتهمه بالانحياز إلى المكون العسكري، بينما دافعت عنه قوى وشخصيات سودانية أخرى.
ليس المقصود إثبات هذه الاتهامات؛ فالخلاف السياسي لا يساوي دليلًا، ولم تثبت الأمم المتحدة رسميًا تلك المزاعم. لكن الواقعة تطرح سؤالًا أوسع: كيف تُختبر حيادية المبعوث الدولي؟ ومن يراجع أداءه؟ ومتى تصبح الاعتراضات المتكررة سببًا لإعادة التقييم؟
لذلك لا ينبغي أن تتحول نهاية عهد لعمامرة إلى محاكمة لشخصه، بل إلى مراجعة للمنظومة التي تختار المبعوثين وتراقب أداءهم وتتعامل مع تضارب المصالح المحتمل. فالمشكلة ليست في اسم المبعوث وحده، وإنما في بنية تمنحه نفوذًا واسعًا دون أن تكون آليات مساءلته بالوضوح نفسه.
غير أن عطب الوساطة أعمق من مسألة الأشخاص. فالمجتمع الدولي كثيرًا ما ينظر إلى السودان من نافذة الخرطوم، وإلى الخرطوم من خلال نخبة سياسية وحضرية محدودة، ثم يتعامل مع هذه النخبة بوصفها المدخل الطبيعي لفهم البلد. وهنا تكمن إحدى مشكلات السياسة الدولية في السودان: اختزال البلد في مركزه.
فدارفور وكردفان والنيل الأزرق والشرق والريف الممتد ليست هوامش إنسانية للحرب، بل مكونات أساسية للسودان نفسه. ومع ذلك تكون أصواتها غالبًا أضعف حضورًا على طاولات التفاوض من أصوات النخب التي تملك شبكات العلاقات واللغة الدبلوماسية والقدرة على الوصول إلى غرف القرار.
وهكذا يصبح الأكثر قدرة على تمثيل نفسه هو الأكثر قدرة على تمثيل السودان، حتى لو لم يكن الأكثر عددًا ولا الأكثر تضررًا. وهذا ليس مجرد خطأ تقني؛ إنه يعيد إنتاج الاختلال التاريخي الذي صنع هشاشة الدولة نفسها: مركز متضخم النفوذ يتحدث باسم أطراف جرى تهميشها سياسيًا وثقافيًا واقتصاديًا لعقود.
والأخطر أن بعض النخب المستفيدة من الوضع التاريخي قد لا تريد عودة النظام القديم بصورته الكاملة، لكنها لا تريد أيضًا تحولًا يعيد توزيع السلطة والثروة والتمثيل بصورة جذرية. وقد يكون التغيير الذي ينهي الحرب دون أن يمس بنية الامتياز أكثر راحة من تغيير يعيد تعريف الدولة نفسها.
وهنا يصبح الإبقاء على الوضع القائم، ولو في صورة تسوية مؤقتة، مصلحة مشتركة لأطراف مختلفة: محلية تخشى فقدان امتيازاتها، ودولية تفضل التعامل مع وجوه مألوفة، ووسطاء يجدون في إدارة الأزمة وظيفة أسهل من إعادة بناء الدولة. فتتوالى المبادرات، وتتبدل الأسماء، بينما تبقى البنية التي أنتجت الأزمة في مكانها.
لهذا لا تكفي نهاية مهمة لعمامرة، كما لا يكفي تعيين مبعوث جديد. السودان يحتاج إلى وساطة أكثر شفافية، لا تكتفي بإعلان الحياد وإنما تملك آليات لاختباره ومراجعته، وإلى تمثيل يتجاوز الخرطوم والنخب التقليدية إلى المجتمع الذي يدفع الثمن الحقيقي للحرب.
ويحتاج، قبل ذلك كله، إلى مساءلة جادة للعاملين في ملفات النزاع؛ لأن الخطأ في هذه الملفات لا يساوي خطأً إداريًا عابرًا، بل قد يعني سنوات إضافية من الحرب. فالوقت الذي يضيع في البيروقراطية أو الفساد ليس وقتًا محايدًا؛ إنه وقت تستثمره أطراف النزاع في تعزيز مواقعها، بينما يدفع المدنيون ثمنه من حياتهم.
لقد كان العالم يعرف الكثير عن نظام الإنقاذ قبل سقوطه، ومع ذلك احتاج السودانيون إلى ثلاثين عامًا وإلى انتفاضة شعبية كي ينتهي حكمه. لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق أي مبادرة جديدة ليس: من هو المبعوث القادم؟ بل: هل تغيرت الطريقة التي جعلت المبعوث السابق، ومن سبقه، يعملون داخل المنظومة نفسها؟
فإذا تغيرت الأسماء وبقيت الآليات، فلن تكون نهاية عهد، وإنما مجرد بداية فصل جديد من الأزمة. أما إذا أصبحت نهاية مهمة لعمامرة فرصة لمراجعة طريقة اختيار الوسطاء، ومحاسبتهم، وفهمهم للسودان، وتوسيع دائرة من يُسمع صوتهم، فقد تتحول من مجرد تغيير إداري إلى بداية تصحيح حقيقي.
فالسودانيون لا يحتاجون إلى مزيد من الوسطاء بقدر ما يحتاجون إلى منظومة دولية تعرف أن الوساطة ليست إدارةً للأزمة إلى ما لا نهاية، وأن الحياد لا يعني غض الطرف عن الاختلال، وأن الوقت الذي تستهلكه البيروقراطية الدولية ليس وقتًا ضائعًا على الورق فحسب؛ إنه أعمار تُقتطع من شعب أنهكته الحرب. وحين تصبح الوساطة نفسها جزءًا من المشكلة، فإن إصلاح منظومة الوساطة يصبح جزءًا من صناعة السلام.
auwaab@gmail.com
