هذه هي شركة سكر كنانة التي نعرفها ! .. بقلم: محمد عبد الرحمن الناير (بوتشر)
لقد قرأت هذا التقرير المؤلم أكثر من مرة ، بدموع تخالجها الحسرة والألم علي الحال الذي وصلت إليه مدينتنا كنانة ، التي شهدت جزءًا من طفولتنا وكل شبابنا ، وطوال الفترة من عام ١٩٨٦ إلي ٢٠٠٦م لم أغادرها إلا في الإجازات وقضاء الخدمة الإلزامية والدراسة الجامعية.
تأسست شركة سكر كنانة في عام ١٩٧٥ في مساحة زراعية تقدر ب ١٦٨ ألف فدان ، وهي تقع في الإقليم الأوسط ( سابقاً) وولاية النيل الأبيض حالياً في الضفة الشرقية للنيل الأبيض ، بالقرب من مدينة ربك ، وتبعد من العاصمة الخرطوم حوالي ٢٥٠ كيلومتر ، وتنتج بجانب سكر القصب بأنواعه، الأعلاف، عسل القصب، والإيثانول، المولاص ، بجانب إمتلاكها مزارع للدواجن وأبقار اللحوم والألبان والمنتجات الزراعية من خضر وفواكه وأخشاب وأشجار زينة وغيرها.
كانت نقابة العاملين بكنانة من أقوي النقابات بالسودان ، التى لم تتخلي عن المطالبة بإنصاف العاملين بالشركة وزيادة رواتبهم وحوافزهم وترقياتهم ، وكانت الملاذ والحارس الأمين لحقوق العاملين والمعبر عن تطلعاتهم ، قبل أن يتبدل الحال بعد إنقلاب الجبهة الإسلامية في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ الذي عمل علي تمكين محسوبيه في مفاصل الشركة، ومع ذلك إلا إنهم لم يستطعوا إحداث تغييرات كبيرة في نمط إدارة الشركة وحقوق العاملين ، من جهة أن الإدارة العليا للشركة كانت من الجهات المساهمة في إنشاء الشركة والتي لها النصيب الأكبر من رأسمال الشركة وإدارتها ، لذا كانت الإدارة العليا من الخليجيين، ولكن إنفرط العقد بعد أن آلت الشركة إلي حكومة السودان وفقاً لتعاقدات الشركاء.
إن مدينة كنانة كانت سودان مصغر، لا تعرف الأصل الجغرافي أو العرقي ، وليس هنالك تمييز بين الناس علي أي أساس من الأسس ، (كل الناس صحاب وكل الناس أهل)، إبن المدير والخفير كلاهما يدرسان في مدرسة واحدة وفصل واحد ، والحي الذي تسكن فيه يضم كل الأقوام السوادانية شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، فالمزاج العام والشخصية (الكنانية) شخصية مرحة محبة للحياة والناس ، عنوانها التسامح والتصالح مع الذات قبل الآخر المختلف ، وكان زملاؤنا من الطلاب المسيحيين كانوا يحضرون معنا حصص التربية الإسلامية بإرادتهم وإختيارهم ، وأذكر أن صديقي جمعة بول دينق تور كان يمتحن مادة التربية الإسلامية ويحرز درجات أعلي من كثير من الطلاب المسلمين ، وكنا كذلك نحضر حصص التربية المسيحية بل كنت أذهب لأداء صلوات الأحد وأستمتع بالترانيم في كنيسة (كمبو ٤) مع دفعتي وصديقي ألبرت فاولينو الذي كان والده قسيساً بالكنيسة ، وصديقي ألبرت هذا هو الذي أطلق علي لقب (الجزار) عندما كنا في الصف الثالث الإبتدائي ومثّلت آنذاك دور الجزار (بإجادة) في مسرحية ( الجزار واللصوص) ، وبعد دخولنا المرحلة المتوسطة ومعرفتنا لأبجديات اللغة الإنجليزية تحول اللقب إلي ( بوتشر) وصار ملازماً لي حتي الآن.
كلهن في الثري دوافع خير
إن هذه البيئة المتسامحة والمتصالحة التي نشأنا فيها ، هي التي أنجبتنا ونعتز بها أيما إعتزاز ، وكان مجتمع كنانة لا يحفل بالقبلية والجهوية ، وفي طفولتنا لا نعرف قبائل وجهويات زملائنا في المدرسة أو جيراننا في الحي ولا تهم هذه المسائل كثيراً في تعاملك مع الآخر ، فالجميع كانوا أبناء شركة سكر كنانة، ويعرفون أنفسهم بها.
أنقذوا كنانة قبل أن تصبح مأساة أخري تضاف إلي مآسي الوطن المنكوب.
محمد عبد الرحمن الناير ( بوتشر)
لا توجد تعليقات
