هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (6)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام

1 سبتمبر 2025
سردية “تهافت الهاربين”

الحلقة السادسة

هنا أرقين Argin حيث لا فيديوهات و لا هم يحزنون

وصل بصنا “أرقين” حوالي التاسعة أو العاشرة صباحا و نحن دائخين متعبين، متورمي أسفل الساقين و الأقدام و شبه جائعين . عند نزولنا من البص كانت هناك “قوافل” مكتملة من البصات في طابور طويل و خلق كثيرانتشروا في المساحات الخالية. كان كل من نزل يبحث أولا عن الحمامات؛ نساء و رجالا ، شيبا و شبابا و أطفالا. و لكن أين الحمامات؟! لا لافتة أو سهم أو كتابة أو أي شيء!!.
إتجهت وحدي إلي الأكشاك التي تعرض البسكويت و عصائر و ماشابه، و أخري تبيع السجائر و التبغ البلدي “التمباك”. كانت الأكشاك في طرف الساحة المقابلة لطابور البصات. سألت أحد الباعة عن الحمامات فأشار إلي جهة في الخلف بعيدة عن الأكشاك. قال دون مقدمات بما يعني أننا محظوظون لأن الزحام خف كثيرا قياسا بالأيام الأولي للنزوح؛ أي الثلاثة أسابيع الفائتة من بداية الحرب.

  • قدامي هني وقعوا أربعة أو خمسة – شيّاب و مرتين – ماتوا أول ما نزلوا من الباصات….
    ياللهول!! الموضوع دخل الكير “الغريق” إذن، كما اعتاد أهلنا الطيبون القول ….
    صهري “محمد” مر من هنا قبل وفاته في أحد فنادق القاهرة التي قضي فيها ليلة واحدة. قالوا أنه أمضي يوما أو يومين في زحمة أرقين، قبل أن يعبر و يرتاح في فندق في أسوان و منها بالقطار إلي أم الدنيا.
    غادرت منطقة الأكشاك و مشيت في لهيب الشمس المحرقة بحثا عن الحمامات. كان شخص يرتدي تي شيرت و بنطلون واقفا تحت بناية من الزنك و هناك في الخلاء بدت الحمامات علي الطريقة القديمة، مثل ما هي في مدارس البلدات و القري (عادة في الطرف البعيد من حوش المدرسة). في الخلاء في مواجهة الحمامات تجمعت أعداد من السيدات كبيرات السن يقمن بصب الماء من أكواز و أباريق علي الأطفال نصف العراة في وهج الشمس و ذلك بعد خروجهم من الحمامات، فآثرت الانتظار في الظل جوار ذلك الشخص ريثما تخلو الباحة من النسوة و الأطفال.
    لم ألحظ إن كانت الحمامات مقسمة إلي نساء و رجال … و أخبرني الشخص الواقف بجواري بالرسوم المتعين دفعها قبل دخول الحمام، وهو يستل دفتر التذاكر من جيبه.
    كانت الحمامات معقولة، نظيفة نوعا و يبدو أن هناك من يتعهدها بالغسل.
    و عند أكشاك الطعام كانت كالعادة الطعمية و العدس و ربما فول …و لا شيء آخر .. و الباعة يفترشون الأرض و يقلون الطعمية في الهواء الطلق وسط الغبار و الهجير…
    هل غادرنا المرحلة “البوهيمية” من النزوح؟ شخصيا أرى إننا مازلنا في وسطها …شهر و بالأكثر شهرين و نعود إلي بيوتنا و حياتنا الأولي…في أمدرمان القديمة.

و هل “التهافت” و السذاجة مترابطان؟
تشيرالحكمة الصينية القديمة زمن طيب الذكر “كونفوشيوس” Confucius إلي حكاية المزارع الصيني و حصانه الذي هرب؛ فقال جاره يا لسوء حظك! فأجاب المزارع: جايز! و في اليوم التالي عاد الحصان و برفقته ثلاثة أحصنة برية، فاستعجب الجار: ياله من حظ طيب و مدهش! فقال المزارع: يمكن! و في اليوم التالث حاول إبن المزارع ركوب أحد الأحصنة البرية فكسر رجله فهتف الجار: ماهذا الحظ التعيس؟ فقال المزارع مرة أخري: جايز تعيس! و بعد وقت وجيز اقتحم القرية عسكر السلطة بحثا عن الشباب لتجنيدهم للحرب، غير أن الإبن أعفي بسبب رجله المكسورة … فهنأ الجار الساذج المزارع الصبور غير المتسرع …. و هكذا تستمر الحكاية….
أقول و يكل صدق أن هروبنا المتسرع من أمدرمان كان خليطا من الإثنين التسرع أو التهافت و كذلك السذاجة المرتبطة بأنه و حتي لو قامت حرب بين جنرالين في العاصمة، فليست المسالة في بال كثيرين مسألة كبيرة .. لماذا؟؟ … لأننا مختلفون و لانشبه الشعوب الأخرى التي دمرت نفسها وبلادها في الحروب الأهلية. “بووو…”! كما يجعر مشجعوا الكرة الإنجليز….
نحن من طينة أخري…
نعود إلي أرقين و نسأل عن الفيديوهات التي ملأت الوسائط و القليل من القنوات عن النازحين.. رأينا فيديوهات عن من نزحوا لتشاد و قصصا … و لا شيئ عن أرقين، و قبلها لا شيء عن من نزحوا لشندي و أتبرا و مدني و كسلا و و بورسودان! … فقد عانوا كثيرا و لم يرو قصتهم أحد سوي كتابات قليلة، أما فيديوهات تعكس التكدس في بيوت أقربائهم، أو تعرضهم للابتزاز في ايجارات و غرف و حتي مطابخ من لا يعرفونهم ، فلا شيء … في القنوات العربية و القنوات الأوروبية و الأميريكية الناطقة بالعربية تجد فيديوهات عشوائية و أحيانا قديمة من حرب الجنوب و بعد ذلك تنتقي كلها صور بانورامية عن دخاخين أوائل أيام الحرب، أوعلي فيديو واحد قديم لا علاقة له بالحرب الحالية لأم و أطفالها حول قصعة من الطعام…. و من إثنيات معينة….
أعلم أن في بعض تلك القنوات يوجد بعض السودانيين قد يسألهم المعدون و المخرجون عن الفيديوهات التي يجوز عرضها و التي لا يجوز عرضها … و هنا أشك بعض الشك أن جزء من هولاء العاملين بتلك القنوات يعملون بطريقة (هذا لا ينطبق علينا – نحن مختلفون).
و ربما يتضح هذا بصورة أشمل في الفيديوهات المتداولة في الميديا لأنها تتجنب الوجوه العادية لما بات يسمي بعد اندلاع الحرب بـــ “سكان الشريط النيلي” أو من يماثلهم .. و يبدو ذلك بشكل جلي لا يخفي علي المدقق في صور و فيديوهات تكايا الطعام و جرادل المياه الفارغة لاحقا في أمدرمان تحديدا … فقد يجري اختيار اللقطة أو الكادر إما من قبل المصور أو قد يخضع لمونتاج لاحق … إذ تجد أن وجوه الشريط النيلي تمر بسرعة و تغبيش، بينما يجري التركيز علي الإثنيات السودانية الأخرى بلقطات مطولة و تركيز أكثر علي الملامح و نوع التوب و طريقة لبسه بالنسبة للعنصر النسائي ….
باختصار … إنتفاء الرغبة المخفية في الفيديوهات إياها … في عرض صورة السوداني أو السودانية المثالية أو الـــ perfect …. و كأنها توحي بأن من يتعرضون للنزوح البشع أو الجوع أو وجبات الطعام “الوضيعة” تلك، إن جاز التعبير، كما في تكايا الطعام أو جرادل الماء المرصوصة هم ليسوا السودانيين المعنيين، بل نوعية أخرى جري تصنيفها منذ أمد بعيد من زاوية إثنية …و يعرف هذا بقولبة المشهد (scene molding).
نفس الشئ في أرقين … لا فيديوهات عن تكدس عشرات إن لم يكن مئات الآلاف في الأشهر الأولي من الحرب و جلهم من العاصمة المثلثة …. بل صور بانورامية لبصات، دون لقطات مقربة للوجوه closeups … ربما تأكيدا لما ذكر أعلاه …كأنما الغرض المخفي هو الإيحاء أن الهاربين أو النازحين هم من طينة أخري غير “نموذجية”…..
و أتساءل مخلصا … هل يتبع الذين يبثون و يمنتجون تلك الفيديوهات مقولة سمكة “الرنجة الحمراء” المرئية ؟!! و هي نوع من “الفسيخ المملح” قوي الرائحة… كان يستعمله الإنجليز قديما في صيد الأرانب بهدف صرف نظر و شم الكلاب عن بعض الطرائد و تركيزها علي نوعية معينة منها….

موناليزا “العالم الثالث”
هنا برقت في ذاكرتي صورة الفتاة الأفغانية علي غلاف مجلة “ناشونال جيوغرافيك” الأميريكية في الثمانينات، و كان اللافت أن الفتاة ذات عيون خضر مشعّة. و التقطت الصورة في معسكر لجوء في باكستان. وسماها بعضهم “صورة مؤدلجة” لأن ذلك تم بعد الغزو السوفيتي لأفغانستان ذروة الحرب الباردة. لأن المستهدف هو الجمهور الغربي، و كأن عيون الفتاة تقول: أنا مثلكم، حدّقوا في عيوني، إنها ملونة، بل خضراء تماما؛ مثل عيون فتياتكم الصغيرات…..
و الأغرب أن صورة الفتاة الأفغانية تلك وصفها آخرون بــــ “موناليزا العالم الثالث” !!!
لا أعتقد و لا أظن أن تلك الفيديوهات السودانية المذكورة آنفا عن تكايا الطعام و جرادل الماء، أو عن إنتفاء أية فيديوهات حقيقية في الوسائط عن الزحام و التكدس في أرقين، و موت بعض كبار السن، علي سبيل المثال، أقول … لا أظنها تتبع أو تحاكي مدارس الإعلام الأميريكي أو العالمي في الأعم، ولكنها ربما تأتمر لغرف مخابراتية بائسة و متخلفة لنفوس مازالت عند بنية العقل القروسطي القديم…
تكدسنا بعد ذلك حول شبابيك تأشيرة الخروج و من حظنا أن موظفي الجوازات فرغوا لتوهم من فسحة فطورهم و كان الوقت ما بعد منتصف النهار…. و لم نعد لبصاتنا طبعا و فضلنا التسكع تحت الظلال الشحيحة للمباني أو الأكشاك ريثما نعبر نحو الجانب المصري من الجوازات …
و حالفنا الحظ و كنا و زوجتي ضمن المسموح لهم دخول مصر من الفئة العمرية فوق الخمسين .. و أقل من 18 للجنسين… و ختمنا جوازات سفرنا بعد وقوف طويل و مرهق، ثم انتظرنا بصنا الذي كان يزحف في الطابور بعيدا خلفنا …. و انتهزنا الفرصة و اتجهنا للحمامات في الجانب المصري، التي كانت لدهشتنا نظيفة و مرتبة وبها أحواض لغسل الوجوه و الأيدي …
و لم يظهر بصنا إلا بعد أن هبط الليل … و كانت العائلة السورية حاضرة و بدا عليهم الفرح لعبورهم الحدود جميعا … غير أنه لم يتحرك و ظل واقفا في الساحة الحدودية … و السبب أننا سنركب بصا مصريا، و طلبوا منا جر حقائبنا عبر الحدود .. ولم تكن المسافة بعيدة و صعدنا البص المصري و كانت الساعة حوالي العاشرة مساء… و لكنه لم يتحرك و ظهر السائق المصري الشاب خارج البص و شلة من الركاب تتحدث معه …. و يبدو أن هناك مشكلة في نصيبه من المشوار إلي القاهرة … و انقسم الركاب و أصر كثيرون أن الذنب ذنب الشركة في بورسودان و السائق السوداني الذي اختفى … و بعد نقاشات طويلة اتفق الجميع علي دفع جزء من المبلغ من كل راكب … جمعوه و دفعوه للسائق … و عندما تحركنا كان الوقت قريبا من منتصف الليل …
ياللخيبات…
و الخيبة ألأخري الأخفّ: إنني لن أشاهد بحيرة النوبة، ولو من بعيد، و الدنيا ليل حيث، في الماضي طبعا، كانت البواخر التاريخية العظيمة كتلة و مظهرا و فخامة: الزهرة و الجلاء و عطارد “تمخر أمواجها” …… و لكن ما بيد النازح “البوهيمي”، الذي لايزال، حيلة ما …..

……يتبع

fattah71@gmail.com

عن عبدالفتاح عبدالسلام

عبدالفتاح عبدالسلام

شاهد أيضاً

هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (11)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*12 ديسمبر 2025 سردية “تهافت الهاربين” الحلقة الحادية عشرة • ” الدنيا كدا …