الراوي ليس الكاتب… لكنه ليس غريبًا عنه
في السرد، هناك فرق دقيق بين:
• الكاتب الحقيقي (الإنسان الذي يعيش ويكتب)
• الراوي (الصوت الذي يحكي داخل النص)
الراوي كائن نصي، يُصنع كما تُصنع الشخصيات. لكن من الذي صنعه؟ الكاتب.
إذن فالكاتب لا يختفي، بل يتخفّى. هو الذي يختار زاوية الرؤية، ويحدد ما يُقال وما يُخفى، ويقرر متى يتكلم الراوي ومتى يصمت. حتى في أكثر النصوص موضوعية، حيث يبدو الراوي محايدًا، يظل هناك عقل خفي يحرّك الخيوط.
هل يجب أن ينفصل الكاتب عن نفسه؟
حين تقول إنك “تنفصل كليًا عمّا حولك وتصبح صاحب القصة”، فهذا توصيف دقيق للحظة الكتابة. الكاتب الجيد لا يكتب من الخارج، بل يدخل العالم السردي ويعيشه.
لكنه في الوقت نفسه لا يذوب فيه تمامًا.
لو ذاب بالكامل، لفقد السيطرة على البناء.
عليه ومن هنا تظهر الحرفة، من حيث المبدأ علينا أن تعيش داخل القصة، لكن بعين ترى البناء من الخارج. وبمعنى آخر، هو أن تكون انت الممثل والمخرج في آنٍ واحد.
هنا نسأل، هل يمكن ان نقول ان القاص هو المحرك الأساسي للشخصيات؟
والإجابة مباشرة، نعم ، لكنه ليس ديكتاتورًا. فالكاتب هو الذي يصنع الشخصيات، لكنه إن كان صادقًا معها،فسوف يكتشف تماماً أن شخصياته تلك سوف تبدأ في فرض منطقها الداخلي عليه. عليه فان الشخصية الجيدة لا تتحرك وفق رغبة الكاتب فقط، بل وفق بنيتها النفسية والسياقية.
من ناحية اخرى فانك إذا أجبرتَ شخصية على فعل لا يناسب تكوينها، سيفقد النص صدقه.
وهنا ياعزيزي الكاتب يجب عليك ان تأتي فكرتك المهمة التي يجب عليك ادراكها :
وهى ان الكاتب يبني ويهدم، نعم، لكن داخل حدود منطق العالم الذي شيده.
ثم هناك الالتزام بأصول الكتابة المحكية:
ونحن بلا شك وحين نتحدث عن “أصول الكتابة المحكية”، فنحن لا نتحدث عن قوانين جامدة، بل نشير إلى الآتي :
• اتساق الصوت السردي
• وضوح زاوية الرؤية
• احترام منطق الزمن
• صدق الحوار
• الانضباط في البناء
علينا ان نعلم جيداً بان الراوي ليس مساحة للفوضى. بل هو أداة دقيقة جدًا، وأي خلل في موقعه يربك النص كله. كما يجب الإشارة إلى ان الراوي العليم مثلًا يمنح اتساعًا، لكنه قد يقتل الغموض إن أفرط في الشرح. والراوي بضمير المتكلم يمنح قربًا لكنه يقيّد المعرفة بحدود تجربته. وعليه فإن اختيار الراوي ليس مسألة تقنية فقط، بل قرار فلسفي:
والسؤال المهم هنا كيف تريد للقارئ أن يرى العالم؟
حضور الكاتب في القصة القصيرة تحديدًا
وأنا ككاتب قصة قصيرة — وهذا مهم — فان حضوري يكون أكثر كثافة. ويجب ان نعرف بان القصة القصيرة لا تحتمل الترهل، ولا تعدد الأصوات الطويل. كما يجب القول ان كل كلمة فيها محسوبة.
لذلك تظهر “بصمتك” سريعًا:
في الإيقاع، وفي النهاية المفتوحة (وأعرف أنك تميل إليها)، ثم في المسافة بين الراوي والشخصيات. أحيانًا لا نرى الكاتب، لكن حتماً نشعر به كحرارة تحت السطح.
والخلاصة يمكن صياغتها هكذا:
الكاتب موجود في كل عمل يكتبه، لا بوصفه شخصية ظاهرة، بل بوصفه العقل المنظِّم للعالم السردي. هو المحرك الأساسي، لكنه ليس حرًا مطلقًا؛ بل مقيّد بمنطق الفن، وبأصول السرد، وبالصدق الداخلي للنص. في الختام ،الراوي أداة…لكن اليد التي تمسك به..
عثمان يوسف خليل
osmanyousif1@icloud.com
