محمد عبدالله
لم يعد تصعيد الحرب في السودان مجرد سباق عسكري للسيطرة على الأرض، بل يبدو أنه يتجه، على نحو متزايد، إلى إعادة تشكيل موازين القوة تمهيداً لفرض تسوية سياسية تتجاوز حسابات الطرفين المتحاربين. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل يمهّد الغرب لإنتاج سلطة سودانية على مقاس ترتيبات دولية جاهزة، يكون على رأسها بريمر جديد أو كرزاي سوداني، أم أن ما يجري ليس سوى تصعيد محسوب لإجبار الجيش والدعم السريع على الجلوس إلى طاولة التفاوض بشروط جديدة؟
ما شهدته الأيام الأخيرة من تصعيد في حرب المسيّرات يفتح الباب أمام هذه التساؤلات. فقد اتسعت دائرة استهداف محطات الكهرباء والمنشآت الحيوية في مناطق سيطرة الجيش، حتى تجاوز عدد المحطات المستهدفة خمس عشرة محطة، وفق تقارير صحفية وحقوقية نشرت مطلع نوفمبر الجاري. ولم تعد الأضرار محصورة في انقطاع التيار الكهربائي، بل امتدت إلى المستشفيات ومحطات المياه والمخابز والخدمات الأساسية.
ومن الصعب النظر إلى هذه الهجمات باعتبارها مجرد عمليات عسكرية معزولة ، فهي تحمل أبعاداً سياسية ونفسية واضحة. إن ضرب البنية التحتية في المناطق الخاضعة للجيش يضعف صورة السلطة القائمة، ويكشف عجزها عن حماية المواطنين وتأمين الخدمات في مناطق تقول إنها تسيطر عليها. وبذلك يصبح استهداف محطة الكهرباء، في حسابات الحرب، أكثر من مجرد تدمير لمنشأة خدمية؛ إنه استهداف لهيبة السلطة وقدرتها على الحكم.
لكن السؤال الأكثر أهمية يتعلق بمصدر هذه القدرة على تنفيذ هجمات متتابعة ومتباعدة جغرافياً، وبالشبكات التي توفر للمسيّرات تقنياتها ومعلوماتها وإمداداتها. لقد اتهمت الحكومة السودانية إثيوبيا بتسهيل انطلاق بعض الهجمات من أراضيها، كما وجهت اتهامات إلى أطراف إقليمية بتقديم الدعم العسكري للدعم السريع، وهي اتهامات يقابلها نفى من الأطراف المعنية. غير أن إثبات هذه الاتهامات شيء، والبحث في طبيعة البيئة الدولية التي تسمح باستمرار تدفق السلاح والتكنولوجيا إلى أطراف الحرب شيء آخر. أما القول إن الغرب منح ضوءاً أخضر لهذه العمليات، فيظل فرضية سياسية تحتاج إلى أدلة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة ثابتة.
ومع ذلك، فإن قراءة المشهد من زاوية أوسع تقود إلى احتمال آخر: ربما لا يكون المطلوب انتصار أحد الطرفين، بقدر ما يكون المطلوب استنزاف الاثنين، وإضعاف قدرتهما على فرض شروطهما منفردين. فكما يمكن أن تؤدي الضربات المتكررة إلى إظهار قيادة الجيش عاجزة عن حماية المناطق الخاضعة لها، فإن استعادة الجيش لبعض المدن والمواقع الاستراتيجية يمكن أن تكشف بدورها هشاشة الدعم السريع، وعدم قدرته على الاحتفاظ بكل المناطق التي سيطر عليها.
وفي الحالتين، تتآكل شرعية القوة المسلحة بوصفها طريقاً للحكم، ويصبح الطرفان أكثر استعداداً للقبول بتسوية لم يكن أي منهما مستعداً لقبولها في ظروف أفضل.
وهنا تبرز مسألة ما بعد الحرب. فمنذ طرح المجموعة الرباعية، التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، خريطة طريق في سبتمبر 2025، تتضمن هدنة إنسانية يعقبها وقف دائم لإطلاق النار وانتقال مدته تسعة أشهر إلى حكم مدني، لم تعد المفاوضات محصورة في وقف القتال، بل أصبحت تتصل أيضاً بشكل السلطة التي ستدير السودان في المرحلة المقبلة. كما دخلت الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية والإيقاد في مشاورات حول العملية السياسية.
وهذا يعيدنا إلى تجربتين لا يمكن تجاهلهما عند الحديث عن مستقبل السودان: تجربة بول بريمر في العراق، حين تولت سلطة الاحتلال إدارة البلاد وإعادة تشكيل مؤسساتها، وتجربة حامد كرزاي في أفغانستان، حين أُسندت قيادة المرحلة الانتقالية إلى شخصية أفغانية بدعم دولي واسع.
والفارق بين النموذجين جوهري؛ فبريمر مثّل إدارة أجنبية مباشرة، بينما مثّل كرزاي واجهة حكم محلية قامت في ظل رعاية ونفوذ دوليين. فهل يكون السودان أمام نموذج ثالث يجمع بين التدخل الخارجي المباشر، وإنتاج قيادة سودانية تحظى بالقبول الدولي، بصرف النظر عن مدى تمثيلها الحقيقي لإرادة السودانيين؟
ليس من الضروري أن يكون الغرب قد حسم اختياره بعد، وربما لا تكون هناك خطة واحدة متفق عليها بين جميع القوى الدولية والإقليمية. لكن المؤكد أن مستقبل السودان بات مطروحاً بقوة على طاولات تتجاوز حدود الخرطوم، وأن الخطر الحقيقي يكمن في أن تتحول التسوية من وسيلة لإنهاء الحرب إلى مدخل لإعادة تشكيل الدولة من خارج إرادة شعبها.
فالسودان لا يحتاج إلى بريمر جديد، ولا إلى كرزاي بملامح سودانية، وإنما إلى مشروع وطني يستعيد الدولة من قبضة العسكر والمليشيات، ويؤسس لحكم مدني ديمقراطي يستمد شرعيته من السودانيين أنفسهم.
هل نحن أمام محاولة لإجبار طرفي الحرب على التفاوض، أم أمام عملية أوسع لإعداد المسرح السياسي لما بعد الحرب؟ ربما تحمل مقبلات الأيام الإجابة، وهي أيام حبلى بالمفاجآت، لكن ما ينبغي ألا يكون محل مساومة هو حق السودانيين في تقرير مستقبل بلادهم، لا أن يكونوا مجرد متفرجين على هندسة ذلك المستقبل نيابة عنهم.
