ليس النقاش الدائر اليوم حول تسوية ما بعد الحرب في السودان مجرد ترف فكري أو حوار عابر حول محاصصة المقاعد، بل هو محاولة وجودية لرسم خريطة طريق لدولة تآكلت معالمها تحت نيران المدفعية وتفككت مؤسساتها في غضون أشهر قليلة
إن المقترحات المطروحة حالياً، والتي تتضمن هيكلية معقدة تبدأ بمجلس سيادة بتمثيل نسبي وحكومة تنفيذية موسعة تضم تسعة وعشرين وزيراً، مرروراً بمجلس عسكري هجين وصولاً إلى منح حصانات للقيادات العسكرية مقابل انسحابها من المشهد، لا تمثل مجرد ترتيبات إجرائية، بل هي محاولة لانتزاع “سلام ضرورة” من مخالب حرب وجودية
ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري يطرح نفسه بقوة هل هذه الهندسة السياسية قادرة على ترميم الدولة السودانية، أم أنها مجرد صياغة جديدة لأزمات قديمة تم ترحيلها إلى المستقبل؟
تبدو هذه الهندسة في ظاهرها كعقد اجتماعي مؤقت يهدف بالأساس إلى إيقاف النزيف الدموي وإعادة تثبيت حد أدنى من الاستقرار المؤسسي، إلا أن تفكيك مكوناتها يكشف عن إشكاليات بنيوية عميقة
فالتوسع العددي في الحقائب الوزارية، وإن كان يعكس رغبة في استيعاب كافة الأطياف السياسية والإقليمية، فإنه يحمل في طياته خطر تحويل الحكومة من “آلة إنجاز” تكنوقراطية إلى “ساحة محاصصة” يفقد فيها الوزير استقلاله المهني ليصبح وكيلاً لمصالح حزبه أو جهته، مما قد يصيب الدولة بالشلل التام في لحظة تتطلب قرارات ثورية وحاسمة
يمتد هذا القلق ليشمل “المجلس العسكري الهجين”، وهو النموذج الذي يترك سؤال السيادة معلقاً؛ فالتجارب التاريخية أثبتت أن هذه المجالس غالباً ما تنهار عند أول اختبار حقيقي لفض النزاع ما لم تكن هناك حدود دستورية صارمة تمنع العسكر من ممارسة “فيتو” فعلي خلف واجهة مدنية هشة
وتبرز معضلة “الحصانة” كأحد أكثر الملفات شائكية في هذا المسار، فهي تمثل الثمن الباهظ الذي تفرضه الواقعية السياسية لفتح أبواب السلام المغلقة. وبينما يرى البراغماتيون في هذه الحصانات مخرجاً آمناً يضمن خروج القيادات العسكرية من المشهد، يصطدم هذا التوجه مباشرة بمبادئ العدالة الانتقالية التي يطالب بها الضحايا والشارع السوداني
إن تجاوز الانتهاكات الكبرى دون آليات حقيقية لكشف الحقيقة وجبر الضرر قد يحول هذه التسوية إلى قنبلة موقوتة، إذ إن الاستقرار المبني على الإفلات من العقاب يظل استقراراً مشروخاً يغذي ثقافة العنف مستقبلاً
إن هذا التضارب في الرؤى يعكس صراعاً أعمق حول “شكل الدولة” لا حول “من يحكم” فحسب
فالساحة السودانية اليوم منقسمة بين تيارات ثورية ترفض أي تسوية لا تفكك البنية الطبقية والسياسية الفاشلة للدولة، وقوى يسارية تخشى من خديعة النخب التي تلتف على القواعد الشعبية، في مقابل إسلاميين يتحركون ببراغماتية عالية لإعادة التموضع عبر الثغرات القانونية، وقوى براغماتية ترى في وقف الحرب غاية تبرر الوسيلة
وبدون بناء “كتلة حرجة” توازن بين هذه التناقضات، سيظل أي اتفاق معلقاً في الفراغ، يفتقر إلى الحاضنة الاجتماعية التي تحميه من الانهيار والارتهان للإرادات الخارجية
في نهاية المطاف، يجب أن ندرك أن تسوية ناقصة قد تكون أسوأ من اللا تسوية، لأنها تشرعن ترتيبات غير عادلة وتجمد الصراع بدلاً من حله إن تحويل الكيانات المسلحة إلى أحزاب سياسية دون معالجة جذور التهميش الاقتصادي وعسكرة الموارد يعني ببساطة استبدال البندقية ببطاقة حزبية مع بقاء العقلية القتالية كما هي!
إن السودان لا يحتاج فقط إلى حكومة بمحاصصة وزارية، بل يحتاج إلى “عقد تأسيسي جديد” يجيب بصدق على أسئلة توزيع الثروة، وعقيدة الجيش الواحد، والعدالة التي لا تستثني أحداً
وبدون ذلك، ستظل هذه الهندسة مجرد “استراحة محارب” تسبق جولة جديدة من الصراع، ربما تكون أكثر دموية من سابقتها.
zuhair.osman@aol.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم