ورقة بحثية عن: أهمية التعـاون الاقتصـادي بين السـودان ومصر بعد ثورة يناير. إعداد: عمر صديق البشير
من واقع ما اوردناه حول طبيعة العلاقات السودانية المصرية وتطوراتها التاريخية في مختلف العهود والازمان وصولا الي المرحلة الحالية التي بدأت بعد ثورة 25 يناير في مصر وقد تبين لنا (ان الثورة المصرية قد اعادت بناء الاولويات المصرية من جديد لاسيما علي صعيد السياسة والعلاقات الخارجية تجاه السودان بشكل اخص,ومن المجالات التي لها اهمية قصوى للتعاون الثنائي بين مصر والسودان الامن الغذائي حيث ان مصر تتمتع بقوي بشرية هائلة يمكن ان تستثمر في زراعة الاراضي السودانية الخصبة, ان السودان بموارده ومصر بمقدراتها وثقلها الدولي يمكن ان يشكلا قوة اقليمية بما يضمن لشعبيهما فرص التنمية والتطور ) [20]وخاصة ان اهمية مثل هذا التعاون الاقتصادي لم تجد حظها في الفترة السابقة للثورة المصرية (كما شكل عصر مبارك ردة فعلية عن الرؤية الإستراتيجية التي كانت تحكم نظرة المصريين إلى السودان وكان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وانطلاقاً من تفكيره ورؤيته القومية الثاقبة قد رسم ملامح المشروع القومي الذي يعطي مصر مكانتها اللائقة على المستويين الإقليمي والدولي حيث كان يرى أن مصر لديها ثلاث دوائر حضارية، الدائرة العربية والدائرة الأفريقية والدائرة الإسلامية [21] وليس هنالك اختلاف وسط المختصين والمهتمين حول مايجب ان يكون في مقدمة اهداف السياسة الخارجية للبلدين من ان (الدائرة العربية هي اهم دوائر انتماء البلدين وداخل هذه الدائرة تكمن مصالح البلدين القومية للمزايا الاستراتيجية التي اختصت بها الدول العربية من موقع استراتيجي فريد في ملتقي ثلاث قارات وثروة بترولية طائلة ووحدة دينية وثقافية وعرقية ومزايا اخري[22]) وهنالك ضرورة اخري تفرضها دوائر انتماء البلدين وتدعو الي مزيد توطيد العلاقات و ايلاء اهتمام اكبر للتعاون الاقتصادي بينهما تتمثل في ان (مصر والسودان دولتان افريقيتان تجمعهما بدول افريقيا مصالح حيوية وإستراتيجية في شتي المجالات اهمها المصالح المائية والاقتصادية والثقافية والعسكرية والسياسية, الامر الذي جعل امن البلدين يرتبط ارتباطا مباشرا بإفريقيا[23]) فضلا عن انتماءهما للعالم الاسلامي والجوار التاريخي في وادي النيل وهما يمثلان معا اكبر تجانس اقليمي و هنالك كثيرا من الدراسات المتخصصة في العلاقات الدولية تركز علي )التأكيد على الأهمية الحاسمة للعامل الجغرافى فى تحريك سياسات الدول، وقد شهد التاريخ زعماء سياسيين وعسكريين، آمنوا بهذه الحقيقة، وأحيانا تطرقوا فيها، مثل نابليون الذى ردد مقولة إن: الوضع الجغرافى هو الذى يملى السياسة وعلى الرغم من أن الثورة التكنولوجية المعاصرة، كان من ضمن آثارها تبديل كثير من المفاهيم والأوضاع، ومن بينها أهمية العامل الجغرافى، انطلاقا مما لحق بمعادلة القوة الدولية من تغيير إذ لم تعد عناصرها الرئيسية امتداد الأرض أو عدد السكان، فإنه على الرغم من ذلك، لم يزل العامل الجغرافى يلعب دورا هاما، خاصة وأن التقدم التكنولوجى البالغ، ما برح مقصورا على مجموعة محددة من الدول)[24]الصناعية الكبري ولكنها غير متاحة او متيسرة بالنسبة للدول النامية التي تضم مصر والسودان وبناء علي ما تقدم يتضح لنا ان العلاقة بينهما يجب (أن تقوم على أسس سياسية واقتصادية موضوعية، ولكنها للمفارقة علاقة تحكمها العقد النفسية التاريخية. ولهذا يأتي النقاش في كثير من الأحيان عاطفيا وانفعاليا، وبالتالي يتكرر ولا يحدث فيه أي نوع من التراكم والإضافة. ويعيد الطرفان الاتهامات المكرورة المتمثلة في: حساسية السودانيين وتعالي المصريين.)[25] رغم ان النظام الاقتصادي العلمي فيعصر العولمة الحالي يدعو الي التكتلات الاقتصادية والتعاون المشترك من اجل تحقيق التنمية الاقتصادية و (يتضح ان البلدين يمثلان معا قوة لا يستهان بها الامر الذي يقتضي توحيد سياستهما الخارجية وتوجيهها لتحقيق مصالحهما المشتركة دون وصاية من طرف علي حساب الطرف الاخر)[26]ولعل في ذلك توطيد وللترابط بين البلدين في كافة المجالات المشتركة واستغلال الطاقات والموارد الاقتصادية للبلدين بصورة امثل وخاصة ( ان هنالك العديد من المشاكل الاقتصادية في البلدين والتي لاتزال تتمثل في معدلات البطالة العالية ومستويات المعيشة المرتفعة وتدني الخدمات الاجتماعية وكذلك استشراء دائرة الفقر وسيادة الطبقات الرأسمالية التي تعتمد على امتصاص الفائض الاقتصادي وتوجيهه إلى انفاق مظهري لا يسهم في تقدم وتطور المجتمع )[27] مما يمثل خلالا كبيرا في الاوضاع والسياسات الاقتصادية للبدين رغم انهما يملكان قدرا هائلا من الموارد الاقتصادية سواء كانت الموارد الطبيعية مثل الموارد الزراعية بشقيها النباتي والحيواني ومصادر الطاقة والمعادن او البشرية ولذلك فان الخلل الاقتصادي في مصر والسودان لايمكن معالجته الا عن طريق التعاون الاقتصادي البناء و(حيث ان السودان به موارد اقتصادية متعددة خاصة في القطاع الزراعي والصناعي والسياحي والخدمات. ومصر فيها موارد اقتصادية بشرية و تقانات حديثة ومقدرة على تعظيم الانتاج والإنتاجية بجانب امتلاكها لرأس مال. فإذا تكاملت الموارد في مصر مع السودان فإنه يمكن أن تحقق منفعة مشتركة لمصلحة الطرفين ومنها يمكن للطرفين أن يشكلا قوة اقتصادية لصالح الدول العربية الاخرى خاصة وأن الاقتصاد السوداني يمكن ان يستوعب اي حجم من رؤوس الاموال الاجنبية ويستوعب القاعدة الانتاجية الامر الذي جعل الحكومة المصرية الجديدة لا اقول غير منتبهة ولكن اقول إنها ادركت أن المخرج الاقتصادي لمصر هو السودان وبالمقابل فإن الحكومة السودانية مدركة بأن مصر يمكن ان تشكل داعما اقتصاديا كبيرا لاستغلال الموارد في السودان،
أولاً: مياه النيل
من المتوقع ان تشهد الفترة القادمة تطورا ايجابيا في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين السودان ومصر بعد ان زالت العقبات التي كانت تحد من ذلك ( في ظل الأهداف والمبادئ التي تنادي بها (ثورة 25 يناير) في مصر في مجال السياسة الخارجية لاستعادة دور مصر الريادي في الإقليم، والخروج من سلطان السياسة الأمريكية الصهيونية، التي أضعفت ذلك الدور وأضرت بالعلاقات المصرية العربية والإفريقية عموماً، وبالعلاقات المصرية السودانية على وجه الخصوص؛ وهو ما أثَّر على الأمن القومي المصري والأمن القومي السوداني، بل تأذى السودان كثيراً نتيجة لتلك السياسة في الأعوام السابقة، وستؤثر على مصر أكثر في المستقبل لتجاهلها للنظرة الإستراتيجية والاكتفاء بالحلول المرحلية والآنية، وبارتفاع شعار استعادة السيادة المصرية يُتوَقَّع أن تعود العلاقات المصرية السودانية إلى الوضع الذي يخدم كلا البلدين في كل المجالات؛ بما يحقق الأمن القومي لكليهما، فهناك كثير من الأهداف والمصالح المشتركة التي تفرض حتمية التقارب والالتقاء حولها، وتجاوز صراعات وخلافات الماضي.) [43] ولعل ذلك لايتم الا عبر التكامل الاقتصادي المنشود في ظل بيئة سياسية ملائمة وفي ظل توفر موارد اقتصادية ضخمة في كلا البلدين )والواقع ان توفر هذة الموارد للدولة يوفر لها الاساس المادى للنمو الاقتصادى ويمكنها من الدخول فى علاقات خارجية مكثفة )[44]يكون اساسها هو التعاون الاقتصادي وذلك لان مصر والسودان يمثلان معا قواسم مشتركة وعلاقات متفردة تجعلهما في في اطار القواعد السياسية التي تقول ان (المجتمعات التى تنتمى الى حضارة وثقافة عامة واحدة والتى تتحدث لغة واحدة وتتشابة فى نظمها السياسية والاجتماعية تتجة الى تطوير انماط من السياسات الخارجية التى تتسم بالتعاون وقد تتطور الي التكامل السياسى ونادرا ما تدخل فى حروب دولية ضد بعضها البعض وقد درج علماء نظرية التكامل الدولى على اعتبار التشابة بين المجتمعات احد المقومات الاساسية للتكامل بينهما 0))[45] ولذلك فان التعاون الاقتصادي بين مصر والسودان في المستقبل لديه كافة العوامل التي تجعله اساسيا وضروريا لتطوير العلاقات بين البلدين في طريق التكامل الشامل حيث (تشير تقديرات المتابعين لتفاعلات العلاقات السودانية المصرية أن الحراك الذي انتظم العلاقات بين الطرفين خلال الأشهر القليلة الماضية يعبر عن مستقبل وآفاق علاقات البلدين والصورة التي ستكون عليها والمدى الذي يمكن أن تبلغه تلك العلاقات على ضوء التغييرات الجذرية التي طرأت على بنية النظام السياسي في مصر بعد ثورة 25 يناير.[46]) بعد ان كان النظام السياسي السابق في مصر قد سلك مسلكا عدائيا تجاه السودان وتسبب في ان تكون ( العلاقات الثنائية بين مصر والسودان غير متكافئة في طرفيها وتحتاج لإعادة نظر في كثير من بنودها خاصة ما يتصل بالشأن الاقتصادي في عمومياته وما يربط البلدين من اتفاقيات بعضها ثنائي والآخر متعدد الأطراف وهناك منافذ لتجارة الحدود )[47] بين البلدين التي تاثرت سلبا في الفترة الماضية بتردي العلاقات السياسية بين البلدين وعليه (من المحتمل أن تشهد العلاقات المشتركة بعد الثورة أنفتاحاً سياسياً كبيراً لعدة أسباب أهمها أن عوامل الثقة سوف تزيد بين الطرفين بسبب طي صفحة كثير من الملفات القديمة مثل دعم المعارضة المشتركة وذيول محاولة اغتيال الرئيس حسنى مبارك في أديس أبابا 1995م ، والتي لا تلبث أن تعود لتسمم العلاقة بين البلدين علي الرغم من الانطباع السائد بأن هذا الأمر قد تم تجاوزه عبر زيارات رئيس جمهورية مصر العربية السابق للخرطوم ) الا ان كثيرا من الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها بين البلدين لم تجد حظها في التطبيق الكامل حيث تلكأ النظام المصري السابق في انفاذ ها وعلي راس ذلك ( إتفاق الحريات الأربعة وهي التنقل والعمل والإقامة والتملك وهو في تقديري يحمل كل الأبعاد الإستراتيجية للعلاقات المصرية السودانية ، ظل متعسرا ولم يتم تطبيقه بالصورة التي تمكن من وضع العلاقات السودانية المصرية في خانة الإستراتيجية ، ويظهر أن الخوف النابع من دوافع أمنية ، والتعقيدات الناتجة من حساسية العلاقة، خاصة تلك المرتبطة بالمدركات هو أقوي الأسباب بجانب أسباب أخري [48]. ) سبق التطرق لها وكانت تقف في طريق تنمية التعاون الاقتصادي بين البلدين ولكن بعد الثورة المصرية وما احدثته من تطور في مستوي العلاقات بين البلدين ويتوقع للتعاون الاقتصادي ان يكون تتويجا
لا توجد تعليقات
