دكتور محمد عبدالله
عندما أُنشئت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي عام 1971، لم تكن مجرد جهاز إداري للإشراف على الجامعات، بل جزءاً من مشروع دولة يتطلع إلى بناء عقل سوداني حديث، وربط المعرفة بالتنمية، وإعداد مواطن قادر على التفكير لا مجرد حامل شهادة.
ومن يطالع أهداف الوزارة اليوم قد يظن أنه يقرأ وثيقة صادرة عن دولة قطعت شوطاً بعيداً في تحديث مؤسساتها: تطوير البحث العلمي، إنشاء مراكز تميز، ربط الجامعات بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، إعداد خريجين ذوي مهارات عالية، توسيع فرص التعليم العالي، وتعزيز اللغات والابتكار. لغة أنيقة، تليق بدولة تحلم بالمستقبل.
لكن المأساة السودانية القديمة تكمن دائماً في المسافة بين النص والواقع؛ فالكلمات تبقى في الطابق العلوي من الخطاب الرسمي، بينما تعيش الوقائع في القبو.
فالجامعات التي كان يُفترض أن تكون معامل لإنتاج المعرفة، تحولت خلال عقود طويلة إلى ساحات للاستقطاب السياسي، ثم إلى مؤسسات معزولة عن مجتمعها، قبل أن تنتهي، في ذروة الانهيار، إلى خزانات بشرية للحرب. وهنا تبرز العبارة التي قد تُسجل ضمن أكثر التصريحات إيلاماً في تاريخ التعليم العالي السوداني: تصريح الوزير بأن الجامعات أسهمت بثلاثة آلاف مقاتل في الحرب الدائرة.
ثلاثة آلاف مقاتل.
ليسوا ثلاثة آلاف باحث، ولا مهندساً لإعادة الإعمار، ولا طبيباً لإنقاذ ما تبقى من الأرواح. بل ثلاثة آلاف شاب اتجهوا إلى الجبهة.
قد تبدو العبارة، للبعض، تعبيراً عن الاصطفاف الوطني، لكنها في معناها الأعمق إعلان هزيمة لفكرة الجامعة نفسها. فالجامعة، في مفهومها الحديث، لم تُنشأ لتكون مصنعاً للمقاتلين، بل لتقليل الحاجة إلى القتال أصلاً.
في دول عديدة، حين تقع الحروب أو الأزمات، تُستدعى الجامعات لإنتاج الحلول لا لإنتاج البنادق. في فنلندا مثلاً، تشارك الجامعات في تطوير سياسات التعليم والصحة النفسية ومواجهة التطرف عبر البحث العلمي. وفي ألمانيا لعبت الجامعات، بعد الحرب العالمية الثانية، دوراً محورياً في إعادة بناء الوعي الوطني ومراجعة التاريخ. أما في الولايات المتحدة، فقد أصبحت الجامعات جزءاً من منظومة الابتكار والصناعة والتكنولوجيا، حتى باتت ميزانيات بعض الجامعات تفوق ميزانيات دول صغيرة. هناك تُقاس قيمة الجامعة بعدد الأبحاث وبراءات الاختراع، لا بعدد الذين يحملون السلاح.
وحتى في دول نامية، تبدو المقارنة موجعة. ففي ماليزيا ارتبط التعليم العالي بمشروعات التصنيع والتكنولوجيا، وتحولت الجامعات إلى أدوات للنهوض الاقتصادي. وفي مصر، رغم أزماتها المعروفة، لا يتحدث خطاب وزارة التعليم العالي عن إرسال الطلاب إلى ساحات القتال، بل عن المستشفيات الجامعية، والتحول الرقمي، والتصنيفات الدولية، والبحث الطبي.
أما نحن، فما زلنا نحصي المقاتلين الخارجين من الجامعات وكأن الأمر إنجاز أكاديمي.
المؤلم أن السودان لم يكن يوماً بلداً فقيراً في العقول، لكنه ظل بارعاً في إهدارها؛ بالهجرة أحياناً، وبالصمت أحياناً أخرى، وبالحرب في كثير من الأحيان. آلاف الأطباء السودانيين يعملون اليوم في مستشفيات بريطانيا والخليج وأوروبا، وعشرات الأساتذة الجامعيين يدرّسون في جامعات العالم، بينما جامعاتهم الأصلية مغلقة، أو محترقة، أو تحولت إلى ثكنات.
وعلى امتداد سنوات طويلة، جرى تحويل الجامعة من فضاء للأسئلة إلى فضاء للشعارات، ومن مؤسسة لإنتاج النقد إلى مؤسسة لإنتاج الطاعة. وحين يصبح إرسال الطلاب إلى ساحات القتال أمراً يُقال علناً من دون شعور بالفاجعة، فإن الأزمة لا تعود إدارية فقط، بل أخلاقية أيضاً.
والمفارقة أن كل الحروب، مهما طالت، تنتهي في النهاية إلى طاولة تفاوض، وخبير، ومهندس، وطبيب، وأستاذ جامعة. أي أنها تعود، في خاتمتها، إلى ما كان ينبغي حمايته منذ البداية: العقل.
لكننا، كعادتنا، نكسر المصباح ثم نتساءل لماذا حلّ الظلام.
وربما لم تعد القضية مرتبطة بوزير بعينه، أو تصريح بعينه، بل بالسؤال الأكبر: كيف تحولت الدولة السودانية إلى كيان يخشى الجامعة الحرة أكثر مما يخشى الحرب نفسها؟
ذلك سؤال يتجاوز وزير التعليم العالي، ويتجاوز الوزارة ذاتها، وربما يتجاوز هذا الخراب كله.
muhammedbabiker@aol.co.uk
