ومُوسِمُ الهِجرَةِ إلى أُفقٍ بَعيد… فى تَذَكُرِ الطيّب صَالِح!! .. بقلم: د. حسين آدم الحاج
14 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
57 زيارة
huselhag@gmail.com
(إنّني أقررُ الآنَ أنَّني أختار الحياةَ،،
سأحيا لأنّ ثمّة أناسٌ قليلين أحبُ أن أبقى معهم،،
أطولَ وقتٍ ممكنْ،،
ولأنّ علىّ واجباتٍ يجبُ أنْ أوديها،،
لا يعنيني أن كان للحياةِ معنى،،
أو لم يكنْ لها معنى،،
وإن كنتُ لا أستطيع أنْ أغفر،،
فسأحاول أنْ أنسى،،)
“الراوي في موسم الهجرة إلى الشمال”
“نتحدث عن الحياة،، وهو يتحدث عن الموت!” (هوغو تشافيز رئيس فنزويلا الراحل فى إحدى مساجلاته ضد الرئيس الأمريكى السابق جورج دبليو بوش).
“هو دة إنتَ”؟؟ بلكنة سودانيّة، نظر إلىّ مشدوها بإبتسامة عريضة ملأت كلَّ وجهه، والفتيات العربيّات وجَلّهنّ من لبنان وسوريا وبعض دول المغرب العربى تحلقنّ حوله وكأنّه فارس الحوبة يضحكنّ ويقهقهنّ بسبب ولا سبب،، يبتسم لهنّ بلطف ويرد على تعليقاتهنّ وأسئلتهنّ بعبارات بسيطة وقصيرة كانت كافيّة لإستثارة مرحهنّ وضجتهنّ.
وسط ذلك الصخب فى قسم اللغة العربيّة بجامعة جورج تاون وسط مدينة واشنطن العاصمة عقب إفطار أمسيّة أحدى أيام رمضان عام 2002م وعقب محاضرة قدمها الطيّب صالح لجمع من منتسبى ذلك القسم وبعض الضيوف العرب والسودانيين تقدمتُ نحوه بهدؤ مستأذناً تلكم الفتيات بلطف أن يفسحن الطريق،، وصلت إليه بعد مشقة وقدمت إليه نفسى، حيّانى بلطف وحميميّة وكانت تلك أول مرة ألتقيه وجهاً لوجه بالرغم من إتصالات قليلة سالفة بالهاتف أو البريد، دنوت منه قليلاً وزدت من تعريفى بنفسى همست له بأنّنى ذلك الشخص الذى وثّق لسلسلة مقالاته التى كان ينشرها فى أخيرة مجلة “المجلة” السعوديّة بعنوان “نحو أفق بعيد” وجمعتها كلها من أولها لآخرها،، مال بنصفه العلوى قليلاً إلى الوراء كأنه يريد أن يوسع المسافة بيننا كى يملأ عينيه بشخصى ويرانى بصورة أوضح،، عندها رفع عقيرته بذلك التساؤل وبدهشة تلقائيّة “هو دة إنتَ”؟؟ وكأنّه كان على علم بما فعلت،، فجأةً صمتت السيّدات وتحلقنّ حولنا مع نظرات إستفسار عن هذا الوافد الذى يحتفى به الطيّب صالح وينصرف عنهنّ،، كنت أضم على جنبى مظروفاً ضخماً بداخله مجلد يحتوى على كل مقالاته تلك،، 525 مقالة نشرها فى أخيرة مجلة المجلة عبر سلسلة أسبوعيّة لمدى عشر سنوات وخمسة أسابيع لم يتغيب عنها ولو لأسبوع واحد،، وقد كانت تلك “المجلة” بجانب صحيفة الشرق الاوسط اليوميّة تصلنى تباعاً ومجاناً كل أسبوع من الملحقيّة التعليميًة السعوديّة بواشنطن ضمن منحة دراسيّة صغيرة، لكن ونسبة لإنشغالى، بالإضافة إلى سأمى من تتبع قراءة موضوع متسلسل من أسبوع لآخر، قررت الإنتظار كيما أقرأها لاحقاً دفعة واحدة لكن طال إنتظارى حتى توقف الطيّب عن الكتابة الراتبة فى صفحته تلك والتى كانت الأبرز فى صفحات تلك المجلة العريقة التى توقفت عن الصدور فى نسختها الورقيّة منذ شهر أبريل 2009 وتحولت إلى نسخة إلكترونيّة شأن العديد من كبريات المجلات العالميّة كالنيوزويك الأمريكيّة فى ظاهرة نتجت عن تمدد تطبيقات الشبكة العنكبوتيّة بجانب الحملة العالميّة للتقليل من إستخدام الورق للحفاظ على البيئة والحد من قطع الأشجار ومكافحة ظاهرة تغيّر المناخ والإحتباس الحرارى،، ولما كانت “المجلة” متوفرة ومنذ العدد الأول لإصدارها بالمكتبة المركزيّة بجامعة بنسيلفانيا والتى كنت أعمل فيها فقد قررتُ نسخها كلها لم تفتنى منها إلاّ حلقتين فقط فإتصلت بمكتب المجلة فى لندن التى أرسلتهما مشكورة لى عبر الفاكس والبريد الإلكترونى فإكتملت المجموعة،، ثمّ أضفت أليها فى آخرتها كلمة الشكر والتنويه الضافيّة التى أزجاها رئيس تحرير المجلة آنذاك للطيّب صالح فى ختام كتاباته الراتبة كعَلَم ثابت من الأعلام والروائيين العرب.
جمعت كل تلك الصفحات فى رزمة واحدة وصممت لها غلافاً جميلاً أوحيته من عنوان مقالاته تلك “نحو أفق بعيد” بالأضافة إلى صورته بالجلابيّة والعمامة السودانيّة وإسمه،، ثمّ أضفت فى الصفحة الأولى بعد الغلاف كلمة صغيرة بالخط الفارسى الأنيق كتقدمة لذلك الملف،، نسخت منها أعداداً أهديت منها لصديقيه الأستاذ الفاتح إبراهيم بالملحقيّة الثقافيّة السعوديّة بواشنطن والبروفسير محمد إبراهيم الشوش وكان وقتها محاضراً بإحدى الجامعات الكنديّة فقد كان الأثنان الطيّب والشوش يترددان على واشنطن بين الفينة والأخرى ضيوفاً على الفاتح إبراهيم.
شدّ الطيّب على يدى شاكراً وأخبرنى أنّ الفاتح إبراهيم قد أعلمه بأمرى وتمنى مقابلتى يوماً لشكرى شخصياً وها قد أتى ذلك اليوم الذى تمناه،، لم أتركه يمضى فى تشكراته تلك ففتحت المظروف الذى كنت أضمه على جنبى وأخرجت منه ذلك السِفر،، بهدؤ ساد صمت فى المكان وتوقف الصخب وتطاولت أعناق حسناوات الجامعة لمعرفة هذه المطبوعة الجديدة عن/أو ل الطيب صالح ولا يمكن لومهنّ بأى حال فقد كنّ وكأنّهنّ متيّمات به بعضهنّ يعكفنّ على إعداد رسائل عليا فى أدبه ولقد جاء إليهنّ بدعوة رسميّة من الجامعة، جامعة جورج تاون، كأستاذ زائر بعد أن قضى فترة مماثلة بجامعة نيويورك فى زيارة لأمريكا أخذت منه شهراً من الزمان،، وكنت قد كتبت بخط يدى وتوقيعى على صفحة الغلاف الداخليّة فى تلك النسخة إهداءاً له!! أذكر أنّنى قرأت له منها عند تقديمها له فقرة تقول (لا أقول نأكل من زادك ونطعمك،، لكنّها هديتكم إلينا آثرنا أن نهديكم إياها)!!،، إستوحيت العبارة من بيت شعر للمتنبئ وكنت أعلم مدى تبحره فى عطاء هذا الشاعر العربى الأبرز وتخصصه فيه،، ففهمها على الفور وإنفرجت أساريره عن إبتسامة عريضة،، هزّ رأسه متعجباً ومستغرباً من تلك المفاجأة ثمّ إحتضننى شاكراً ومتأثراً فى نفس الوقت،، قال لى بأنّه كان يكتب الحلقة من تلك الكتابات ويرسلها بالفاكس أو الإيميل لمجلة المجلة ثمّ يرمى بالأوراق فى أى مكان كيفما إتفق ولا يحتفظ بها وأنّه سعيد بأنّ هناك من يتابع كتاباته تلك ويجمعها للتوثيق بتلك الصورة الفريدة التى أعددتها،، أخذنا بعض الصور الفوتغرافيّة وسط دهشة متزايدة من الحضور، خاصة الفتيات.
لقد كان الطيب يعلم تمام العلم فى تلك اللحظات إنّه إذا فلتت تلك النسخة لحظة واحدة من يده فسوف لن يسترجعها مرة أخرى وسط ذلك الزخم من تلكم السيّدات ولذلك فقد لوّح بها فى وجوههن منبهاً بأنّها مجموعة مقالاته التى نشرها فى مجلة المجلة ويمكنهن مراجعة مكتبة الجامعة للحصول عليها،، لكن ذلك، وكأنّه لم يكف عن متابعة تلكم السيّدات وإلحاحهنّ لتصحف تلك الرزمة لكنّه تمكن وبصبر دؤوب أن يعيد المجلد إلى ظرفه الذى إتيت به ثمّ ضمّه إلى جانبه بقوة ضم الأم لطفلها الرضيع وكأنّه أراد أن يرسل رسالة واضحة لكل من تسوّل لها نفسها بالتفكير فى أمر تلك المخطوطة مرة أخرى.
لقد ذكر لى الطيب فى تلك المناسبة أنّ مركز عبدالكريم ميرغنى بأم درمان قد طلبوا نشر تلك المقالات ضمن إصداراتهم، وأعتقد بأنّهم قد علموا بجمعها من النسخة التى أهديتها لصديقى الإسفيرى أسامة صالح محمد عثمان المقيم بلندن وهو قريب من مؤسسى ذلك المركز، وبالفعل إتصل بى أسامة لاحقاً وأخبرنى بذلك يطلب الإذن بالنشر بالرغم من أنّنى لا أملك أى حق أدبى أو ملكيّة فكريّة تخولنى الموافقة أو الرفض فردّدت عليه قول بروفسير الشوش عندما تحدثتُ معه على الهاتف بعد إستلام النسخة التى أهديته إيّاها بأنّ ما يجمعنا هو حب الطيب صالح وقد صدق، بالفعل نشر مركز عبدالكريم ميرغنى تلك المقالات من النسخة التى جمعتها وآمل أن يكونوا قد إحتفظوا لى بحقى الأدبى!!
عقب إنتهاء حديثى معه وجدت نفسى فجأةً محاطاً بثلة من تلكم السيّدات اللحيحات كل واحدة تطلب أن أرسل لها نسخة من ذلك السِفر ويبدو أنّ الطيب قد إنتهز فرصة إنشغالهن بى فانسحب قليلاً إلى الوراء وإنشغل عنهنّ بآخرين، حامداً شاكراً من إزعاجهن، وبينما كنت أحاول ترضيتهنّ تقدم نحوى شاب قدّم نفسه كأحد منتسبى قسم اللغة العربيّة بالجامعة طلب منى نسخة واحدة لنسخها بأى عدد ووضعها بصورة رسميّة على أرفف مكتبة القسم والمكتبة المركزيّة لجامعة جورج تاون وأعطانى بطاقته العمليّة بالجامعة بقسم اللغة العربيّة فوافقت على الفور وسط ترحيب تلكم الطالبات،، وبالفعل أرسلت له نسخة كاملة عقب عودتى إلى فيلادلفيا.
أذكر أنّه كان من بين الحضور السودانيين فى تلك المناسبة البروفسير محمد إبراهيم خليل، عمر إسماعيل قمرالدين، بشير إسحق، عادل صالح وطارق الشيخ بجانب الفاتح إبراهيم رفيق الطيب صالح ومضيفه فى تلك الزيارة.
إنّ صلتى بالطيب صالح ربما كانت، وبصورة غير مباشرة، تعود إلى فترة صباى إذ نشأتُ وأنا دائم الإستماع، كعادة معظم أهالى الفاشر ودارفور، لإذاعة القسم العربى بهيئة الإذاعة البريطانيّة (هنا لندن)،، فى فترة دراستى بمدرسة الفاشر الأهليّة الوسطى راسلت مكتب هذه الإذاعة ببيروت طلبت منهم الإشتراك فى مجلة هنا لندن الشهرى، وكانوا قد أعلنوها مجانا، وحينها كان الطيب صالح مديراً لذلك المكتب فبجانب الإستماع إليه فى الراديو من خلال برامجه الحواريّة مثل برنامج “فى الواحة” وإخراجه للمسلسلات الدراميّة مثل “عودة الأجير” و”الرجل الذى فقد ظلّه” وغيرها فقد كنت أقرأ له بعض المقاطع فى مجلة هنا لندن، ولقد ظللت أستلم تلك المجلة على مدى سنة ونصف تقريباً إلى أن تمّ إلغاء مجانيتها وصارت بالإشتراك المدفوع بمبلغ عشرة جنيهات إسترلينية فى العام لزوم تكلفة البريد ثم توقفت، ويبدو أنّ مدير المدرسة آنذاك السيّد على المحبوب كان قد إستكثر علىّ إستلامى لتلك المجلة فإستدعانى بواسطة الخفير إلى مكتبه عندما وصلنى أول عدد فى مظروف أبيض ورسالة مرفقة بتوقيع الطيّب صالح عن طريق عنوان المدرسة وكانت كل الرسائل يستلمها المدير قبل توزيعها لأصحابها، وبعد أن مارس معى بعض تعابير الإرهاب النفسى مثل النظر إلىّ مرة بعد أخرى بوجه جامد من فوق نظارته ويقلب أوراق المجلة غير عابئ بوقوفى أمامه سألنى كيف حصلت على تلك المجلة فشرحت له أنّ إذاعة هنا لندن أعلنوا الإشتراك المجانى لمن يشاء من المستمعين العرب فقدمت،، لم يعبأ بردى لكنّه هددنى صراحة وببرود بأنّه سوف لن يسلمنى إيّاها فى كل مرة إلا بعد أن يفرغ هو من قراءتها وتمتعه بها ثمّ تبعه العديد من الأساتذة الآخرين عندما علموا بذلك لكنّنى كنت سعيدأً على أيّة حال أشعر بالزهو أمام أقرانى وأبرز فى الجمعية الأدبيّة الأسبوعيّة أمسيّة كل يوم الأثنين بقراءة قصاصات من تلكم المجلة.
فى ذات الوقت ظللت أجمع وأحتفظ بكميّة هائلة من الكتابات والتحليلات التى تناولت، وما تزال، روايات الطيّب صالح، فبالإضافة إلى جمع وتوثيق تلك المقالات الراتبة فى أخرية مجلة المجلة فقد تمكنت من جمع، ولا أزال، المئات من المقالات والتحليلات لرواياته فى نسخها الورقيّة والإلكترونيّة منها حوالى عشر رسائل جامعية لدرجات الماجستير والدكتوراة بجانب أكثر من عشرة كتب تحليلية منشورة لرواياته بأقلام العديد من بعض أعلام الكتاب العرب والمئات من المقالات والتحليلات والتراجم عن أدبه، بعضها ذات تحليل عميق من الدارسين والكتاب والروائيين العرب خاصة من المغرب العربى، لبنان ومصر وبعض الأوربيين يقابل ذلك وللأسف ندرة من جانب الكتاب السودانيين لكن لابد أن أشير إلى ذلك التحليل العميق الذى أعده صديقنا البروفسير إبراهيم الزين بماليزيا عن روايّة “عرس الزين”.
وقد برع الطيب صالح أيضاً فى أدب المراثى فمرثيته فى تذكر صديقه أكرم صالح المذيع والمحلل الرياضى الأسبق بالقسم العربى بهيئة الإذاعة البريطانيّة والتى نشرتها مجلة المجلة فى منتصف الثمانينات فى ثلاثة حلقات بعنوان “العالم المفتوح” مثلت تحفة أدبيّة تاريخيّة نادرة فى حقبة من تاريخ هذه الهيئة حتى قال عنها أحد الكتاب السعوديين بأنّه، وقت نشرها، كان يبدأ قراءة المجلة من آخرتها قبل أن يدلف إلى بقيّة الصفحات، وكل من كان يستمع لبرامج هيئة الإذاعة البريطانيّة فى تلكم الفترة يشعر عند قراءة تلكم المرثيّة وكأنّه يسبح فى تاريخ هذه الهيئة التى مثلت بجانب مجلة “العربى” الكويتية مصدر إلهام للوعى العربى الثقافى والسياسى فى تلك الفترة من تاريخ الوطن العربى الحديث،، وقد رثى الطيب صالح رئيس الوزراء الأسبق محمد أحمد المحجوب فى تحفة أدبيّة فريدة ما زلت أبحث عنها كما رثى الشاعر الدبلوماسى صلاح أحمد إبراهيم بعنوان “أخو فاطمة” بمرثيّة رائعة نشرتها مجلة المجلة أيضا.
واليوم يمر علينا الذكرى السادسة لرحيله يجدر بنا تذكر هذه القامة الذى وصفه الأديب الشاعر الدبلوماسى محمد المكى إبراهيم بأنّه يمثل “يتيم ودرة الأدب السودانى”،، رحم الله الروائي السوداني الكبير الطيب صالح والذى إنتقل إلى رحاب ربه في 17 فبراير 2009م ونسأل الله له المغفرة والقبول وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.