يحيى الحاج .. العبور الأخير .. بقلم: عبدالله علقم
في المدرسة توزعنا على الداخليات فذهبت أنا لداخلية عثمان دقنة وذهب هو لداخلية ود ضيف الله، ولكن بعد أشهر قليلة جمعتنا داخلية شيدت حديثا آنذاك تحمل اسم عبدالله جماع. في فترة زمنية وجيزة أصبح يحيى يفوق كل رموز ومعالم حنتوب شهرة..صار أكثر شهرة من جرس المدرسة وبرج الساعة والهدهد الذي يعلو البرج والرفاس والمشرع.اشتهرت موهبته كفنان مسرحي وممثل كوميدي خفيف الظل تتابعه خفة ظله في تفاصيل حياته اليومية فاكتسب بجانب الشهرة حب الناس وشبكة واسعة من العلاقات الإنسانية الحميمة التي تتوسع كل يوم وتضم مختلف طبقات المجتمع. أثناء الدراسة في حنتوب وجد مكانا على خشبة المسرح القومي في أحد المهرجانات الصيفية، ثم وجّه الهواية والموهبة لتتحد مع الدراسة والمهنة لصياغة مستقبل مهني وعلمي استغرق كل حياته بعد أن تخرج في حنتوب ، وحين افتتح المعهد العالي للمسرح في الخرطوم أواخر الستينيات انتسب إليه من دون تردد بعد أن ظل لوقت ليس بالقصير يمارس المسرح من دون دراسة ، فأضاف العلم للموهبة، ثم عمل استاذا مساعدا في نفس المعهد حتى ابتعث بعد ذلك لانجلترا للدراسات العليا في المسرح. يتحلى يحيى بقدر كاف من الشجاعة والثبات لتحويل المصيبة لمجرد وقفة أو كبوة صغيرة يضعها تحت قدميه ليرتقي من فوقها للمستقبل. في شهر مايو 1976 هاتفته من فندقي المجاور لمطار هيثرو في لندن والذي جئته عابرا “ترانزيت” لليلة واحدة في طريقي من الخرطوم لطنجة، وكانت أول وآخر زيارة لي للندن. قلت له على الهاتف أنني علمت في بلد لا تحفظ الأسرار إلى الأبد إن الملأ يأتمرون به وسيتلقى بعد فترة من الوقت عبر آلية الملحق الثقافي والحقيبة الدبلوماسية خطابا بفصله من المعهد تحقيقا للصالح العام. هو ذات الصالح العام اللعين الذي ظل ضالة بلادنا منذ فجر الاستقلال. أدهشني الرجل عندما أطلقها ضحكة رنانة عبر الأثير بددت الحزن الذي سكنني والتعاسة التي كانت تغمر المكان. هذه الضحكة أعقبتها فترة طويلة من المعاناة في انجلترا بعد انقطع عن يحيى راتب حكومة جمهورية السودان(التي كانت تحمل اسم الديمقراطية آنذاك)، ولكن بعزيمة صلبة تفتت الصخر استطاع أن يكمل دراسته بنجاح مشتغلا في شتى المهن الصعبة.
لا توجد تعليقات
