“نظرت فلم أنظر سواك أحبه”
شويخ من أرض مكناس *-*
في وسط الأسواق يغني
إيش علي من الناس *-*
وايش على الناس مني
ذاك هو “أبو الحسن” علي بن عبد الله النميري الششتري اللوشي، فالنميري نسبة إلى نمير، بطن من بطون هوازن، ولذلك فأصله عربي أندلسي، وأما الششتري فهو نسبة لششتر التي رأى النور فيها، وهي قرية صغيرة بالأندلس، في حين أن اللوشي نسبة إلى لوشة، القرية التي قضى فيها ردحًا من طفولته.
ولد الششتري في حوالي سنة 610هـ-1212م لأسرة ميسورة ذات جاه وسلطان، إذ يورد ابن لبون التجيبي في (الرسالة العلمية): «أنه كان من الأمراء وأولاد الأمراء فصار من الفقراء» ومن هنا جاء لقبه: “عروس الفقراء” و “أمير المتجردين”. انبنى تكوينه الثقافي في البداية على حفظ القرآن ودراسة الفقه وأصوله، يقول ابن الخطيب عن هذه المرحلة في حياته: «وكان مجودا للقرآن، قائما عليه، عارفا بمعانيه، من أهل العلم والعمل» (كتاب الإحاطة). أما حكاية انصرافه عن الدنيا ومتاعها فكانت المؤشر الأكيد على بداية توطين نفسه على ثقافة التصوف، لننصت لابن عجيبة في (إيقاظ الهمم) وهو يرصد هذا التحول الهام في مسار الششتري، يقول:
«الششتري كان وزيرا وعالما وأبوه كان أميرا، فلما أراد الدخول في طريق القوم قال له شيخه: لا تنال منها شيئا حتى تبيع متاعك وتلبس قشابة وتأخذ بنديرا وتدخل السوق، ففعل جميع ذلك فقال له ما تقول في السوق ؟ فقال: قل بدأت بذكر الحبيب، فدخل السوق يضرب بنديره ويقول: “بدأت بذكر الحبيب” فبقي ثلاثة أيام وخرقت له الحجب فجعل يغني في الأسواق بعلوم الأذواق ».
إن السياحة في الأرض والتتلمذ على يد المشايخ شرطان لازمان لاستكمال التربية الروحية لدى الصوفي، وبالفعل راهن الششتري على الرحلة، فكانت المعادل الموضوعي للنهل من حياض العلم اللدني ، حيث أتاحت له التفاعل مع أساطين التصوف، من أمثال أبي مدين الغوث، فحط الرحال بمدينة بجاية الجزائرية لينضم لحلقة أتباعه ، و كان أن تأثر بتراثه وأشعاره إلى حد بعيد، كما تعرّف من خلال “الصوفية المدينية”(نسبة لأبي مدين) على الفكر الصوفي لابن عربي خاصة، وفضلا عن ذلك عبّ العلوم الذوقية من مجلس القاضي “محيي الدين بن سراقة ” وهو أحد تلامذة السهروردي الصوفي السني.
وبقدر ما غاص “أبو الحسن” في الطرق الصوفية نظرا وممارسة، ازداد انسحابه من الدنيا وتجرد من متعها وزخرفها فراح يلتزم طريق الزهد والورع وإخلاص النية لله، وفي غمرة هذا الإسراء الروحاني الصوفي، سيلتقي بأستاذه “ابن سبعين” الذي وسمت علاقته به بالافتتان والتأثر العميق، هكذا سيعبر الشيخ بمريده من ضفة التصوف السني إلى التصوف الفلسفي وهو ما يرمز إليه ابن سبعين مخاطبا الششتري: «إن كنت تريد الجنة فسر إلى “أبي مدين” وإن كنت تريد ربّ الجنة فهلم إليّ » (المقري في نفح الطيب).
مسار الرحلة عند الششتري لا نهاية له، فبعد بجاية (الجزائر)، زار فاس ومكناس، ثم عرج على قابس (تونس)، وطرابلس (ليبيا) ليحط الرحال بقاهرة المعز بمصر حيث اكتشف الطريقة الشاذلية وأعجب بها واعتكف لمدة من الزمن بالأزهر الشريف، كما عقد حلقات دراسية بباب زويلة، إلا أن اصطدامه مع الفقهاء دفعه إلى مغادرة القاهرة ليجوب صحارى مصر ، ومنها رحل إلى الشام حيث اشترك في الجهاد ضد الصليبيين.
إذا كان ابن عربي أول من اصطنع “الموشح” في الكتابة الصوفية، فإن الششتري أول من استعمل “الزجل” كشكل تعبيري في التصوف، وقد اشتهر بقصيدته الرائعة شويخ من أرض مكناس التي تغنّى بها كثير من المشارقة في القديم كما في العصر الحديث.
ومن نماذج أشعار الششتري في الحب الإلهي قوله:
يا ساقي القوم من شذاه
** الكـل لمـا ســقيـت تــاهــوا
ما شرب الكأس واحتساه
** إلا محـــب قــد اصطــفــاه
ما قلت للقلب أين حبي؟
** إلا وقـال الضميـر: هـا هــــو
استبدت بشعر الششتري فكرة الحنين إلى الأصول الأولى (التراب/الأرض) والغريب أنه لما عاد إلى مصر وأثناء مروره بمكان قريب من دمياط يقال له “الطينة”، سأل عن اسم ذلك المكان فقيل له” الطينة “، آنذاك نطق بقولته الشهيرة: «حنت الطينة للطينة» فكان أن أسلم الروح لبارئها بذلك المكان فتحققت نبؤته/حلمه لينعم بالاتصال الذي طالما نشده.رحم الله أبا الحسن الششتري وأثابه.
kkarzali@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم