أبيي بين الجغرافيا والسياسة: صراع لم يجد طريقه إلى الحل

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

منذ توقيع اتفاقية السلام الشامل عام 2005، ظلت منطقة أبيي واحدة من أعقد الملفات العالقة بين السودان وجنوب السودان. ورغم أن الاتفاقية منحت شعب دينكا نقوك حقاً قانونياً واضحاً وصريحاً في إجراء استفتاء لتحديد وضعيتهم المستقبلية، فإن هذا الحق لم يُفعَّل حتى اليوم بسبب حسابات سياسية متشابكة، وصراعات مصالح داخلية وإقليمية، ورغبة بعض الأطراف في إبقاء الوضع معلقاً لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية. وهكذا بقيت أبيي في حالة بينية: ليست جزءاً مستقرّاً من الشمال، ولا جزءاً من الجنوب، ولا منطقة تتمتع بوضعها الإداري الخاص كما نص الاتفاق. وبين هذا وذاك، دفع دينكا نقوك الثمن الأكبر، فهم يعيشون حالة دائمة من عدم اليقين، وعدم استقرار سياسي وأمني، وتهميش مستمر في القرار المصيري الذي يتعلق بأرضهم وهويتهم ومستقبلهم. إن جذور الأزمة في أبيي ليست وليدة اليوم، بل تمتد إلى بدايات القرن العشرين، حين جرى تحويل المنطقة إدارياً إلى كردفان عام 1905 دون مشورة أهلها، في إطار ترتيبات استعمارية لم تكن تأخذ في الاعتبار التكوين الاجتماعي أو الامتداد الثقافي لدينكا نقوك نحو جنوب السودان. ومنذ ذلك التاريخ، باتت أبيي ساحة لتقاطع الأجندات بين المركزين الشمالي والجنوبي، بينما بقيت المجتمع المحلي رهينة قرارات تُتخذ من فوق، لا تعبّر عن تطلعاتهم ولا تستجيب لمخاوفهم التاريخية. ومع كل مرحلة سياسية مرّ بها السودان، كانت أبيي تُستخدم كورقة تفاوض، لا كمنطقة لها سكان أصحاب حقوق أصيلة ينبغي أن تكون الأولوية لهم. عندما جاءت اتفاقية السلام الشامل، بدا لأول مرة أن المنطقة تقترب من حل تاريخي، إذ تم الاعتراف بدينكا نقوك باعتبارهم أصحاب الحق في تقرير مستقبلهم عبر استفتاء مستقل لا تشارك فيه القبائل غير المقيمة. هذا النص كان واضحاً، وجاء كتصحيح لمسار تاريخي امتد سنوات طويلة. غير أنّ ما أعقب التوقيع كشف أن الإرادة السياسية لدى الطرفين لم تكن كافية لترك أهل المنطقة يقررون مصيرهم. فقد أدركت بعض القوى في الشمال أن خسارة أبيي تعني خسارة منطقة غنية بالنفط والموارد، بينما خشي بعض الأطراف في الجنوب من أن يؤدي الاستفتاء إلى توتر مع الشمال ويخلق بؤرة صراع جديدة على الحدود. وفي النهاية، جرى تجميد الاستفتاء دون إعلان رسمي، وتم تعطيل التنفيذ عبر الشروط والإجراءات، حتى أصبح الحق القانوني مجرد نصٍ معلّق على ورق. يعيش دينكا نقوك اليوم في واقع معقد، فهم مجتمع تعرّض لحروب ونزوح واعتداءات متكررة، وظل يتحمل تكلفة عدم الحسم السياسي. فالمنطقة لا تزال غير مستقرة أمنياً، وتفتقر إلى مؤسسات إدارية واضحة، وتعاني من غياب التنمية والخدمات الأساسية، فيما يبقى سكانها تحت رحمة اتفاقيات تُمدد وتُعدل، وخطوط ترسيم لا تُحترم، ولجان مشتركة لا تنجز سوى بيانات عامة. وبهذا أصبحت أبيي نموذجاً صارخاً لتأثير السياسة على الحقوق، وللفجوة بين النصوص القانونية والواقع المعيشي. إن استمرار الوضع الحالي لا يخدم أي طرف على المدى الطويل. فمن الناحية الإنسانية، يعيش دينكا نقوك في حالة قلق دائم، وفي ظل تهديدات موسمية تعيق استقرارهم وتعرض حياتهم للخطر. ومن الناحية السياسية، يشكل بقاء الملف مفتوحاً بؤرة توتر بين دولتين كلتاهما تعيشان أزمات داخلية عميقة. كما أن حالة عدم اليقين تعيق التعاون الحدودي، وتعطل فرص التكامل الاقتصادي الذي يمكن أن ينعكس إيجاباً على المجتمعات المحلية في الحدود بين البلدين. والحل لا يمكن أن يأتي إلا من خلال معالجة سياسية شجاعة، تقوم على احترام النصوص القانونية للاتفاقية، والاعتراف بحق سكان أبيي في تقرير مصيرهم دون تدخل أو ضغط. فالمطلوب ليس مفاوضات جديدة، بل إرادة لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه بالفعل. ويمكن خلق ترتيبات أمنية مشتركة تضمن حرية الحركة للرعاة، وفي الوقت نفسه تحمي السكان من التهديدات، بحيث لا تُستخدم القبائل ولا موارد المنطقة وقوداً لصراع سياسي. كما ينبغي أن يكون المجتمع الدولي طرفاً ضامناً لا مراقباً فقط، بحيث يضمن عدم الالتفاف على حقوق دينكا نقوك مرة أخرى. لقد أثبتت تجربة أبيي أن الحلول المؤقتة لا تنتج إلا أزمات دائمة. وأن ترك الحقوق معلّقة يخلق شعوراً بالظلم يهدد الاستقرار لأجيال. فالقضية ليست مجرد نزاع حدودي، بل هي مسألة هوية وحقوق تاريخية لشعب يعرف تماماً أين ينتمي وإلى أي دولة يريد أن يكون. وكل تأخير في حل هذه الأزمة يعني مزيداً من المعاناة لدينكا نقوك، ومزيداً من التوتر بين الدولتين، ومزيداً من التعقيد في ملف كان يمكن أن يكون نموذجاً في التسوية العادلة إذا ما توفرت الإرادة. إن أبيي لا تحتاج إلى خرائط جديدة ولا لجان جديدة، بل تحتاج إلى قرار سياسي يعيد الحق لأهله. وحين يُحترم هذا الحق، ستصبح المنطقة جسراً للتواصل، لا حقل ألغام سياسي. وستكون خطوة مهمة نحو بناء سلام مستدام بين السودان وجنوب السودان. أما استمرار الوضع المعلّق، فليس إلا وصفة لتجدد الأزمات، ولإبقاء دينكا نقوك في دائرة انتظار لا نهاية واضحة لها. بهذا يمكن القول إن قضية أبيي ليست أزمة جغرافيا، بل أزمة إرادة سياسية. وليست صراعاً بين مجتمعات، بل صراعاً على قرار كان من المفترض أن يكون ملكاً لشعب أبيي وحده. وحين يعود هذا الحق إلى أصحابه، ستكون المنطقة قد بدأت أخيراً أول خطوة حقيقية نحو الاستقرار الذي طال انتظاره.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

العلاقات الخليجية وتحولات الصراع السوداني: قراءة في منطق النفوذ

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن العلاقات بين دول الخليج العربي يومًا علاقات ثابتة أو …