تأمُلات
كمال الهِدَي
انتهت مباراة هلال مريخ في الدوري الرواندي أمس الأول بالتعادل بهدف لكل. لكن كعادة إعلام وجمهور الغريمين، بدلاً من أن يتقبل كل فريق النقطة الواحدة بروح رياضية، كما يحدث في معظم بلدان العالم، دخلنا في جدلٍ عقيم ومغالطاتٍ تبتعد دائماً عن الموضوعية.
فأنصار المريخ يتباهون بهذا التعادل، بحجة أنهم نازلوا غريمهم بفريقهم الرديف، والأهلة كانوا أصلاً قد صرحوا قبل المباراة، بل ولاموا إدارتهم الفنية على إهمال المباراة وعدم ارسال لاعبي الفريق الأول إلى كيغالي.
وسوف يستمر هذا الوضع، ولن يعترف أي طرف بأنه شارك بفريقه الأول. والمضحك في الموضوع أن كل طرفٍ يستعرض تشكيلته التي لعب بها بوصفها دليلاً على زعمه، مع تعمد عدم الإشارة حتى إلى لاعب واحد في تشكيلة المنافس.
وهذا أكبر دليل على نزوعنا الدائم، كسودانيين، إلى الجدل البيزنطي، والهروب من مواجهة الحقائق والواقع بأي طريقةٍ ممكنة.
وقد دفعني هذا النقاش غير الموضوعي، وفي ظل الظروف القاسية التي نعيشها إلى تأمل حالنا فقلت لنفسي: ” إذا كنا نفعل كل ذلك بسبب مباراة كرة قدم واحدة، فهل يمكن أن يأتي يوم نطبق فيه قاعدة الاتفاق على الحد الأدنى في قضايا الوطن الكبرى؟”
بالطبع، يصعب على شعبٍ تحمل قطاعات واسعة منه هذا الفهم وتلك الميول والسلوكيات أن يتفق حول أي شيء، حتى وإن كلفه ذلك ضياع وطنه بالكامل، وهو ما يحدث أمام أعيننا دون أن تطرف لنا أجفان.
فنحن لا نغلب مصلحة عليا، ولا تهمنا سلامة الوطن إلا عندما يتعلق الأمر برفع الشعارات الرنانة، لكنك لا تلمس لذلك أثراً في أرض الواقع، بل علي العكس يمكن لكل فئة أو مجموعة أو إثنية أن تُحرض علي القتل والدمار لتحقيق مكاسب مادية آنية، أو توهماً بأن ذلك سيصب في مصلحة هذه الفئة. فحين تقول أن هذه الحرب إن استمرت ستُفضي إلى انقسام دارفور، تسمع: ” خليهم يمشوا” ، ولو قلت جبال النوبة ستلحق بالجنوب، يباغتك البعض برد سريع: ” لقينا منهم شنو؟ ما ينفصلوا، كان منفصلين” ، وتنطبق نفس الردود على جبال النوبة والشرق، ولا مانع لدى البعض من أن تنقسم العاصمة المثلثة نفسها إلى ثلاث دول ما داموا يتوقعون مكاسب من ذلك.
والمفارقة أن الشخص الوحيد الذي التف حوله السودانيون بشكل ملحوظ كان دكتور حمدوك، ولم يكن ذلك بسبب شخصيته الاستثنائية، كما يفترض البعض، وإنما لأن الثوار كانوا يتوقون إلى الانعتاق بأي شكل. لكن المحزن أنه لم يستثمر تلك الشعبية، واستجاب للضغوط بدلاً من مواجهتها بدعم الشارع، ليضيع المتآمرون كل شيء بينما وقف هو وحكومته يتفرجون.
فهل يعود إعلاميو وجماهير الناديين الكبيرين إلى رشدهم، حتى تُصبح الرياضة والفنون جسراً لوحدة السودانيين لا معولاً لتمزيقهم؟ ففي كل العالم يجتمع الناس حول الرياضة والفنون، إلا عندنا فقد تحوّلا إلى وقودٍ للفرقة والتناحر، بسبب الرموز الخاطئة التي تصدّرت المشهد في المجالين.
kamalalhidai@hotmail.com
