بسم الله الرحمن الرحيم
abdelmoniem2@hotmail.com
لا يسلم أحدٌ من الأيديلوجيَّة؛ لأنَّها ذات علاقة وثيقة بانتماء وولاء الإنسان لقاعدته الآمنة التي تحفظ وتدافع عن غريزة بقائه، وهي عبارة عن تعلُّق عاطفيٍّ لأشخاص ومكان القاعدة الآمنة لا يلتزم بمنطق العقل.
ويبدأ تكوينها أوَّلاً في دائرة الأسرة الصغيرة وتتَّسع الدَّائرة، حتى تشمل دائرة العالم بأكمله، أو تصغر حتى تشمل الإنسان لوحده، حسب حالة الأمان التي يحسُّها الإنسان ومصدر التَّهديد له.
وهي في العادة تتكوّن من بيت والديك حيث وُلدتّ ونشأت، ثمّ عائلتك الكبيرة، ثمّ الحيّ أو الفريق، ثمّ القرية أو المدينة، ثمّ المحلّية أو المحافظة، ثمّ الولاية، ثمّ الإقليم، ثمّ الوطن، أو القبيلة ثمّ الشعب ثمّ الأمّة. هذا التّرتيب يحدث في الأمور المُجسّمة الظاهرة، مثل الوالدين والبيت، عندما لا يكون هنالك سبب للتغيير، ولكن “قاعدة الأمان” هذه قد تتغيّر إذا كانت هنالك “منظومة فكريّة” جديدة مُتحدّية ومُغايرة لمجموعة الأفكار السائدة، التي تمثِّل الثقافة الشعبيَّة المحلِّية لدوائر القاعدة الآمنة، وفي هذه الحالة تتغيّر من الأشياء المحسوسة إلى الأشياء المعنويَّة مثل عالم الأفكار والعقائد والأماكن التي تمثِّلها مثل ارتباط المسلمين بمكَّة المكرَّمة أو ارتباط الشيوعيين بموسكو في القرن السابق.
فإذا هاجمت الأرض مثلاً جيوش من مجرَّات شمسيَّة أخري فمعظم النَّاس في كلِّ أنحاء العالم ستتَّحد لتصُدَّ الجيوش الغازية، ما عدا قلَّة من البراغماتييِّن قد تقف معها خوفاً أو طمعاً في مالٍ أو سلطة تغليباً لمصلحتهم على مصلحة الآخرين حتى وإن كان فيها شامل الدَّمار لهم في وقت لاحق.
ولذلك فالأيديلوجيّة، كمجموعة أفكار صِرْفَةٍ بدون نشاطٍ سياسيٍّ، يمكن أن تُوجد عند شخصٍ واحدٍ أو عند مجموعة من النّاس، وقد يلحقها عمل اجتماعيّ أو سياسيّ لتحقيقها. وهي قد تكون حميدةً أو خبيثة مثل الطَّاغوتيَّة الخبيثة والحميدة، ولذلك فلا يجب إذن أن يُطلق عليها اسم الأيديلوجيّة الخبيثة إذا لم تتحقّق فيها المعايير الثلاثة التالية:
أوّلها درجة يقين حامل مجموعة أو منظومة الأفكار في حقيقتها إذا كانت مُطلقة وليست نسبيّة.
وثانيها كيفية سعي حامل مجموعة أو منظومة الأفكار لتطبيق أفكاره إذا كانت قسراً وليست اختياراً.
وثالثها نتيجة تطبيق منظومة الأفكار إذا كان قد أدَّي للفساد أو الفوضى.
هذه المعايير تُساعد على تصنيف مجموعة الأفكار أو منظومة الأفكار فإن كانت درجة اليقين مطلقة، وطريقة تطبيق الأفكار قسريَّة ونتيجتها ضارَّة فهذه أيديلوجيَّة خبيثة.
والأيديلوجيَّة الحميدة هي نتاج الثَّقافة الشعبيَّة التي تُميِّز قبيلة دون أخري أو شعباً دون آخر، وقد تشمل بعض صفات الأيديلوجيَّة الخبيثة مثل الاعتقاد العنصري بتفوُّق قبيلة على أخري، أو شعب على آخر.
أمَّا الأيديلوجيَّة الخبيثة فهي نتاج الثَّقافة السلطويَّة أو الإعلاميَّة التي يتَّفق عليها نسبة قليلة من كلِّ قبائل وشعوب البشر ثمَّ يحاولون تطبيقها على جميع البشر بالإكراه على أنَّها الحقَّ الوحيد مثل الإسلام السياسي وليس الإسلام في علياه، والنَّظريَّة الشيوعيَّة، والدَّعوات القوميَّة وما شابه.
فهي تستخدم احتكار الإعلام لتوجيه عقائد النَّاس وتغيير ثقافتهم المعهودة لثقافة جديدة، والتي هي في الأصل تتعارض مع الثَّقافة الشعبيَّة مثل الثقافة الاشتراكيَّة في أيَّام حكم جعفر النميري العسكري أو ثقافة الجماعات الإسلاميَّة باختلافها من سلفيَّة وداعشيَّة وليبراليَّة وإخوان مسلمين.
ولا يختلف أثر هذا الاحتكار إذا كان يصدر من جهة ديموقراطيَّة أو شموليَّة بل فقط تختلف درجة التَّوجيه وأسلوبه في الوضوح والتَّخفِّي.
فالإعلام في الولايات الأمريكيَّة المتَّحدة لا يختلف عن الإعلام في كوريا الشماليَّة إلا في الدَّرجة وليس في النَّوع، فكلاهما يبثَّان رسالة تُمجِّد “منظومة الأفكار الخاصَّة بهما إن كانت رأسماليَّة لبراليَّة أو شيوعيَّة.
بل إنَّ درجة التَّأثير للإعلام الأمريكي أكبر لأنَّها ذات طبيعة تبدو حميدة وتلتحف “حريَّة الرأي” كغطاء فيغترُّ بها الكثير من النَّاس في أرجاء العالم بينما نجد أتباع الشيوعيَّة في تناقص.
وكما قلنا من قبل فإنَّ الفرق بين مجموعة ومنظومة الأفكار، حسب اجتهادنا، هو أنّ الأولي لا يدخل فيها نشاط عقلي واضح وإنّما هي مجموعة من الأفكار يكوّنها فرد بلا ترابط منطقيٍّ، ولا مرجعيّة علميّة، ولا نشاطٍ ذهني خاص، وفي أغلب الأحيان تكون نتاج موروث فكريٍّ من بيئته التي نشأ فيها، ولها تبرير ذاتيٌّ تُحدّده وتتحكّم فيه طبيعة الشخص أو ظروفه.
ومثال ذلك من يؤمن بطريقة مُعيّنة للحياة لأنّه وُلد في هذه البيئة ولم يغادرها قط، ويكون الولاء لهذه الطريقة مبنيٌّ على مجموعة الأفكار المتوارثة والتي قد أبدت جدواها للنّاس في حفظ غريزة بقائهم في محيطهم لأنّهم لم يعلموا غيرها، فتصير هذه المجموعة من الأفكار تماثل مجموعة العادات المُتّبعة في البيئة التي يعيش فيها الشّخص وتضمن استمراريَّة حياته. مجموعة الأفكار هذه لا تؤثّر إلا في الشخص المؤمن بها ما دام يعيش في سياقه وسط أشخاص آخرين يشاركونه هذه المجموعة من الأفكار بعيداً عن تأثير الثقافات الأخرى.
وإذا سألت أحداً يحمل هذه المجموعة من الأفكار عن مصدر أفكاره ولماذا يتّبعها؟ فستكون الإجابة: لأنّ أهلنا علّمونا هكذا، أو هو العرف في المجتمع، أو كلّ النّاس تقوم به. مثل هذا الشخص لا يريد أن يُتعب ذهنه بأشياء لا تُجدي في وجهة نظره لأنّه لا يحتاج إليها. درجة الوعي في هذه الحالة ضئيلة لأنّ تيّار الحياة لم يتغيّر وبالتّالي لم تُتح لهذا الشخص فرص معرفة أخري ليقارن بها.
هذا التّمسّك بالطريقة المعيّنة للحياة تفرضه غريزة البقاء لأنّها تُفضّل المُجرّب من الأمور، حتى وإن كان الأفضل منها متوفّراً، وتكون هنالك مقاومة طبيعيّة للتغيير؛ لأنّ التّغيير يهدّد “قاعدة الأمان” التي يلجأ إليها أيُّ إنسان حين تُحدّق به المخاطر.
فالعلماء في العَالَمُ مثلاً يكتشفون نباتاً وحيوانات، وظواهر طبيعيّة في كلّ قرن ويعطونها أسماء تُعرف بها، فهل هذا يعني أنّها لم توجد إلا حين اكتشفوها؟ بالطبع وجودها في وعينا بعد اكتشافها أبرزها لعالمنا ومثل ذلك ينطبق على الأفكار. فالكتب المقدّسة تُسمِّي آياتها بالعلم، وهو علم أفكار يُعطي تعريفاً للحياة ولغايتها، وتفسيراً لمضمونها، وذلك ليوسِّع الوعي الإنساني بها ويزيد من رصيده المعرفي والأخلاقي بل والسياسي. هذا نوع من “علم الأفكار”.
ونجد آخرين أنكروا وجود إله أو أنكروا تدخّله في شأن الناس إن وُجد حسب زعمهم، تعالي الله علوَّاً كبيراً، واتّبعوا فلسفة مادّية بحتة منذ أيّام الفلاسفة الإغريق الأُول مثل أبيقور وديموقريطس، ودافعوا عن نظريّاتهم التي لم يسندها دليل علميّ ولا منطقيّ واحد، وإنّما كانت مُجرّد آراء صيغت في شكل حقائق قيلت بثقة زائدة، فهل لا يمكن تسميتها بعلم الأفكار في سياقها التّاريخي؟
إذن محاولة أنطوان دستوت دو تراسي وصحبه من الأيديولوجيين لم تتعدّ تسمية شيءٍ موجود أصلاً، وهو في ماهيّته لم يكن أكثر من إسباغ العلميّة على عالم الأفكار، كما تمَّ في عالم العلوم الطبيعيّة، والتي هي أيضاً محاولة لإعطاء تفسير علمي للواقع حتى يتمُّ فهمه والتّعامل معه.
وقد كان قصد دو تراسي الأساس هو تأسيس علمٍ جديد يدرس الأفكار بطريقة علميّة تؤدِّي إلى نتائج صحيحة تماثل نتائج العلوم الطبيعيّة والتجريبيّة التي تقدّمت في عصره.
وقد كان هذا المنهج نتيجة انبهار وغيرة من غلبة العلوم الطبيعيّة والتطبيقيّة في ذلك الزمان واستلامها زمام المبادرة ممّا أدّي إلى قيام الثورة الصناعيّة الأولي.
ويبدو أنّه ومجموعته كانوا يسعون للتفريق بين الأفكار التي تنشأ من تجارب ذاتيّة، أو مفاهيم خاصّة، وتلك التي تنشأ من تفكير علميٍّ يعتمد على الموضوعيّة العلميّة بالنّظر إلى وظائف جسم الإنسان الفيزيولوجيّة والنّفسيّة. أيْ أنَّ منهجه كان يتّجه داخل الإنسان لا خارجه، وبذلك فالوعي المُتكوِّن، والفهم للواقع الخارجيِّ، هو نتيجة استقبال العقل للواقع وهضمه، والحكم عليه بعد عرضه على المخزون المعرفي التراكميِّ للإنسان الـمُستقبل لإشارات الواقع، وعليه فهو الذي يجب أن يُعوّل عليه لفهم العالم في نظرهم لأنّه أقرب تفسير صحيحٍ للواقع.
وقد تمَّ هذا في سياق عصر الأنوار، بعد معارك فلاسفتها وعلمائها مع الكنيسة، وتحرّرها من قبضة التفسير الدّيني، والذي يقوم على التفسيرات الجاهزة التي وفّرتها الكنيسة، والتي تعتمد على عالم ما وراء الطبيعة المشاهدة، بمعني الغيب، وهو يقوم على افتراض نقص العقل البشري وبالتّالي عدم مقدرته على فهم الواقع كما هو، وإنّما هو يحتاج إلى عقلٍ إلهيٍّ ذو كمالٍ وطلاقة علميَّة ليفسّر له الأشياء ويدّله على الطريق السليم.
الإحساس بالحريّة من سلطة الكنيسة واكتشاف حقائق علمية جديدة عزّز من ثقة طبقة البرجوازيّة، التي حاربت الإقطاع والكنيسة لاستخدامهما الدّين في تثبيت دعائم الإقطاع واستغلال النّاس، ولذلك رأوا في العقل البشري ملاذاً يوفِّر لهم حلولاً لتحرير الإنسان، وقد قامت نظريّتهم على افتراض أنّ الإنسان عالميٌّ وعقله شامل موزّع بين البشر أجمعين يمكن تجميعه إذا تكاتفوا، ولذلك كانت شعارات الثورة الفرنسيّة ترجمة لهذه المعاني الإنسانيّة كالحريّة والإخاء والمساواة.
وقد هاجم كارل ماركس نظريَّة دو تراسي وقدَّم نظريَّة الماديَّة التاريخيَّة التي تفسر العالم من مراقبة عوامله الخارجيَّة مثل علاقة الإنتاج، ولم يعتبر فكره أيديولوجيَّة والطريف في الأمر أنّ فلاديمير لينين غير هذه المفاهيم لاحقاً واعتبر المادّية التاريخية أيديولوجية.
يجب أن نفهم أنّ هذه الأفكار لا يمكن أن تنفصل، مثل بقيّة الأفكار، عن سياقها.
إذا كنّا نعني بالأيديلوجيّة “مجموعة الأفكار” التي يؤمن بها شخص ما تُعطي حياته تفسيراً مقبولاً له ومعني، موروثة كانت أو مكتسبة، فالإجابة تكون بلا، فمجموعة الأفكار قد تتكّون بلا وعيٍ بطريق الوراثة، وقد لا تجمعها قوانين متناسقة، بل وقد تمتلئ بالمتناقضات، أمّا إذا كنّا نعني بها “منظومة الأفكار”، فالإجابة قد تكون بنعم أو لا.
“فمنظومة الأفكار” تُوحي ببعض النشاط الذهني الذي قد يسعي لخلق “نموذج فكري” به اتّساق ما بين معلوماته، وقد يكون نتيجة لتفكير شخصٍ معيّن أو اتّباعاً لتفكير شخصٍ ما وجد في المنظومة أرباً أو هويً بعلمٍ أو بغير علم. فإذا كان المُفكِّر الأساس منفتحاً على بقيّة “المناظيم الفكريّة” يتبادل معها المعرفة يسدّد ويقرّب بين الأفكار ويطوّرها ولا يغصب عليها أحداً فلا يمكن تسميتها بالأيديلوجيّة.
وهذه سمة القلَّةِ من البشر حيث الموضوعيّة الفكريّة هي الأساس. أمَّا لو أنّ الشخص آمن بأنّ “منظومته الفكريّة” والتي هي من فكره واجتهاده البشري، على أنّها حقٌّ مُطلق لا يأتيه الباطل من بين يديها ولا من خلفها ولا مجال لمراجعتها، ولكن هذا الإيمان المُطلق نشأ عن بصيرة ودليل وإخلاص في النيّة لا عن اتّباعٍ لمجموعة أفكار ذاتيّة تقوم علي مجموعة من الافتراضات التأويلية، أو الأفكار التي تداعب الغرائز والمخاوف، أو خبثٍ في المقصد مثل السعي للسلطة؛ فهذه أيديلوجيّة حميدة إذا ما لم يستغلًّها الإنسان ويقم بالدّعوة إليها بطرقٍ خبيثة مثل تَصيُّد البسطاء، أو إغراءهم بالمال، أو التّظاهر بالعلم أو التّقوي.
والمعيار الثاني للتفريق بين الأيديلوجيّة الحميدة من الأيديلوجيّة الخبيثة هو عدم قسر النّاس عليها حتى وإن كانت حقّاً في نظره أو نظر الآخرين، لأنّ ضررها؛ إن كانت باطلاً، لا يمتدُّ إلى أبعد من دائرته الخاصّة، وإن كانت حقّاً أتي الناس إليها طواعية بوعيٍ فطبّقوها إن كان فيها نفعهم، أو تركوها إن كان فيها ضرّهم، أو طوّروها، ولكنّهم لا يُعطونها صفة القداسة أو الإيمان المُطلق بحقيقتها.
إنَّ الفوضى التي تسود أرض المسلمين اليوم نتيجة الأيديلوجيَّة ليست بغريبة عن الفوضى التي سادت منذ الأيَّام الأخيرة لسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه إذ كان الإمام علي بن أبي طالب، كرَّم الله وجهه، يحارب على أربعة جبهات أيديولوجيَّّة ثلاث منها داخليَّة: أوَّلها بني أميَّة وثانيها الخوارج وثالثها جنوده من أهل العراق والأعراب؛ إذ كانوا كما وصفهم سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه “أسوأ جند”، ورابعها خارجي وهي الدُّول المحيطة به.
وقد كان أساس النَّزاع بين الفرقاء هو السعي لإضفاء الشرعيَّة على سلطةٍ ما تدَّعي ملكيَّة الحقِّ؛ إن كانت ملكاً أو شموليَّةً أو دينيَّة. والسلطة تعني القوَّة والغلبة، والغرض لامتلاكها يختلف من مجموعة لأخري، ولكن لا أحد منهم يدَّعي بأنَّ سلطته ليست في مصلحة النَّاس جميعاً، أو أنَّ مصلحته الخاصَّة لا تدخل كعامل إلا كالشعور بالرِّضا على جعل العالم مكاناً أفضل، أو ابتغاء الجزاء الأوفى في الحياة العليا إن كان من المؤمنين.
وانتماء الأفراد للطوائف والأحزاب دافعها الأوَّل هو إيجاد معني للوجود يعطي إحساساً بالأمان، ويساعد على مقارعة شدائد الحياة، فالحياة بلا عازل كالذي يمشي على الشوك بلا حذاء. وهذا التَّنافس في مراكز القيادة لامتلاك السلطة التي تهب القوَّة الشرعيَّة لتغيير العالم يتمُّ باستخدام الأيديولوجيَّة.
والحقُّ دائماً لا يصبر عليه إلا القليل، ويكون أهله عرضةً للعذاب والموت في الغالب، أو بعض النَّصر في في أحيان أُخر. فتأمَّل ما حدث للرُّسل من تعذيب وقتل ولخلفاء رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من قتل.
وقد تكرَّرت هذه الدَّورات من الفوضى وستتكرَّر في مستقبل الأيَّام، ونحن في دورة شبيهة يقاتل فيها أهل الحقِّ؛ على قِلَّتهم وتشرذمهم، ملوكاً أو طواغيتاً حكموا النَّاس عنوةً فوفَّر بعضهم الغذاء والكساء يعلفون النَّاس كما يعلفون البهائم ويمنُّون بذلك عليهم من بعد أن حرموهم الكرامة الانسانيَّة والاستقلاليَّة الفكريَّة.
والبعض الآخر حرمهم من كلِّ شيء حتى من حقَّ الحياة. والملك في أوَّله لا يأتي إلا غصباً، ولا يقيم إلا غصباً حتى تهدَّه وتنزعه يد ملكٍ آخر ظالم مثله، أو ثورة جياع ونجد ذلك في قوله سبحانه وتعالي:
” وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا”
وأهل الحقِّ الآن يقاومون باللسان خوارج زماننا من دولة خلافة إسلاميَّة وأشباهها، ويواجهون حكومات الأيديولوجيَّة الطَّائفيَّة الشموليَّة وغيرها، ويقاتلون في جبهتهم بعضهم بعضاً تنافساً بعد أن فقدوا الثِّقة في أنفسهم وفي غيرهم، وأيضاً يحيط بهم عدوٌّ خارجيٍّ يشتري ذمم البعض، ويحتلُّ أرض البعض ويسوم الآخرين سوء العذاب.
ولذلك منذ انتشار الحكم الشموليِّ في أرض المسلمين على أيَّام سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، إلى زماننا هذا، والنَّاس ترزح تحت نير الطُّغيان من ملوكها الذين حرموا المسلمين التَّفكير في مسائل الحكم؛ التي اعتبروها محسومة، ولم يكن من المستطاع أن تتطوَّر مفاهيم ونماذج القيادة الرَّشيدة باستخدام التَّفكير المُستقلِّ، والتَّجربة الحرَّة بلا نماذج جُرِّبت، ولكن لا يعني ذلك أنَّ النَّماذج التي تركها المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم والخلفاء الرَّاشدين رضوان الله عليهم لا يمكن أن تتطوَّر فهم قد وضعوا أسساً كثيرة يمكن البناء عليها.
ومع الفراغ الفكري الذي كوَّنه حجر السلطة على حريَّة التَّفكير اضطُّرَّ العلماء لحشوه بالتَّفكير الزَّائد في أمور العبادات بدلاً من المعاملات أو تطوير منهج إدارة الموارد البشريَّة والماديَّة. فالمسألة في أصلها مسألة حريَّة في التَّفكير والتَّجريب بلا شطط ولا إكراه، ولكن بوجود القيادة الغاشمة فهذا ليس من الممكن أو من المحتمل إذ أنَّها لا تستطيع أن تتحمَّل مجرَّد فكرة قد تقود لزوالها ناهيك عن تجربة. وهذا أسَّ البلاء مع دورة الحكومات الشموليَّة منذ ملك بني أميَّة.
وقد كان ديدن الحكم أصلاً قبل ظهور المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم ملكيَّاً في معظمه، كعلاقة زواج بين الملك وبين الكاهن يتقاسمان السلطة ويسندان بعضهما بعضاً من أجل إضفاء شرعيَّة على السلطة وذلك لاستخدام القوَّة لسيادة الشعوب واستعبادها وتأديبها وإكراهها على الطَّاعة إن تمرَّدت.
وقد انكسرت شوكة المقاومة في معظم الشعوب التي تحضَّرت تحت سلطة الملوك لأنَّ غريزة بقائها ارتبطت بما يهبه لهم السلطان وبانعدامه كانت ستتعرَّض حياتهم للفناء فنمَّت فيه خصلة الإذعان وضمر طبع المقاومة، ما عدا القبائل البدويَّة التي احتفظت بنوعٍ من الاستقلاليَّة وحافَّةٍ من الحريَّة، وإن كانت معظمها تحت حماية ورعاية واحدة من الإمبراطوريَّات التي لم تجد في استعمار هذه القبائل نفعاً لجدب بيئتهم.
وقد ساعدت ثقافة البداوة في انتشار الإسلام لأنَّ رسالته كانت واضحة وبسيطة وتخاطب كلّ مستويات الفهم بلا تعقيد، وهي تناسب ثقافتهم الشعبيَّة البسيطة، خاصَّة توجيه ثقافة القتال لعدوٍّ خارجيٍّ بوعد حسنيين وهما الغنيمة في الحياة الدُّنيا أو الجنَّة في الحياة العليا، فأدَّي ذلك لتوحُّدهم كما يقول مثلهم: “أنا وابن عمِّي على الغريب”.
وقد كانت القبائل الوحيدة في زمان المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بثقافتين مختلفتين ومتناقضتين هي التي قطنت مكَّة المكرَّمة، فهي دار استقرار وأمان وعلى ذلك دخلتها التِّجارة كحرفة أهل المدن، والتي عيَّرهم بها أعراب البادية إذ كانوا يعتبرونها من الحرف الوضيعة مقارنة بكسب الفارس البدوي من عطاء سيفه سلباً ونهباً. وكان أهل قريش أيضاً يعتبرون أهل بادية يرعون إبلهم ويعتزُّون بالقيم البدويَّة، ولكن كانوا في نفس الوقت في حالة زواج شرعي بين السلطة والدِّين لوجود الكعبة المباركة فيها واجتماع النَّاس عندهم في مهرجان الحجِّ والتِّجارة، والمنافسة الرياضيَّة والأدبيَّة، وبذلك تمَّت لهم الشرعيَّة الكاملة لرئاسة الأعراب وصاروا “حاضنة الثقافة العربيَّة”.
وبذلك فلم يكونوا أهل حضارة كاملة ولا أهل بداوة كاملة، ولا أهل عقيدة غالبة، لأنَّهم كانوا ورثة سدانة للكعبة التي أعطتهم شرفاً معنويَّاً يتميَّزون به على بقيَّة القبائل وأيضاً مصدراً للرِّزق. ولذلك مجتمع مكَّة مثَّل لأوَّل مرَّة في تاريخ البشريَّة الطَّبقة الوسطي التي تقع بين عالم الملوك وعالم المملوكين، والتي ازدادت توسُّعاً بعد الإسلام إلا في أوروبا التي لم تعرف غير سلطة الإقطاع والكنسية حتى عصر التَّنوير وانتشار التَّعليم، ومنها انبثقت الفلسفة اللبراليَّة والعلمانيَّة التي تبنَّتها مجموعة من الفلاسفة والمثقَّفين كعقيدة وأيديلوجيَّة بديلة حلَّت مكان الدِّين والكهنوت كسندٍ للسلطة، إذ لا يستطيع الإنسان أن يعيش بغير إيمان بشيء، فخرجت من أعطافها الثورة الفرنسيَّة.
ولذلك لم يطابق سلوك المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم كقائدٍ ما اعتاد النَّاس من ملوكهم يأمرون فيُطاعون عنوةً أو اختياراً، أو من رؤساء القبائل يطاعون اختياراً، وإن كان نهجه القيادي أقرب لقيم البداوة حيث الحريَّة والمساواة، يسأل أصحابه بلطف ويسألونه بلا خوف أو تردُّدٍ، بل ولا يجيبون أمره في بعض الأحيان، كما في حلف الحديبية ولا يعاقبهم بل يستشير امرأة ولا يجد بأساً في ذلك، وكان يقول لهم دائماً عندما يلتزمون بفعل شيءٍ أو يعدون به: “ما استطعتم منه”.
والمعني في أمر الاستطاعة ليس المقصود به ما لا يمثِّل مشقَّةً والرُّكون للرَّاحة بل كان القصد منه الابتعاد عن مرحلة الألم أو العذاب حيث يتمُّ الضَّرر. فللإنسان أربعة مراحل شعوريَّة عند الفعل أوَّلها المتعة وثانيها الرَّاحة وثالثا المشقَّة ورابعها العذاب. وقد كان حظُّ الإنسان بعد هبوطه للأرض مرحلة المشقَّة ووُعدَ بمرحلتي الرَّاحة والمتعة في الجنَّة في حالة الطَّاعة وبالعذاب في حالة العصيان.
والذي يريد متعةً وراحة متَّصلتين في هذه الحياة الدُّنيا يعيش في ضلال، فهما دائماً نتيجة مشقَّة متَّصلة، فإنَّك إن أردت أكل شيء تحبُّه فيجب أن تشقي بشرائه، وطبخه، ومضغه وبلعه وهضمه وإخراجه، وفي كلِّ مرحلة شقاء ومصدر خطر. وحالة العافية لا تأتي من الرَّاحة والمتعة وإنَّما تأتي من مرحلة المشقَّة كأن تقوم من نومك لتصلِّي أو تذهب للعمل.
ولقد أشكل وضع المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم القيادي على أصحابه وعلى عامَّة النَّاس، فهو كان منهم وليس بمثلهم، وله وضع خاصٌّ كنبيٍّ مُرسلٍ له هيبة، ولكن سلوكه سلوك إنسان متواضع لا يرضى أن يقوم له النَّاس، ويجلس في آخر المجلس كما يجلس العبد، ويأكل كما يأكل العبد.
ولذلك فقد اختلط الأمر في أذهان النَّاس؛ فهم أهل بداوة متنقَّلة وحضر مستقرٍّ والمصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم لم يطابق تصوّرهم الذهني كقائدٍ لقبيلة بدويَّة، أو كملكٍ في حضر فهو ابن استقرار وربيب بداوة. فقائد القبيلة له مكان مميَّز وحقوق أكثر من أفراد القبيلة على أساس أنَّه يمثِّل دور الأب في الزَّود عن القبيلة، وتأمين حياتها، ودفع دِيَّاتها ولكن المولي عزَّ وجلَّ نفي عنه صفة الأبُوَّة:” مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ”. أمَّا الملك فيظهر من قوَّة السلطان التي تحجبه عن عامَّة النَّاس وتميِّزه عنها حتى إنَّ بعض الأمم قد ألَّهت ملوكها.
وبذلك فقد ضرب المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم مثلاً جديداً للقيادة بين الحاكم والمحكوم يقارب فيه بين الإخلاص لمبادئ الرسالة مع الوعي بطبيعة البشر، ثمَّ محاولة إدارة الاختلاف بين المبادئ والطَّبيعة، تنزيلاً لمبادئ الرسالة للواقع، ورفعاً لطبيعة الإنسان لأعلى. وفي رسالته تحديد لحدود الحريَّة لئلا يتمُّ التَّعدِّي عليها وبهذا التَّحديد يضمن الأمان للإنسان فتصير الحريَّة وجه لعملة تحمل الأمن في الوجه الآخر وتتقلَّص المسافة بين الحريَّة وتحقيق الأمن إذ تصير علاقة تكامليَّة لا تناقضيَّة إذا تمَّ ذلك برضا الإنسان لأنَّه عندما يريد حريَّةً يمارسها يريد معها أمناً يمكِّنه من ممارستها.
هذا المفهوم هو ما يميِّز بين شريعة الإسلام وشريعة الإنسان ففي شريعة الإنسان تتقلَّص مساحة الحريَّة إذا تهدَّد الأمن وتزيد مساحة الأمن تمدُّداً حتى لا تبقي مساحة للحريَّة. والإسلام قدَّم احترام الحريَّة على احترام الأمن ولكنَّه عرَّف الحريَّة بالرُّخصة لعمل الخير، فإذا أتي الإنسان بعمل الشرِّ سقط عنه الحقّ في الحريَّة والأمن. وحذَّر الله سبحانه وتعالي الذين يهينون من كرَّم الله وقال سبحانه وتعالي:
” وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ”. ولذلك فإذا ضيَّق قائد مساحة الحريَّة ووسَّع مساحة الأمن في غير اضطِّرار، مثل هجوم عدوٍّ خارجيٍّ، فإنَّه إنَّما يفعل ذلك من أجل نفسه لا من أجل شعبه.
وقد قام المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم بواجب القيادة بحكمةٍ عاليةٍ في عمليَّة التَّغيير المنشودة مستثمراً في الإنسان ومهتدياً بهدى المولي عزَّ وجلَّ، إذ أنَّ الحاكميَّة كانت لله مباشرة تهديه وترشده لفعل الخير ولكن كانت الخطَّة النِّهائيَّة أن يترك المولي كتاباً محفوظاً لا يمسُّه التَّغيير، ومشروحاً بسنَّة رسوله حتى يفقه النَّاس ما لهم وما عليهم ورجالاً ونساءً، وقد تشرَّبوا بهما وطبَّقوهما على أنفسهم قبل غيرهم:
” تركتُ فيكم أمرينِ؛ لن تَضلُّوا ما إن تمسَّكتُم بهما: كتابَ اللَّهِ وسُنَّتي، ولن يتفَرَّقا حتَّى يرِدا عليَّ الحوضَ “.
وذلك حتى يسير عليهما النَّاس أبد الدَّهر فتنتهي الحاكميَّة المباشرة لله سبحانه وتعالي، إذ أنَّ المصطفي آخر الرُّسل، ليهيمن الكتاب والسنَّة من بعد ذلك على كلِّ المناهج فيكون الفصل في الاختلاف بلا إكراه:
” فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ”.
وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم متوتِّرة أزليَّّاً، إذ أنَّ الإنسان منفعيٌّ بطبيعته لا يكترث بمصلحة غيره إلا إذا كانت فيها مصلحته، وهو أعدي أعداء نفسه وغيره إذا كان يمرُّ بظرفٍ يهدِّد غريزة بقائه، ولذلك مبادئ رسالة الأديان لا تُمثِّل طبيعة الإنسان الفطريَّة البدائيَّة وإنَّما تحاول ترويضها أو تعديلها ورفعها من مرحلة البدائيَّة القحَّة لمرتبة مدنيَّة أرقي، حتى توفِّر تعايشاً بين أفراد المجتمع، وبين المجتمعات الأخرى من أجل أن تسود قيم السلام في أغلب الوقت بدلاً من أن تسود قيم الحرب التي لا بدَّ منها للإنسان البدائي، وبذلك تُهيِّؤ لمرحلة النِّظام لتحلَّ مكان الفوضى في دورة الحياة.
وكلّ تعاليم الإسلام، إذا تأمَّلنا فيها، هي منهج لتغيير سلوك الإنسان من البداوة للتَّمدُن، مع الاحتفاظ بالبعد الأخلاقي وتقويته، وأيضاً تشذيب السلوك المتطرِّف مثل أن يشجِّع خلق الشجاعة وينهي عن التَّهوُّر كالذي يصقل حجراً كريماً.
والهدف هو حسن الاستقرار والمقام: ” حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا”، وهو سبيل المعاملة الطيبة والسلام: ” وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا” ولذلك: ” خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا”، فالإنسان لا يريد أن يغادر مكاناً يوفِّر له زاده المادِّي والمعنويِّ ولا يجبره على ذلك إلا العذاب.
وحسن الاستقرار يخصُّ المكان وبيئته ووفرة موارده، أمَّا حسن المقام فهو الحالة الشعوريَّة الراضية والمطمئنَّة لساكني المكان. وقد يكون المكان مليء بكلِّ أنواع الموارد وأسباب التَّرف ولكنَّ ساكنه لا يستطيب مقامه كما في حال المواطن في دولنا الإسلاميَّة. أمَّا إذا انعدمت الموارد والكرامة الإنسانيَّة فهي:
“ساءت مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا”، وفي ذلك العذاب: ” رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا”.
والنَّاس عامَّة ترهب الحاكم ولا تري فيه إلا مصدر سيطرة ونقصانٍ لما يملكون، وتبتعد عن طريقه ما استطاعت، ولا تري في وجوده إلا ضرورة لا رغبة مثل أن تذهب للمستشفى إذا كنت مريضاً، وحين تتغيَّر هذه العلاقة ويصير المحكوم أحرص على مقابلة الحاكم وأن يسعي لإرضائه وتلبية أوامره يكون هناك واحدٌ من أمرين:
أن يكون الغرض رهبة أو محبَّةً، ولا ينقل النَّاس من منزلة الرَّهبة إلى منزلة المحبَّة إلا الأخلاق، وأوَّل الأخلاق العدل، وثانيها إحسان العمل، وثالثها الإنفاق. وإذا تأمَّلنا منهج المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم في الحكم فلم يتجاوز ذلك تنفيذاً لقول المولي عزَّ وجلَّ:
” إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى”
وقول المصطفي صلَّى الله عليه وسلَّم:
“إنكم لن تَسَعوا الناسَ بأموالِكم، ولكن يَسَعهم منكم بَسْطُ الوجهِ، وحُسْنُ الخُلُقِ”
ولذلك مثلاً قول إنَّ الإسلام دينٌ ودولة لا يشي بفهم طبيعة الإنسان وطبيعة الدَّولة، فالدَّولة هي حاكم ومحكومين يتشاركون أرضاً، والأرض لا تدخل في الصراع بين الحاكم وبين المحكومين إلا كعامل للصراع، أي أنَّها لا تبدي رأياً ولا تقود ثورة، ولكن وضعها متعادل يعيش عليها النَّاس ويتصارعون من أجلها ولكنَّها بما فيها تمثِّل الوطن.
والإسلام لم يأت ليستثمر في الأرض ولكنَّه أتي ليستثمر في الإنسان أوَّلاً، وهو الذي سوف يستثمر الأرض بحكمةٍ تحقيقاً لأمر الخلافة، وإيفاءً لقبول الأمانة. فالذين يستثمرون في مفاهيم الدَّولة وينسون الإنسان ينسون أنَّ الدَّولة لم تكن لتكون لولا وجود الإنسان، وأنَّ الأرض خلقت له ليديرها ولم يُخلق لها لتديره. وحتى لو استثمروا في مفاهيم حديثة مثل الدَّولة اللبراليَّة أو دولة الدِّيمقراطيَّة فإنَّما هم يستبدلون عقيدة بعقيدة، وصنميَّة بصنميَّة، وأيديولوجيَّة بأيديلوجيَّة، فهذه اجتهادات إنسانيَّة يجب أن تؤخذ بحذر وعقلٍ نقديٍّ لا بإيمانٍ أعمي.
ولا يوجد بشرٌ إلا ويوجد صراع بينهم بحكم طباعهم البدائية التي فطرهم الله عليها من تنافس وأنانيَّة وجشع وشحٍّ وحسد. يتعاونون إذا هدِّدت مصالحهم، ويتصارعون إذا استقرَّ أمرهم، ولذلك فمفهوم الإسلام لهدايتهم لسبل السلام لا يتماشى مع طبيعة البشر إذ هم يودُّون هذا السلام لأنفسهم ويضنُّون به على غيرهم.
وأمثالهم مثل: “أنا وأخي على ابن عمِّى وأنا وابن عمِّى على الغريب” توضِّح أولويَّات الولاء وطبيعة البشر العدائيَّة الأنانيَّة. والأجدر أن يقول المثل: “أنا على أخي، وأنا وأخي على ابن عمِّي، وأنا وابن عمِّي على أبناء وطني، وأنا وأبناء وطني على الغريب”.
يجب أن نفهم أنَّ الإسلام عندما أتي بمفهوم الأخوَّة بين المؤمنين: ” إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ”، فقد أتي بمفهومٍ غريبٍ على أهل البادية يتجاوز مفاهيم الأخوَّة الأسريَّة والقبليَّة إلى نوعٍ جديدٍ من الأخوَّة، وهي الأخوَّة الإيمانيَّة، وبذلك ثبَّت مبادئ المساواة بينهم جميعاً وصرفهم عن عصبيَّة العرق لأخوَّة المبدأ وهو أعلى مكاناً وأقوي آصرة.
وهذا يشرح كيف أنَّ سيدنا أبوبكر الصدِّيق رضي الله عنه كان يحارب مع جيش المسلمين وابنه عبدالرحمن كان يحارب في جيش المشركين، وبعد إسلام الابن قال لأبيه أنَّه كان يتجنَّبه في ميدان المعركة فردَّ الأب بأنَّه لم يكن ليتجنَّبه إذا رآه، فهو في نظره لا يمتُّ إليه بصلة مثل ابن سيدنا نوحٍ عليه السلام.
ونري أنَّ المولي عزَّ وجلَّ بعلمه لمن خلق يعرف طبيعة الإنسان وميله للصراع والتَّنافس حتى مع إخوته فربط مفهوم الأخوَّة بمفهوم الصراع فقال: “فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم”، ولنا في ابني سيدنا آدم وأبناء سيدنا يعقوب عليهما السلام أفضل مثل.
والذين يظنُّون أنَّ مُجرَّد الدُّخول في الإسلام والالتزام بمبادئه سوف يخلق مدينة فاضلة واهمون لا يدرون طبيعة الإنسان، وبفهمهم هذا يضرمون نار الفوضى أكثر من إطفائها، فالغرض هو معرفة الطَّبيعة ومن ثمَّ التَّعامل معها بواقعيَّة أنَّ الإنسان مجبول على الطغيان بتقرير المولي عزَّ وجلَّ: ” كَلا إِنَّ الإنْسَانَ لَيَطْغَى”، خاصَّةً إذا كانت له سلطة مالٍ أو حكم أو جاهٍ يستغني بها عن الآخرين: ” أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى “، فكلمة كلَّا هي ردٌّ على من يظنُّ أنَّ الإنسان عقلانيٌّ يعرف مصلحته إذا رأي الدَّليل وأقرَّ بالبرهان.
ولهذا فقد قدَّم المولي عزَّ وجلَّ مفهوم الشعب على مفهوم القبليَّة عندما خاطب النَّاس كافَّة ودعا للتَّعارف بينهم، برغم من أنَّ الشَّعب يتكوَّن من القبائل حتى في الدُّول التي تُسمَّي متحضِّرة التي لا تزال القبليَّة فيها بنفس البدائيَّة إذا أُطلقت من إسارها، ولتعرف هذه الحقيقة فادخل لمباراة كرة قدم بين فريقيّ نيوكاسل وسندرلاند وهما تمثِّلان قبيلتي الجوردى والمَكّنْ لا يفصل بينهما إلا نهر وستري عجباً من البدائيَّة التي تصل الموت. فالدَّعوة الأساس في دين الإسلام هي لتنمية ملكة التَّقمُّص بيننا كأفراد للقبائل لنفهم بعضنا البعض، ونشعر ببعضنا البعض، فنكسر حاجز الجهل لنبني دار السلام، فالمرء عدوُّ ما يجهله.
فالقصد هو أنَّ الأصل واحدٌ، والغرض هو التَّلاحم والتَّعاون لا التَّنافر والتَّحارب، وإعلاء مبدأ الأخوَّة الإنسانيَّة على مبدأ الأخوَّة الإيمانيَّة إذا ما أظهر النَّاس السلام، وتوضيح الفرق بين النَّاس بمبدأ التَّقوي، والتَّقوي أمر تحصيلها عظيم وصعبٌ كتسلُّق الجبال الشَّاهقة.
ومعني ذلك أن يسعي الإنسان، مهما كان دينه لنشر ما يؤمن به بالإحسان ويتَّقي ضرر النَّاس، لأنَّ الإيمان بالله وتقواه لا يعلمه إلا الله، والكلُّ يدَّعيه، وحسابه عليه، أمَّا الإنسان فهو العامل الوحيد المشترك بين البشر:
” يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا”.
وهذا المعني كان آخر وصيَّة للمصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم لتعريف المسلم والمؤمن بسلوكه وليس إعلان الإسلام أو ادِّعاء الإيمان:
“وسأخبرُكم مَنِ المسلمُ؟ المسلمُ من سلمَ النَّاسُ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمِنهُ النَّاسُ على أموالِهم وأنفسِهم، والمهاجرُ من هجرَ الخطايا والذنوب، والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ تعالى”.
وأحتار كثيراً كيف يُبخِّس النَّاس الآخرين لأنهم يختلفون معهم في العقيدة وهم كلُّهم أبناء تقليد نشأوا على ما نشأوا عليه ولم يكن لهم خيارٌ فيه أو لهم وعيٌ مكتملٌ لاختيار بديل؟
ولو أنَّهم تعرَّفوا بهم لرأوا بشراً مثلهم أحلامهم سواء، وطبائعهم سواء، ومشاكلهم سواء. وأحتار أكثر في الذي يريد أن يدعو غيره ليتبع عقيدته وهو ينوي قتله؟ بل حتَّى الصَّيد يحتاج لطُعمٍ يقرِّبه من الشَّرك، فإذا كنَّا صيَّادين للبشر لننقذهم من الظلمات إلى النُّور فكيف نبدأهم بالعداوة ولا نفعل ذلك إذا ما أردنا أن نسعى حماماً بريَّاً بتقديم ماء السُكَّر؟
إنَّ أقصي ما يمكن للبشر أن يطمحوا إليه هو أن يحترم النَّاس بعضهم بعضاً، وأن تصير العلاقة بينهم أو بين الحاكم والمحكوم علاقة زواجٍ برضا، وهي طبعها النِّزاع لا الوئام لا محالة، إلا إذا سادت فيها قيمة المودَّة وقيمة الرَّحمة.
فالمودَّة هي أن تُعطي أوَّلاً بلا منٍّ أو أذى تبتغي زيادة المحبَّة بلا توقُّعٍ لعطاء مماثل؛ أي أن تُغيِّر طبعك من الأثرة للإيثار، وهذا لا يفعله النَّاس عادةً إلا لمن يُحبُّون. والقيمة الثانية هي أن تُنمِّي في نفسك مَلَكَةَ التَّقمُّص؛ وهي المقدرة على الإحساس بالآخر ووضع نفسك مكانه، حتى تستطيع أن تحترم وتُقدِّر ضعفه، أو تري حسن نيَّته حتى وإن أتي أمراً لا تحبُّه، وبغير هذا وذاك فالعلاقة محتوم عليها الصراع والفراق.
والأزواج ربما يجمعهم الحبُّ أو المصلحة، وقد يعيشون معظم حياتهم في وفاقٍ أو ينفصلون أو يقتلون بعضهم بعضاً. وما يجلب الوفاق هو إدراك الأدوار والوعي بجوهر العلاقة والرضا بها، لأنَّ خلق زوجين من كلِّ شيء مقصود به التَّكامل لا التَّناقض وإن اختلفت الأدوار:
” وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى. وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى. وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى. إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى”
فالعلاقة أصلها النِّزاع بالتَّنافس وتحتمل التَّكامل بالتَّعاون، وهذا هو الديدن الذي يجب أن يكون بين الحاكم والمحكوم، فالحاكم لا فضل له إلا بإعطائه مسئوليَّة أكبر يلقي بها جزاءً أكبر يوم القيامة إن عدل، وهكذا علاقة الرجل والمرأة فالمطلوب منها أن تكون تكامليَّة، وفضل القوامة هي مسئوليَّة إضافيَّة تمسُّ القيمة الإيمانيَّة وليست لإعلاء القيمة الإنسانيَّة، والتي هي قيمة متساوية في نظر الدِّين والبشر، وقد يكون الرجل أتقي من المرأة، أو تكون المرأة أتقي من الرجل في نظر المولي عزَّ وجلَّ.
والمولي عزَّ وجلَّ لا يبتغي من المجتمع أن يعيش في سلامٍ دائم، وطاعةٍ مستمرَّة فهذا مستحيل بل هو سيؤدِّي للرَّكود وانعدام التطوُّر، ولكنَّه يريد مجتمعاً يتنافس النَّاس فيه على عمل الخير ويُفتنون بالخير والشرِّ ليميز الخبيث من الطَيِّب: “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً”، ولذلك ضرب لنا مثلاً أنَّ العالم لو كانت تسوده الملائكة، وهم ما يعادل المثال في خيال النَّاس، وكانوا يعيشون في سلامٍ واطمئنان لأنزل الله عليهم ملكاً رسولاً:
” قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا”.
وما كان خلق سيدنا آدم إلا فتنة للملائكة ولذلك ظهر النِّزاع الذي كان خفيِّاً في أوَّل الأمر بين الملائكة النورانيين والنَّاريين منذ ذلك الزمان.
وتأكيداً لهذا المعني فالمصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم يقول:
” والذي نفسي بيدِه! لو لم تذنبوا لذهب اللهُ بكم، ولجاء بقومٍ يذنبون، فيستغفرون اللهَ، فيغفرُ لهم”
هذه القيم هي قيم مدنيَّة حضاريَّة لا تتماشي مع قيم البداوة في كلِّيتها والتي مثلاً تنادي بنصر الأخ ظالماً أو مظلوماً، ولكنَّها تُعدِّلها وتُدخل مبدأ العدل عليها، فمن العدل أن تكون وهَّاباً إذا أردت أن يهبك النَّاس، ومن العدل أن تكون رحيماً إذا أردت أن يرحمك النَّاس، ولذلك فقد غير المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم مفهوم النُّصرة في نظر المؤمن فاحتفظ بمبني المثل ونصف المعني الأوَّل وغيَّر نصف المعني الآخر فقال:
” انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا. فقال رجلٌ: يا رسولَ اللهِ، أنصرُه إذا كان مظلومًا، أفرأيتَ إذا كان ظالمًا كيف أنصرُه؟ قال: تحجِزُه، أو تمنعُه، من الظلمِ فإنَّ ذلك نصرُه”.
فقد كان المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم قائداً مُعلِّماً: “وإنما بُعِثْتُ مُعَلِّمًا”، ولم يكن ملكاً مسيطراً مستبدَّاً، فصار لذلك بين المواطن والقائد احترام مًتبادل، وميثاق واضح، ومرجعيَّة واحدة لا تقديس ولا تبخيس.
فلا يوجد مُلكٌ بلا غصبٍ واستبداد، ولا يوجد استبداد بلا جبروت وطاغوت؛ وهو يعني ألَّا تُعطي صاحب الحقِّ حقَّه، ولا يوجد جبروت بلا شقاء.
وأيُّ علاقة بغير الرضا بين الحاكم والمحكوم فهي اغتصاب لا يُعطي شرعيَّةً للعلاقة حتى وإن تزوَّج المرء بمن اغتصب وأنجب منها فأساس الزواج الرضا ولذلك بيَّن المولي عزَّ وجلَّ هذا المعني فقال:
”لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”. فالعلاقة مبنيَّة على الرضا والمحبَّة ولا رضا أو محبَّة مع الغصب وهذا أساس البيعة:
” لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا”. هذا هو أساس النَّصر والفلاح.
وإقرار المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم ينفي أيّ شبهة في اعتماد الرِّضا أساساً للعلاقة الصحيحة بين العبد وربِّه ووجوب الجنَّة:
” مَن قال: رضِيتُ باللهِ ربًّا وبالإسلامِ دِينًا وبمُحمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم نَبيًّا وجَبَتْ له الجنَّةُ “.
وهذا يعني انتفاء الأيديلوجيَّة لأنَّ قوائمها الثلاثة هي العصبيَّة والإكراه والطاغوتيَّة. ولذلك فأقصي ما يمكن لحاكمٍ مسلمٍ أن يفعله هو ابتغاء رضوان الله عليه برضا المحكومين عليه باختياره طوعاً أوَّلاً، ومحبَّتهم له بعدله بينهم ثانياً والرحمة بهم ثالثاً:
“خِيارُ أئِمَّتِكمُ الَّذِين تُحِبُّونَهم ويُحِبُّونَكم. ويُصلُّونَ عليكم وتُصلُّونَ عليهم. وشِرارُ أئِمَّتِكم الَّذين تُبْغِضُونَهم ويُبْغِضُونَكم وتَلْعَنُونَهم ويَلْعَنُونكم”.
فالذي يعتمد على جماعة مُعيَّنة من دون السواد الأعظم ويعطيها ولاءه التَّام مع تعطيل ملكة النَّقد في عقله فهو يعتمد على عصبيَّة مادِّيَّة أو فكريَّة لا فرق بينهما. والذي يغصب الحكم ويُكره النَّاس على نفسه وعلى منهجه نرجسيٌّ لا يري أفضل منه ولا أفضل من منهجه لأنَّه يُزكِّي نفسه؛ ولا يفعل ذلك إلا طاغوتيّ مسيطر.
ولا يصحُّ السعي والهمُّ لإقناع النَّاس بصحَّة المنهج، حتى وإن كان المنهج هو منهج المولي عزَّ وجلَّ مباشرة، ولكن الأهم هو التَّبليغ المبين: ” وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ”، ثُمَّ التَّذكير مع تحديد دور للمصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم: “فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ، لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ”، والخيار متروك في النِّهاية للإنسان أن يقرِّر بعد أن يتفكَّر:
”وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ”.
يجيء هذا المعني بعد: “فإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ ۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا ۚ”، ويوضِّح له منهج الدَّعوة: ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ”، بل وينصح رسوله بعدم تجاوز حدود تكليفه لأنَّ الحكمة ليست إقناع النَّاس:
”وإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاء فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلاَ تَكُوْنَنَّ مِنَ الْجَاهِلِيْنَ”.
والتَّقرير الأخير هو:
” وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ”.
وإذا كان ذلك لا يكفي تبياناً للبعض لموقف الدِّين من الإكراه فلعلَّهم يتدبَّرون هذا الحديث عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
“بينا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مضطجِعًا في بيتي إِذِ احْتَفَزَ جالِسًا وهو يسترجِعُ، قلْتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي ما شأْنُكَ تَسْتَرْجِعُ؟ قال: لِجَيْشٍ من أمتي يَجيئُونَ من قِبَلِ الشامِ يَؤُمُّونَ البيتَ لِرَجلٍ يمنَعُهُمُ اللهُ منْهُ، حتى إذا كانوا بالبيداءِ من ذي الحلَيْفَةِ خُسِفَ بهم ومصادِرُهُمْ شَتَّى، قلْتُ: بِأَبِي أنْتَ وأُمِّي يا رسولَ اللهِ كيفَ يُخْسَفُ بهم جميعًا ومصادِرُهم شَتَّى؟ قال: إنَّ منهم مَنْ جُبِرَ، إِنَّ منهم من جُبِرَ، إنّ منهم مَنْ جُبِرَ”.
فالمصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم سعي لتثبيت دوره القيادي الجديد، بنفي صفة الجبروت التي تقود لجبر الآخرين على اتِّباع منهجه، في مواقف عديدة فمثلاً قال للرَّجل الذي ارتعد أمامه، يُعلِّمه الفرق بين القائد الإنسان والملك:
” هوِّنْ عليكَ، فإني لستُ بملِكٍ، إنما أنا ابنُ امرأةٍ من قريشٍ كانت تأكلُ القديد في البطحاءِ، قال: ثم تلا جريرُ بنُ عبدِ اللهِ البَجَليِّ راوي الحديث: (وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ، فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ) “.
هذا ما يُسمَّي بالتَّواضع، وهو غير أن تظنَّ بنفسك نقيصة لاختلالٍ في تقييمك لذاتك، ولكنَّه تواضع عن عزَّة نفس تعرف مقدارها ولا تطغي.
وقد نهي أصحابه عن تعظيمه لأنَّ في ذلك خلقٌ لفجوة بينه وبينهم، وهي أوَّل أعراض تفكير المجموعة التي تنحرف عن طريق الحقِّ لأنَّ الشَّخص التَّقي الغير واثق من نفسه، أو الخائف، أو الأدنى علماً أو مكانةً، قد لا يبوح بما في قلبه وقد يكون الحقُّ على لسانه ممَّا قد يفتح المجال للطَّاغوتيين لأخذ السَّبق وملء الفراغ بالباطل.
وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه انتبه لهذا الأمر فقال يستعيذ بالله سبحانه وتعالي من الطَّاغوتيّ الجاهل ذو الشجاعة الأدبيَّة الذي يجهر برأيه وكأنَّه الحقّ ومن العالم الثِّقة الحُجَّة الذي لا ثقة له بنفسه فيعجز عن إبداء رأيه:
“اللهم إنِّي أعوذ بك من جَلَدَ الفاجر وعجز الثِّقة”.
وهذه المعاني عن الجبابرة وصفاتهم متكرِّرة في القرآن الكريم في الكلام عن سيدنا يحيي بن زكريَّا عليه السلام:
” وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّا”. فالعصيان من شيم الجبَّار فهو لا يسمع نصيحةً، ولا يحترم قانوناً، وخاتمة أمره الشقاء. ولذلك لا يكون الجبَّار عاصياً بل عصيَّاً بمعني أنَّه كثير العصيان لأنَّه يُكرِّر العصيان حتى يصير عادة.
وسيدنا عيسى بن مريم عليه السلام يؤكَّد نفس الفهم:
” وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا”. أي كثير الشقاء ويتوالد شقاؤه كما يتوالد الذباب على دِمنِ الأقذار.
فقدَّم مفهوم الأخلاق التي تنفي خبث النَّفس بكلمة البرِّ في الآيتين؛ وهي عرَّفها المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم فقال: “البِرُّ حسن الخلق”، ولذلك نفي الطَّاغوتيَّة عن نفس الرَّسولين وما تجرَّه من جبروت وشقاء لمن حولهما ولنفسيهما في الدَّارين.
والإنسان قد يكون جبَّاراً بقدرة أو بلا قدرة أي جبَّاراً في القلب ولكنَّه ضعيف الحيلة لا يسبِّب ضرراً كثيراً ما عدا إن تمكَّن من مصادر القوَّة مثل الطَّاغوتيين الذين يتظاهرون بالصلاح أو الإخلاص للمبادئ في أوقات الضَّعف إلى أن يتسمنَّوا سلطةً ما وهذا ما عناه المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم لمَّا قال لسيدنا أبا موسى الأشعري عن السائلة التي لم تُظهر الأدب للرسول في الطَّريق:
“لا تُكلِّمْها فإنها جبارةٌ، فقلت: بأبِي وأمِّي ما هذه فتكونُ جبارةً، فقال: إن لا يكنْ ذلك في قُدرتِها فإنه في قلبِها”.
والعصيان الذي يؤدِّي للجبروت يمُرُّ بخمسة مراحل حسب تمكُّنِ الطَّاغوتيَّة من النَّفس؛ فأوَّلها وأخفَّها الغفلة، وثانيها الإنكار، وثالثها الإعراض، ورابعها الكذب، وخامسها الاستهزاء.
فالإنسان يُخطئ غفلة وإذا انتبه طلب الغفران إذا كانت نفسه طيِّبة، أو لا يهتم إذا كانت نفسه خبيثة، أو قد يُنكر الفعل وهنا تتغيَّر طبيعة الفعل من خطأ لخطيئة لأنَّ الخطأ لا يحدث مع نيَّة ولا مع إصرار. والطَيِّب هو الذي ينفع ولا يضر والخبيث يفعل العكس.
وإذا وُوجِهَ الإنسان الخبيث النَّفس بما فعل بالدَّليل القاطع والبرهان السَّاطع؛ حتى وإن كان مُعجزةً، فهو قد يُعرض وينأي، أمَّا إذا ما أُثبت عليه الجُرم فهو يكذب، وإذا رأي خسارته البيِّنة للحُجَّة فيهزأ.
فالغفلة دفاع النَّاسي: ” وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ”، والإنكار دفاع الخائف من الفقد أو الخسارة، والإعراض دفاع الموقن من الخسارة، والكذب دفاع المضطَّر، والاستهزاء دفاع العاجز.
ولذلك لا تتكوَّن الطَّائفة إلا بأيديلوجيَّة، ولا يستولي على السلطة في الطَّائفة إلا طاغوتي، إلا إذا كان نبيَّاً مرسلاً أو اختارته النَّاس برضاها، ولا تجتمع السلطة مع الطَّاغوتيَّة إلا وأردفا التَّرف، وما أصاب النَّاس ترفٌ إلا فسدوا، وإذا فسدوا عمَّت الفوضى وهلكوا:
” وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.
وقد داوم سيدنا أبوبكر الصِدِّيق وسيِّدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما على نفس منهج المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم وتبعهما سيدنا عثمان بن عفَّان رضي الله عنه في فترته الأولي إلى أن كبر في السِنِّ واتَّخذ من سيدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه مستشاراً ثمَّ تنفيذيَّاً كرئيس وزرائه الذي كان يستشيره في كلِّ الأمور المُهمَّة، ولا يقضي إلا بعد مشورته بل ويُحيل له عويص المشاكل لحلِّها.
كما واتَّخذ من مروان بن الحكم وزيراً وحاملاً لأختامه فميَّزا بني أُميَّة على الآخرين، ويبدو أنَّ انطباع بني أميَّة عن الخلافة كان لا يعدو أن يكون ملكاً، حتى إنَّ مروان بن الحكم قال للثُّوار صارخاً في وجوههم: “جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا؟، ارجعوا إلى منازلكم. فإنَّا والله ما نحن مغلوبون على ما في أيدينا”.
فتجربة المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم القياديَّة لم تتكرَّر من قبله ولا من بعد خلفائه حتى على أيَّامنا هذه، ونعجب من أنَّ معظم الصحابة رضعوا من نفس ثدي الرسالة والتَّجربة ولكنَّ البعض تشرَّب بمبادئها أكثر من غيره، فهذا سيدنا عبدالله بن مسعود يقول عن سيدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنهما:
“كان أقرأنا للقرآن وأعلمنا بالدِّين”.
والمولي يؤكِّد اختلاف درجات الصحابة عليهم رضوان الله أجمعين:
” لا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى”.
” لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ۚ”
وما تزال النُّخب، من قبل ومن بعد خلفاء المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم، تحكم وتستخدم تفكير المجموعة، ولا تزال الفجوة مُتَّسعة بين الحاكم والمحكوم حتى في البلاد التي تُسمَّي ديموقراطيَّة، إذ أنَّ القرار الأخير في يد مجلس الوزراء أو رئاسة الجمهوريَّة، ولا سبيل للجمهور من تغييره إلا بتغيير الحكومة في أيَّام الانتخابات، وهي عمليَّة لا تخلو من الغرض إذ تتدَخَّل فيها عوامل أخري مثل مجموعات الضَّغط، وطبقة الأغنياء والمُترفين الذين لا يُريدون تغييراً لأنَّ في ذلك تهديد لمصالحهم، ولذلك فهي شموليَّة مُقنَّنة بدلاً من الشموليَّة الظاهرة.
ومع ازدياد الفجوة بين الحاكم والمحكوم يزداد عزوف النَّاس عن المشاركة السياسيَّة، ويُصيب النَّاس إحباطٌ ويأس، ويصير التَّمثيل لجزء يسير منهم لا يتجاوز في بعض الأحيان ربعهم ومع ذلك تفرح النُّخبة بالعمليَّة السياسيَّة لأنَّها حُرَّةٌ وديموقراطيَّة!
البحث في ماهية الحقيقة غير مُهم لمثل هذه المجموعات ما دامت صُور الأشياء تبدو سليمة، والقوانين قد احتُرِمت، ولكن مسائل التَّمثيل والمشاركة الحقيقيَّة في انتخاب المُرشَّحين وفي اتِّخاذ القرارات لا تكون بنفس الأهمِّية لديهم حيث تطغي الطَّبيعة العمليَّة للأمر على الطَّبيعة النَّظريَّة.
ومع انحصار فرص الحكم في أيدي معلومة يتمايز النَّاس، ولذلك فالفوضى تظهر عندما ينقسم النَّاس إلى طبقتين؛ طبقة فقيرة ومُعدمة وطبقة غنيَّة ومُترفة، ويظهر التَّباين الطَّبقي بحيث يزداد جوع الفقير وتخمة الغني، وهي دائرة خبيثة لا انتهاء لها إلا بالفوضى الشاملة وهي الهلاك:
” وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا”.
والأمر الإلهي لتوزيع الثروة موضوع في سياق العدالة الاجتماعيَّة والمساواة:
” مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ”.
ومع الطَّبقيَّة يتمزَّق ثوب التَّماسك الاجتماعي والإيثار وترتفع بدلاً عنه طبائع الأنانيَّة والشُّح والطَّمع كأدوات تُساعد على البقاء، لأنَّ بغيرها غريزة البقاء تُهدَّد، وحينها تقلّ الثِّقة بين النَّاس ويكثر الغشُّ والكذب.
ولذلك نسمع دائماً عن قصص غشّ الذين يذهبون من بيئة بدويِّة لبيئة حضريِّة مُستغلِّين براءتهم والسَّبب ليس البراءة كما يُخيَّلُ للنَّاس ولكنه نمط تفكير مختلف نما نتيجة سياقٍ مختلف، فالإنسان هو الإنسان بقابليَّته للفضيلة والرَّذيلة، ولكن قابليَّته للرَّذيلة أقوي، ولكنَّ الظروف هي التي تختلف وتُلوِّن أفكاره وعاداته وتتفاعل معها غريزة البقاء، فإن كانت الأمانة كسباً يُعين على البقاء اتَّخذه منهجاً، وإن كان الغشُّ كسباً يعين على البقاء اتَّخذه منهجاً إلا من اتَّخذ بوعيٍ المنهج السَّماوي الذي يخلق التَّوازن ويُغيُّر الأولويَّات.
ودور الدِّين هو محاولة خلق تناسق في سلوك الإنسان في كلِّ السياقات وذلك بتقديم بديل أنفع لغريزة البقاء وهو تغيير التَّعريف لغريزة البقاء وتقديمه لمبدأ التِّجارة في الآخرة، بتقديمه لمفهوم التَّعويض ولمفهوم الذَّكاء العاطفي.
يقول الدِّين أنَّ هناك حياة دُنيا وحياة عُليا، وأنَّ قيمة الحياة العُليا أفضل لأنَّها دائمة، وأنَّ ما تناله أو تفقده في هذه الحياة الدُّنيا غير مُهمٌّ في حدِّ ذاته إلا كاستثمار في الحياة العليا، ولذلك عندما تستثمر مالك في شيء فإنَّك ترجو منه ربحاً وفيراً يُغنيك في لاحق الأيَّام، فالفقد المؤقَّت ليس بذي قيمة ولا يعني الحرمان ولكنَّه يعني الحسَّ السليم بتفضيل المتعة الآجلة على المتعة الآجلة.
والقصد أن تنفي نفسك التَّواقة لمُتع الحاضر وتستبدلها بنفسِّك التَّواقة لمُتع المستقبل، فالأولي نفس غريزيَّة أرضيَّةٌ نهمةٌ لا تشبع ولا تقنع والثانية نفسٌ زكيَّة وذكيَّة عُلويةٌ قنوعة بالقليل وغنيَّةٌ بالمأمول.
ويستخدم الدِّين كلَّ مفاهيم التِّجارة من قرض وربح ونسبة مئويَّة وتجارة غير بائرة وأجر وما شابه لأنَّ ذلك يتماشى مع طبيعة الإنسان ويُسمِّي الثَّمن “الأخلاق”. ومن الأخلاق أن تعترف بفضل الذي يُقرضك المال وأن تشكره عليه وأن تُوفي بعقدك معه بالالتزام بشروط العقد، وهكذا نري الدِّين يُعطي الفضائل في نفس الإنسان قوَّة لتنتصر في صراعها مع قوي الرَّذائل العاتية طبيعةً.
ونستطيع أن نفهم في هذا السياق قول المصطفي صلَّي الله عليه وسلَّم: “إنَّما بُعثت لأتمِّم مكارم الأخلاق”، فالأخلاق ناقصة في نفس الإنسان، لأنَّ الفجور يطغي على التَّقوي، ولذلك يجب أن يُعطى الإنسان التِّرياق الذي يُعادل سُمَّه كما تعطي المريض دواءً ولأنَّ المرض موقعه القلب:” فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا”، لا بُدَّ وأن يكون العلاج مُوجَّها للقلب:” يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ”.
فالإسلام غرضه الأساس هو الإنسان، وجاء بمنهجٍ ليُهذِّب فيه الصفات السلبيَّة مثل الجشع ويعدِّله ليصير جشعاً في اكتناز أكبر عددٍ من الحسنات بدلاً من قطع الذهب، فلا هو يقف مع الطبقة الغنيَّة ضدَّ طبقة العُّمَّال، ولا مع طبقة العُمَّال ضدَّ طبقة الأغنياء، ولكنَّه يقف مع الحقِّ أينما كان، وتغطية الحاجة، وعدم الاستغلال بكلِّ أشكاله، ويقف مع تشجيع المُنتجين وتوزيع النَّاتج بالعدل بين الجميع حتى تتقلَّص الطَّبقات؛ أي هو مع الطَّبقة الوسطي إذا ما تساوى النَّاس جميعاً.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم