هذا الشبل من ذاك السوداني المغترب بعاصمة الضباب كاد الشوق أن يقتله وهو يرنو ببصره بعيدا لأرض النيلين مسقط رأس أجداده الغر الميامين ، لقد صبر كل هذه السنين منذ مولده علي ضفاف التايمز واجتيازه كافة المراحل التعليمية وهو الآن غاب قوسين أو أدنى من التخرج استعطف أباه أن يسمح له بزيارة خاطفة لأهله بالعاصمة والاقاليم ليقف بنفسه علي صحة ما يات به الرواة من اخبار هذا الوطن الشامخ .
وصل أرض الأجداد في زيارة خاطفة لانه موعود بامتحانات التخرج وقضي وقتا طيبا بين حفاوة أهله والعشيرة وراي من كرم أهله ماراي وتجول في ربوع العاصمة رغم ضيق الوقت ولكنه اختزن في عقله الباطن الكثير الخطر من ارض السمر ومؤيل الحضارات .
ودعه أهله بالدموع والعناق وافاضوا عليه بالهدايا القيمة وخاصة المأكولات التي تتفنن السيدة السودانية في إخراجها بريشة فنان من عصر النهضة.
ووصل الي لندن وهو يسابق الزمن للدخول في امتحانات التخرج وبدأ بمادة التعبير التي يعتبرها الخواجات تاج لغتهم العالمية ذات الرنين . وكان السؤال : اكتب عن رحلة قمت بها الي ماوراء البحار وماهي ابرز مشاهداتك ؟
عادة ينال المتفوق في هذه المادة درع التفوق ويدشنونه ككاتب لا يشق له غبار في المستقبل .
أمسك الطالب السوداني الذي عاد التو من زيارة أهله في الوطن الحبيب وانزلق القلم علي الاوراق في انسياب سلس وكان هذا القلم الذهبي سكين حادة مرت علي قطعة جاتوه صنعها طباخ الملكة اليزابيث الخاص .
ومن الذاكرة رأسا وصف الطالب النجيب موقف الشهداء بأمدرمان حيث يختلط الحابل بالنابل وتتكدس الحافلات المهترئة وبداخلها ركاب يصيحون ويختلط صخبهم مع الكمساري الذي يشير إلى أن حافلته متوجهة الي المكان الفلاني وان ثمن التذكرة كذا وهنالك من يحتج والمسجل داخل الحافلة تبعث منه الأغاني المتنوعة باعلي صوت وبين الفينة والاخري يصعد سائل الي البص يطلب المساعدة الي أن ينتهره السائق فينزل حزينا كاسف البال ، والسواق نفسه يلبس مايحلو له ولا يتقيد بمواعيد ودائما جاهز للشجار وعكازته جاهزة لحالات الطوارئ.
وفي موقف الشهداء بأمدرمان يوجد سوق كامل للخضر والفواكه والباعة يفترشون الأرض وهم يمارسون عملهم ويجلسون علي دكة من حزم الملوخية المعدة للبيع ومن المألوف أن ترتاح ارجل الباعة علي كيمان الطماطم ، البطاطس وغيرها من المعروضات والغريبة أن المشترين يتقبلون هذه التصرفات بروح رياضية عالية ولا تبدو عليهم علامات الدهشة لو أن البائع وضع ( سفة) كبيرة عملاقة علي فمه ومسح بقايا التمباك العالق في يده علي جلبابه ومن ثم يباشر البيع بكل أريحية وكرم .
كتب وافاض عن التيار الكهربائي الذي يغيب معظم الليل والنهار والمواطنون ينشدون الأغاني الوطنية عندما يعود الضياء من جديد ويرسلون التهاني والتبريكات لبعضهم البعض بهذا الحدث الفريد .
أما التبول علي قارعة الطريق وعلي الحيطان دون إعتبار للمارة وكان هذا الفعل اللامعقول تسمح به قوانين الأمم المتحدة والجامعة العربية ومنظمة الصحة العالمية .
المهم ظهرت نتيجة امتحان التعبير وقد نال الطالب السوداني المولود في لندن والذي عاد التو من وطنه الأم العلامة الكاملة ودرع التفوق وجائزة مالية معتبرة وشهادة تثبت أن الطالب السوداني المشار إليه يملك خيالا واسعا يؤهله أن يكون روائيا عالميا في المستقبل القريب .
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
يحتاج لخيال جامح ليري مشاكل البلاد علي حقيقتها.
ghamedalneil@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم