أفضل الممارسات لإيقاف الحروب الأهلية ومنع تجددها: والدروس المستفادة للسودان من اتفاقيات السلام في أديس أبابا ونيفاشا وجوبا (الجزء الثاني)
د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com
- التجارب المستفادة من اتفاقية أديس أبابا للسلام في السودان 1972
5.1 خلفية الاتفاقية وأسباب التوقيع
جاءت اتفاقية أديس أبابا للسلام في عام 1972 في سياق الحرب الأهلية الأولى في السودان (1955–1972) بين الحكومة المركزية في الخرطوم وحركة أنانيا في جنوب السودان، والتي اندلعت نتيجة التهميش السياسي والاقتصادي والثقافي للمناطق الجنوبية منذ فترة ما قبل الاستقلال، إضافة إلى فشل النخب السياسية في بناء دولة متعددة الهويات تستوعب التنوع الإثني والديني (Johnson, 2016).
وقد أدت سياسات التعريب والأسلمة القسرية، وضعف التمثيل السياسي للجنوبيين، وغياب التنمية في الجنوب إلى تصاعد التمرد المسلح، حيث قُدّر عدد الضحايا بما يتراوح بين 500,000 إلى 1,000,000 شخص خلال فترة النزاع، إضافة إلى نزوح مئات الآلاف (Deng, 1995).
وجاءت الاتفاقية نتيجة عدة عوامل، منها الإرهاق العسكري للطرفين، والتغيرات الإقليمية، خاصة دور إثيوبيا بقيادة الإمبراطور هيلا سيلاسي في الوساطة، إضافة إلى ضغوط دولية لإنهاء النزاع في سياق الحرب الباردة، حيث كان الاستقرار الإقليمي يمثل أولوية للقوى الكبرى (Young, 2012).
5.2 عناصر الاتفاقية وشروط تنفيذها
تضمنت الاتفاقية عدة عناصر رئيسية، أبرزها: منح الحكم الذاتي لإقليم جنوب السودان ضمن دولة موحدة، إنشاء مجلس إقليمي منتخب يتمتع بسلطات تشريعية وتنفيذية، دمج قوات أنانيا في الجيش السوداني، الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني، وضمان استخدام اللغات المحلية إلى جانب اللغة العربية (Addis Ababa Agreement, 1972).
كما نصت الاتفاقية على إعادة توزيع الموارد، وتخصيص ميزانيات للتنمية في الجنوب، وإنشاء مؤسسات إدارية إقليمية، مع وجود ترتيبات أمنية انتقالية لضمان الاستقرار، إضافة إلى آليات لتنفيذ الاتفاق تشمل لجان مشتركة بين الطرفين، رغم غياب آليات رقابة دولية قوية.
واشترطت الاتفاقية التزام الحكومة المركزية بتنفيذ الحكم الذاتي فعليًا، وعدم التدخل في شؤون الإقليم، مع الحفاظ على وحدة الدولة، وهو ما تطلب توازنًا دقيقًا بين المركز والأطراف (Johnson, 2016).
5.3 نجاحات الاتفاقية ومجالات التطبيق الفعال
أدت الاتفاقية إلى إنهاء الحرب الأهلية الأولى واستمرار السلام لمدة تقارب 11 عامًا (1972–1983)، وهي من أطول فترات الاستقرار النسبي في تاريخ السودان الحديث، حيث انخفضت مستويات العنف بشكل كبير، وبدأت عمليات إعادة الإعمار والتنمية في الجنوب (Deng, 1995).
كما ساهمت في دمج المقاتلين السابقين في المؤسسات العسكرية والمدنية، وتحسين التمثيل السياسي للجنوبيين، وفتح المجال أمام التعليم والخدمات، حيث شهدت بعض المناطق تحسنًا نسبيًا في البنية التحتية.
ويُعد منح الحكم الذاتي أحد أهم عوامل نجاح الاتفاقية، حيث وفر إطارًا لإدارة التنوع، وأتاح مشاركة محلية في اتخاذ القرار، مما قلل من دوافع التمرد في المدى القصير (Young, 2012).
5.4 إخفاقات الاتفاقية والعوامل المؤثرة على فشل بعض البنود
رغم النجاحات، واجهت الاتفاقية عدة إخفاقات، أبرزها ضعف تنفيذ بنود الحكم الذاتي، حيث قامت الحكومة المركزية تدريجيًا بتقويض صلاحيات الإقليم، خاصة في أواخر السبعينيات، كما أدى اكتشاف النفط في الجنوب إلى زيادة تدخل المركز في إدارة الموارد (Johnson, 2016).
كما لم تتضمن الاتفاقية آليات قوية لضمان التنفيذ أو عقوبات في حال الإخلال بها، إضافة إلى غياب رقابة دولية فعالة، مما سمح بتآكل الالتزامات تدريجيًا.
وفي عام 1983، قام الرئيس جعفر نميري بإلغاء الحكم الذاتي وتقسيم الجنوب إلى ثلاث ولايات، وفرض قوانين الشريعة الإسلامية، مما أدى إلى اندلاع الحرب الأهلية الثانية، وهو ما يعكس فشل الاتفاقية في معالجة الأسباب الجذرية للصراع (Deng, 1995).
كما أن الاتفاقية لم تعالج بشكل كافٍ قضايا الهوية الوطنية، ولم تدمج بقية مناطق الهامش في العملية السياسية، مما ساهم في استمرار التوترات.
5.5 الدروس المستفادة لتطبيقها على النزاعات الحالية
تشير التجربة إلى أن الحكم الذاتي يمكن أن يكون أداة فعالة لإدارة التنوع إذا تم دعمه بضمانات دستورية قوية وآليات تنفيذ واضحة، وأن غياب هذه الضمانات يؤدي إلى فشل الاتفاقيات على المدى الطويل.
كما تؤكد أهمية وجود رقابة دولية وإقليمية لضمان تنفيذ الاتفاق، وضرورة معالجة قضايا الموارد الطبيعية بشكل شفاف لتجنب النزاعات، خاصة في المناطق الغنية بالنفط أو المعادن.
وتبرز أيضًا أهمية بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة المرحلة الانتقالية، وضرورة إشراك جميع الأطراف المحلية، وعدم الاكتفاء باتفاق بين النخب السياسية، إضافة إلى أهمية معالجة قضايا الهوية بشكل شامل (Young, 2012).
5.6 تقييم تأثير الاتفاقية على استقرار السودان على المدى الطويل، دراسة الفجوات بين النصوص والواقع، مقارنة مع اتفاقيات أخرى في المنطقة
على المدى الطويل، أظهرت الاتفاقية قدرة محدودة على تحقيق استقرار مستدام، حيث انتهت بعودة الحرب، مما يعكس وجود فجوة كبيرة بين النصوص والتطبيق، خاصة في ما يتعلق بالحكم الذاتي وتوزيع الموارد.
وتشير المقارنة مع اتفاقيات أخرى في أفريقيا، مثل اتفاق أروشا في بوروندي، إلى أن وجود ضمانات دولية ومؤسسات تنفيذ قوية يزيد من فرص النجاح، وهو ما كان غائبًا في حالة السودان.
كما أن الاتفاقية لم تتضمن آليات للعدالة الانتقالية أو المصالحة، مما أدى إلى بقاء جذور الصراع دون معالجة، وهو ما ساهم في تجدد النزاع، ويؤكد أن السلام المستدام يتطلب معالجة شاملة للأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية (Johnson, 2016).
- التجارب المستفادة من اتفاقية السلام الشامل في السودان 2005
6.1 خلفية الاتفاقية وأسباب التوقيع
جاءت اتفاقية السلام الشامل (CPA) في عام 2005 لإنهاء الحرب الأهلية الثانية (1983–2005) بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان، والتي تُعد من أطول النزاعات في أفريقيا، حيث أسفرت عن مقتل نحو 2 مليون شخص ونزوح أكثر من 4 ملايين (Collier, 2007).
وقد اندلع النزاع نتيجة إلغاء الحكم الذاتي للجنوب، وفرض الشريعة الإسلامية، واستمرار التهميش الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى النزاع على الموارد، خاصة النفط.
وجاء توقيع الاتفاقية نتيجة ضغوط دولية قوية، خاصة من الولايات المتحدة ومنظمة الإيغاد، إضافة إلى الإرهاق العسكري للطرفين، والتغيرات في النظام الدولي بعد الحرب الباردة (Johnson, 2016).
6.2 عناصر الاتفاقية وشروط التنفيذ
تضمنت الاتفاقية ستة بروتوكولات رئيسية، تشمل: تقاسم السلطة، تقاسم الثروة، الترتيبات الأمنية، وضع أبيي، ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وحق تقرير المصير لجنوب السودان بعد فترة انتقالية مدتها 6 سنوات (CPA, 2005).
كما نصت على تقاسم عائدات النفط بنسبة 50% بين الشمال والجنوب، وإنشاء حكومة وحدة وطنية، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، وتنظيم استفتاء لتقرير المصير في 2011.
وشملت الاتفاقية آليات تنفيذ معقدة، مثل لجان مشتركة ومراقبة دولية، خاصة من الأمم المتحدة، إضافة إلى جداول زمنية محددة لتنفيذ البنود.
6.3 نجاحات الاتفاقية ومجالات التطبيق الفعال
نجحت الاتفاقية في إنهاء الحرب بين الشمال والجنوب، وتحقيق فترة من السلام النسبي بين 2005 و2011، كما مهدت الطريق لاستقلال جنوب السودان في 2011، وهو ما يُعد أحد أهم نتائجها (Collier, 2007).
كما ساهمت في إدماج الحركة الشعبية في العملية السياسية، وتحسين تقاسم الموارد، وإنشاء مؤسسات جديدة للحكم، إضافة إلى زيادة الاستثمارات الدولية في السودان خلال الفترة الانتقالية.
كما أن وجود رقابة دولية ساهم في تحسين تنفيذ بعض البنود، مقارنة باتفاقية 1972.
6.4 إخفاقات الاتفاقية والعوامل المؤثرة على فشل بعض البنود
رغم النجاحات، واجهت الاتفاقية إخفاقات كبيرة، أبرزها فشلها في تحقيق وحدة السودان، حيث أدى الاستفتاء إلى الانفصال، إضافة إلى استمرار النزاعات في مناطق مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق (Johnson, 2016).
كما أن تنفيذ بعض البنود كان بطيئًا أو غير مكتمل، خاصة في ما يتعلق بإعادة هيكلة الجيش، وترسيم الحدود، وتقاسم الموارد، إضافة إلى ضعف الثقة بين الأطراف.
كما أن الاتفاقية ركزت على النخب السياسية والعسكرية، ولم تشمل بشكل كافٍ المجتمع المدني أو القضايا المحلية، مما أدى إلى استمرار التوترات.
6.5 الدروس المستفادة لتطبيقها على النزاعات الحالية
تشير التجربة إلى أهمية تصميم اتفاقيات شاملة تشمل جميع المناطق المتأثرة بالنزاع، وليس فقط الأطراف الرئيسية، وضرورة معالجة القضايا المحلية بالتوازي مع القضايا الوطنية.
كما تؤكد أهمية وجود آليات تنفيذ قوية، ومراقبة دولية فعالة، وضرورة بناء الثقة بين الأطراف، إضافة إلى أهمية إشراك المجتمع المدني والنساء في العملية السياسية.
وتبرز أيضًا أهمية معالجة قضايا الموارد والهوية بشكل متكامل، لتجنب تفكك الدولة أو استمرار النزاعات (Collier, 2007).
6.6 دراسة مدى تحقيق العدالة الانتقالية والمصالحة، تقييم تنفيذ الاتفاق على الأرض، تحليل الأسباب التي أدت إلى بعض إخفاقات التطبيق
لم تحقق الاتفاقية تقدمًا كافيًا في مجال العدالة الانتقالية، حيث لم يتم إنشاء آليات فعالة لمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، مما أدى إلى استمرار ثقافة الإفلات من العقاب.
كما أن المصالحة المجتمعية كانت محدودة، ولم تشمل جميع المناطق، خاصة دارفور، مما أدى إلى استمرار النزاعات.
ويُظهر تقييم التنفيذ على الأرض وجود فجوة بين النصوص والتطبيق، حيث لم يتم تنفيذ العديد من البنود بشكل كامل، بسبب ضعف المؤسسات، ونقص الموارد، والتدخلات السياسية.
كما أن غياب رؤية وطنية شاملة للسلام، والتركيز على تقاسم السلطة والثروة فقط، أدى إلى إهمال الأبعاد الاجتماعية والثقافية للنزاع، مما ساهم في فشل بعض جوانب الاتفاقية (Johnson, 2016).
- التجارب المستفادة من اتفاقية جوبا للسلام في السودان 2020
7.1 خلفية الاتفاقية وأسباب التوقيع
جاءت اتفاقية جوبا للسلام في أكتوبر 2020 في سياق المرحلة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام عمر البشير في أبريل 2019، حيث سعت الحكومة الانتقالية إلى إنهاء النزاعات المسلحة المستمرة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، والتي استمرت لعقود وأسفرت عن مقتل مئات الآلاف ونزوح أكثر من 3 ملايين شخص، خاصة في إقليم دارفور منذ 2003 (de Waal, 2022).
وقد نتجت هذه النزاعات عن تداخل عوامل التهميش السياسي والاقتصادي، والصراعات على الموارد الطبيعية، والانقسامات الإثنية، إضافة إلى ضعف الدولة المركزية وتعدد الفاعلين المسلحين (Tubiana et al., 2020).
كما جاءت الاتفاقية نتيجة ضغوط دولية وإقليمية، خاصة من جنوب السودان كوسيط رئيسي، إضافة إلى الحاجة الملحة لتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي في السودان، ورفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وتحقيق دعم دولي للمرحلة الانتقالية (International Crisis Group, 2021).
7.2 عناصر الاتفاقية وشروط التنفيذ
تضمنت الاتفاقية عدة مسارات رئيسية شملت: مسار دارفور، مسار المنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق)، مسار شرق السودان، ومسار الشمال والوسط، مع التركيز على قضايا تقاسم السلطة والثروة، والترتيبات الأمنية، والعدالة الانتقالية (Juba Peace Agreement, 2020).
كما نصت على دمج الحركات المسلحة في القوات النظامية خلال فترة زمنية محددة، وإنشاء قوات مشتركة لحفظ الأمن، وتخصيص نسب محددة من السلطة للحركات المسلحة، إضافة إلى تخصيص موارد مالية لإعادة الإعمار والتنمية في المناطق المتضررة، حيث تم تحديد صندوق لإعمار دارفور بمليارات الدولارات.
وشملت الاتفاقية أيضًا بنودًا تتعلق بعودة النازحين واللاجئين، ومعالجة قضايا الأراضي (الحواكير)، وتعويض المتضررين، إضافة إلى إنشاء آليات للعدالة الانتقالية مثل المحكمة الخاصة بجرائم دارفور، رغم تحديات التنفيذ.
7.3 نجاحات الاتفاقية ومجالات التطبيق الفعال
ساهمت الاتفاقية في خفض مستوى العنف المسلح في بعض المناطق، خاصة في دارفور في الفترة الأولى بعد التوقيع، كما أدت إلى إدماج عدد من الحركات المسلحة في العملية السياسية، وتعيين قادة من هذه الحركات في مناصب حكومية، مما عزز التمثيل السياسي (de Waal, 2022).
كما ساهمت في فتح المجال لعودة بعض النازحين، وتحسين التنسيق بين الحكومة والحركات المسلحة، إضافة إلى تعزيز دور الوساطة الإقليمية، خاصة دور جنوب السودان.
ويُعد إدراج قضايا الأراضي والعدالة الانتقالية من الجوانب الإيجابية، حيث عالجت الاتفاقية بعض الأسباب الجذرية للنزاع مقارنة باتفاقيات سابقة.
7.4 إخفاقات الاتفاقية والعوامل المؤثرة على فشل بعض البنود
رغم النجاحات الجزئية، واجهت الاتفاقية تحديات كبيرة، أبرزها بطء تنفيذ الترتيبات الأمنية، حيث لم يتم دمج القوات المسلحة للحركات بشكل كامل، مما أدى إلى استمرار وجود قوات موازية (International Crisis Group, 2021).
كما أن بعض الحركات الرئيسية لم توقع على الاتفاقية، مثل حركة عبد الواحد محمد نور، مما حدّ من شموليتها، إضافة إلى استمرار النزاعات القبلية في دارفور، حيث شهدت المنطقة موجات عنف متكررة بعد 2020.
كما واجهت الاتفاقية تحديات مالية كبيرة، حيث لم يتم توفير الموارد الكافية لتنفيذ بنود إعادة الإعمار، إضافة إلى التغيرات السياسية في السودان بعد انقلاب أكتوبر 2021، مما أثر على استمرارية تنفيذ الاتفاق.
ويُلاحظ أيضًا ضعف التنسيق بين المستويات المحلية والمركزية، وغياب آليات رقابة فعالة، مما أدى إلى فجوة بين النصوص والتطبيق (Tubiana et al., 2020).
7.5 الدروس المستفادة لتطبيقها على النزاعات الحالية
تؤكد تجربة اتفاقية جوبا أهمية شمول جميع الأطراف المسلحة والسياسية لضمان استدامة السلام، وأن استبعاد بعض الفاعلين يؤدي إلى استمرار النزاع.
كما تبرز أهمية توفير الموارد المالية الكافية لتنفيذ الاتفاقيات، وضرورة وجود دعم دولي مستمر، إضافة إلى أهمية بناء مؤسسات قوية لتنفيذ الترتيبات الأمنية.
وتشير أيضًا إلى ضرورة معالجة النزاعات المحلية، خاصة القبلية، بالتوازي مع الاتفاقيات الوطنية، وأهمية إشراك المجتمعات المحلية في عملية السلام، وليس فقط النخب السياسية (de Waal, 2022).
7.6 دراسة التكامل بين الأطراف المختلفة، فعالية الالتزامات العسكرية والمدنية، أثر الاتفاقية على تجنب النزاعات الجديدة
أظهرت الاتفاقية مستوى محدودًا من التكامل بين الأطراف، حيث استمرت الانقسامات داخل الحركات المسلحة، إضافة إلى ضعف التنسيق بين الحكومة المركزية والسلطات المحلية.
كما أن الالتزامات العسكرية، خاصة دمج القوات، لم تُنفذ بشكل كامل، مما أثر على الأمن والاستقرار، في حين أن الالتزامات المدنية، مثل إعادة الإعمار، واجهت تحديات تمويلية وإدارية.
أما من حيث تأثير الاتفاقية على تجنب النزاعات الجديدة، فقد أظهرت النتائج أنها ساهمت في خفض النزاع المسلح المنظم، لكنها لم تمنع النزاعات المحلية، خاصة في دارفور، مما يشير إلى ضرورة تبني نهج شامل يجمع بين الأمن والتنمية والمصالحة (International Crisis Group, 2021).
- التجارب المستفادة من اتفاقيات السلام في دول جوار السودان
8.1 الاتفاقيات الرئيسية وأسباب نجاحها
تشمل تجارب دول الجوار عدة اتفاقيات مهمة، مثل اتفاقية السلام في جنوب السودان (2018)، واتفاق أروشا في بوروندي (2000)، واتفاقية السلام في إثيوبيا مع جبهة تيغراي (2022)، حيث نجحت بعض هذه الاتفاقيات في تقليل العنف وتحقيق استقرار نسبي (Curtis, 2013).
وتعود أسباب النجاح إلى عدة عوامل، منها شمول الاتفاقيات لجميع الأطراف، ووجود ضمانات دولية، ودور الوساطة الإقليمية الفعالة، إضافة إلى وجود آليات تنفيذ واضحة.
كما أن بعض الاتفاقيات اعتمدت على تقاسم السلطة بشكل متوازن، ومعالجة قضايا الهوية والموارد، مما ساهم في تقليل دوافع النزاع.
8.2 العوامل المؤثرة في تطبيق الاتفاقيات
تتأثر عملية تنفيذ الاتفاقيات بعدة عوامل، منها قوة الدولة ومؤسساتها، وتوفر الموارد المالية، ودور المجتمع الدولي، إضافة إلى مستوى الثقة بين الأطراف.
كما تلعب العوامل المحلية، مثل النزاعات القبلية، دورًا مهمًا في تحديد نجاح الاتفاقيات، حيث يمكن أن تؤدي هذه النزاعات إلى تقويض السلام حتى في ظل وجود اتفاق رسمي.
وتشير الدراسات إلى أن ضعف المؤسسات يمثل أحد أهم أسباب فشل الاتفاقيات في أفريقيا (Curtis, 2013).
8.3 مقارنة التجارب مع سياق السودان
عند مقارنة هذه التجارب مع السودان، يتضح وجود تشابه في أسباب النزاعات، مثل التهميش والصراعات على الموارد، لكن يختلف السياق في تعقيد التعدد الإثني والجغرافي، وتعدد الفاعلين المسلحين.
كما أن السودان يعاني من ضعف مؤسسات الدولة بشكل أكبر مقارنة ببعض دول الجوار، مما يجعل تنفيذ الاتفاقيات أكثر صعوبة.
وتشير المقارنة إلى أن الاتفاقيات التي نجحت في دول أخرى اعتمدت على بناء مؤسسات قوية، وهو ما يمثل تحديًا رئيسيًا في السودان.
8.4 الدروس المستفادة لتصميم اتفاقيات مستقبلية
تشير التجارب الإقليمية إلى أهمية تصميم اتفاقيات شاملة تشمل جميع الأطراف، وضرورة وجود آليات تنفيذ واضحة وقابلة للمراقبة، إضافة إلى أهمية إشراك المجتمع المدني.
كما تؤكد أهمية التوازن بين الحلول السياسية والأمنية والاقتصادية، وضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، وليس فقط نتائجه.
وتبرز أيضًا أهمية الدور الإقليمي في دعم السلام، خاصة في المناطق ذات الترابط الجغرافي والسياسي.
8.5 دراسة مدى قابلية تطبيق التجارب الإقليمية في السياق السوداني، تقييم المخاطر والفرص الناتجة عن تطبيق هذه التجارب
يمكن تطبيق بعض التجارب الإقليمية في السودان، خاصة في مجالات تقاسم السلطة والوساطة الإقليمية، لكن يتطلب ذلك تكييفها مع السياق المحلي، خاصة في ما يتعلق بالتنوع الإثني والقبلي.
ومن الفرص المتاحة: الاستفادة من خبرات الدول المجاورة، وتعزيز التعاون الإقليمي، والحصول على دعم دولي لتنفيذ الاتفاقيات.
أما المخاطر، فتشمل نقل نماذج غير مناسبة للسياق السوداني، أو الاعتماد المفرط على الوساطة الخارجية دون بناء قدرات محلية، إضافة إلى احتمال تجاهل النزاعات المحلية، مما قد يؤدي إلى تجدد العنف.
وتؤكد هذه النتائج أن نجاح أي اتفاق مستقبلي في السودان يعتمد على الجمع بين الخبرات الدولية والمحلية، وتطوير نموذج سوداني خاص لإدارة النزاعات (de Waal, 2022).
- التجارب المستفادة من اتفاقيات السلام في دول أخرى مشابهة للسودان
9.1 الاتفاقيات الرئيسية وأسباب نجاحها
تشمل التجارب الدولية المشابهة للسودان حالات مثل كولومبيا (اتفاق السلام 2016 بين الحكومة وقوات فارك)، ونيبال (اتفاق السلام الشامل 2006)، وسيراليون (اتفاق لومي 1999)، وليبيريا (اتفاق أكرا 2003)، حيث تتشابه هذه الدول مع السودان في تعدد الهويات، ضعف المؤسسات، ووجود صراعات طويلة الأمد (Collier, 2007).
وقد نجحت هذه الاتفاقيات بدرجات متفاوتة نتيجة عدة عوامل، أبرزها شمولية الاتفاقيات التي عالجت القضايا السياسية والعسكرية والاقتصادية، ووجود دعم دولي قوي، إضافة إلى إدماج الجماعات المسلحة في العملية السياسية، حيث تم في كولومبيا إدماج أكثر من 13,000 مقاتل سابق في برامج إعادة الإدماج (Fajardo-Steinhäuser, 2023).
كما لعبت العدالة الانتقالية دورًا مهمًا، مثل إنشاء نظام العدالة الخاصة في كولومبيا، ولجان الحقيقة في سيراليون وليبيريا، مما ساهم في معالجة الانتهاكات وبناء الثقة بين الأطراف.
ويُلاحظ أيضًا أن بعض الاتفاقيات تضمنت إصلاحات هيكلية، مثل إعادة توزيع الأراضي في كولومبيا، وهو ما عالج أحد الأسباب الجذرية للنزاع.
9.2 العوامل المؤثرة في تطبيق الاتفاقيات
تعتمد فعالية تطبيق الاتفاقيات على عدة عوامل، منها قوة المؤسسات السياسية والإدارية، حيث تشير الدراسات إلى أن الدول ذات المؤسسات القوية تقل فيها احتمالية عودة النزاع بنسبة تصل إلى 40% (Collier, 2007).
كما يلعب التمويل دورًا حاسمًا، حيث تتطلب برامج إعادة الإعمار وإعادة الإدماج موارد مالية كبيرة، وقد واجهت بعض الدول تحديات في هذا المجال، مثل ليبيريا وسيراليون.
وتؤثر أيضًا درجة الالتزام السياسي من الأطراف، حيث أن غياب الإرادة السياسية يؤدي إلى تأخير أو فشل التنفيذ، إضافة إلى دور المجتمع الدولي في تقديم الدعم الفني والمالي.
كما أن العوامل الاجتماعية، مثل الثقة بين المجتمعات، ومستوى المصالحة، تؤثر بشكل كبير على استدامة السلام، حيث تشير البيانات إلى أن المجتمعات التي شهدت برامج مصالحة فعالة تقل فيها احتمالية العنف (Fajardo-Steinhäuser, 2023).
9.3 مقارنة التجارب مع سياق السودان
تتشابه هذه التجارب مع السودان في وجود نزاعات متعددة الأبعاد تشمل العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لكن تختلف في درجة تعقيد الصراع، حيث يتميز السودان بتعدد مراكز النزاع (دارفور، النيل الأزرق، جنوب كردفان) وتداخلها مع النزاعات القبلية والمحلية.
كما أن السودان يعاني من ضعف مؤسسات الدولة بشكل مزمن، مقارنة بدول مثل كولومبيا التي تمتلك مؤسسات أكثر استقرارًا، رغم وجود النزاع.
وتُظهر المقارنة أن الاتفاقيات التي نجحت في الدول الأخرى اعتمدت على تنفيذ تدريجي ومدعوم دوليًا، بينما واجه السودان تحديات في الاستمرارية والتنفيذ.
كما أن بعض الدول، مثل نيبال، نجحت في التحول السياسي بعد الاتفاق، بينما واجه السودان صعوبات في الانتقال السياسي، مما أثر على تنفيذ الاتفاقيات.
9.4 الدروس المستفادة لتصميم اتفاقيات مستقبلية
تشير التجارب إلى ضرورة تصميم اتفاقيات شاملة تعالج جميع أبعاد النزاع، مع التركيز على الإصلاح المؤسسي، وتقاسم السلطة والثروة، والعدالة الانتقالية.
كما تؤكد أهمية وجود آليات تنفيذ واضحة، وجداول زمنية محددة، وآليات رقابة فعالة، إضافة إلى أهمية إشراك المجتمع المدني والنساء.
وتبرز أيضًا أهمية ربط السلام بالتنمية الاقتصادية، حيث أن تحسين الظروف المعيشية يقلل من احتمالية العودة إلى النزاع.
كما تشير التجارب إلى أهمية التدرج في تنفيذ الاتفاقيات، وتجنب الحلول السريعة التي لا تعالج الأسباب الجذرية للنزاع (Collier, 2007).
9.5 تحليل نقاط القوة والضعف في التجارب الدولية المشابهة، إمكانية تكييفها للسودان مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية
تتمثل نقاط القوة في هذه التجارب في شمولية الاتفاقيات، ودعم المجتمع الدولي، ووجود آليات للعدالة الانتقالية، إضافة إلى برامج إعادة الإدماج والتنمية.
أما نقاط الضعف، فتشمل الاعتماد الكبير على الدعم الخارجي، وضعف الاستدامة في بعض الحالات، مثل استمرار العنف في كولومبيا رغم الاتفاق.
وفي ما يتعلق بإمكانية التكييف مع السودان، فإن ذلك يتطلب مراعاة الخصوصية المحلية، خاصة في ما يتعلق بالنزاعات القبلية، ونظام الإدارة الأهلية، والتنوع الثقافي.
كما يتطلب بناء نموذج سوداني يجمع بين التجارب الدولية والخبرات المحلية، مع التركيز على تعزيز دور المجتمعات المحلية، وتحقيق توازن بين المركز والأطراف (de Waal, 2022).
- النتائج
10.1 نتائج الممارسات الدولية والإقليمية في وقف الحروب الأهلية
تشير نتائج المراجعة المنهجية إلى أن الاتفاقيات الشاملة التي تتضمن عناصر متعددة (سياسية، أمنية، اقتصادية) تحقق معدلات نجاح أعلى في إنهاء الحروب الأهلية مقارنة بالاتفاقيات الجزئية، حيث تقل احتمالية عودة النزاع بنسبة تتراوح بين 30% و40% (Rettberg & Dupont, 2023).
كما أن وجود دعم دولي وإقليمي يزيد من فرص نجاح الاتفاقيات، خاصة في المراحل الأولى بعد التوقيع، حيث يلعب هذا الدعم دورًا في توفير الموارد وضمان التنفيذ.
وتُظهر النتائج أن إدماج الجماعات المسلحة في العملية السياسية يمثل عاملًا حاسمًا في تحقيق الاستقرار، إضافة إلى أهمية برامج نزع السلاح وإعادة الإدماج.
10.2 فعالية الممارسات في منع تجدد النزاع
تشير البيانات إلى أن فعالية الممارسات تختلف حسب السياق، لكن هناك عوامل مشتركة تؤثر على منع تجدد النزاع، مثل قوة المؤسسات، ومستوى التنمية الاقتصادية، ودرجة المشاركة المجتمعية.
كما أن إدماج النساء في عمليات السلام يقلل من احتمالية عودة النزاع بنسبة تصل إلى 11%، وترتفع إلى 37% مع وجود دعم دولي (Fontana et al., 2025).
وتُظهر النتائج أن غياب العدالة الانتقالية يؤدي إلى زيادة احتمالية تجدد النزاع، بسبب استمرار مشاعر الظلم وعدم المحاسبة.
10.3 مؤشرات استدامة السلام
تشمل مؤشرات استدامة السلام: مدة السلام بعد الاتفاق (10–20 سنة)، انخفاض معدلات العنف، تحسن مؤشرات التنمية الاقتصادية، وزيادة الثقة بين المجتمعات.
كما تشمل مؤشرات أخرى مثل مستوى تنفيذ الاتفاقيات، ودرجة المشاركة السياسية، واستقرار المؤسسات، حيث تشير الدراسات إلى أن الدول التي تحافظ على السلام لأكثر من عقد تقل فيها احتمالية العودة للحرب بشكل كبير (Demeritt & Nichols, 2014).
كما أن وجود أنظمة إنذار مبكر، وآليات مراقبة فعالة، يساهم في تعزيز استدامة السلام.
10.4 تحليل النتائج وربطها بمحددات النجاح والفشل، تحديد الأنماط المشتركة بين التجارب الناجحة والفاشلة، استنتاج آليات التطبيق الفعالة للسودان
يُظهر تحليل النتائج وجود أنماط مشتركة بين التجارب الناجحة، تشمل: شمولية الاتفاقيات، وجود مؤسسات قوية، دعم دولي، ومشاركة مجتمعية واسعة.
أما التجارب الفاشلة، فتتميز بضعف التنفيذ، وغياب الثقة، واستبعاد بعض الأطراف، وعدم معالجة الأسباب الجذرية للنزاع.
وفي ما يتعلق بالسودان، تشير النتائج إلى أن نجاح أي اتفاق مستقبلي يتطلب الجمع بين هذه العوامل، مع التركيز على بناء مؤسسات قوية، ومعالجة النزاعات المحلية، وتعزيز المشاركة المجتمعية.
كما تشير إلى ضرورة تطوير نموذج سوداني خاص يعتمد على التكامل بين الخبرات الدولية والمحلية، مع مراعاة الخصوصية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، لضمان استدامة السلام ومنع تجدد النزاع (de Waal, 2022).
- الخلاصات والاستنتاجات
11.1 تلخيص النتائج الرئيسة
تشير نتائج المراجعة المنهجية إلى أن إنهاء الحروب الأهلية ومنع تجددها يعتمد على مجموعة مترابطة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، حيث أظهرت البيانات أن الاتفاقيات الشاملة التي تتضمن تقاسم السلطة، والترتيبات الأمنية، والعدالة الانتقالية، والتنمية الاقتصادية، تحقق معدلات نجاح أعلى من الاتفاقيات الجزئية، مع انخفاض احتمالية عودة النزاع بنسبة تتراوح بين 30% و40% (Rettberg & Dupont, 2023).
كما أظهرت النتائج أن ما يقارب 50% من الدول الخارجة من النزاعات تعود إلى الحرب خلال عشر سنوات، مما يؤكد أن إنهاء الحرب لا يعني تحقيق السلام المستدام، وأن خطر الانتكاس يظل مرتفعًا في ظل ضعف المؤسسات (Demeritt & Nichols, 2014).
وتبين أن إدماج الفاعلين المحليين، خاصة النساء والمجتمع المدني، يعزز استدامة السلام، حيث تقل احتمالية عودة النزاع بنسبة تصل إلى 64% في الاتفاقيات التي تتضمن مشاركة مجتمعية واسعة (United Nations, 2024).
كما أكدت النتائج أن غياب العدالة الانتقالية، وضعف تنفيذ الاتفاقيات، وعدم معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، مثل التهميش والصراعات على الموارد، يؤدي إلى فشل الاتفاقيات على المدى الطويل (Collier, 2007).
11.2 استنتاجات حول فعالية الممارسات
تُظهر الاستنتاجات أن فعالية الممارسات لا تعتمد على وجود اتفاق سلام فقط، بل على جودة تصميمه وآليات تنفيذه، حيث أن الاتفاقيات التي تتضمن آليات تنفيذ واضحة، ومؤشرات قياس الأداء، وضمانات دولية، تكون أكثر قدرة على تحقيق الاستقرار.
كما يتضح أن الترتيبات الأمنية، مثل نزع السلاح وإعادة الإدماج، تمثل عنصرًا حاسمًا، لكن فعاليتها ترتبط بوجود فرص اقتصادية للمقاتلين السابقين، حيث أن غياب هذه الفرص يؤدي إلى عودة العنف.
وتشير الأدلة إلى أن الإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحوكمة، وتقليل الفساد، تمثل عوامل أساسية في منع تجدد النزاع، حيث أن الدول ذات المؤسسات القوية تقل فيها احتمالية العودة للحرب بشكل ملحوظ (Collier, 2007).
كما أن الممارسات التي تدمج بين الحلول السياسية والتنموية تحقق نتائج أفضل مقارنة بالمقاربات الأمنية فقط.
11.3 العلاقة بين النظرية والتطبيق في السياق السوداني
تُظهر الدراسة وجود فجوة واضحة بين الأطر النظرية للحروب الأهلية والتطبيق العملي في السودان، حيث أن العديد من الاتفاقيات، مثل اتفاقية أديس أبابا 1972 واتفاقية السلام الشامل 2005 واتفاقية جوبا 2020، تضمنت عناصر نظرية صحيحة، لكنها فشلت جزئيًا بسبب ضعف التنفيذ وغياب المؤسسات القادرة على تطبيقها (Johnson, 2016).
كما أن النظريات التي تركز على تقاسم السلطة لم تكن كافية في السياق السوداني، بسبب تعقيد النزاعات المحلية والقبلية، مما يتطلب دمج نظريات أخرى تأخذ في الاعتبار الديناميات المحلية.
وتشير النتائج إلى أن التطبيق في السودان تأثر بعوامل مثل عدم الاستقرار السياسي، والانقلابات العسكرية، وضعف الثقة بين الأطراف، مما أدى إلى تقويض الاتفاقيات رغم سلامة تصميمها النظري في بعض الحالات (de Waal, 2022).
11.4 استخلاص الاستنتاجات على أساس الأدلة العملية والنظرية، تقييم تأثير الممارسات على القطاعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، تحديد أولويات السياسة المستقبلية
تؤكد الأدلة أن الممارسات الفعالة لإيقاف الحروب الأهلية تؤدي إلى تحسين الاستقرار السياسي، وزيادة المشاركة في الحكم، وتقليل العنف، لكنها قد تفشل في تحقيق التنمية الاقتصادية إذا لم يتم ربط السلام بالإصلاح الاقتصادي.
كما أن تأثير هذه الممارسات على القطاع الاجتماعي يظهر في تحسين الثقة بين المجتمعات، وتقليل النزاعات المحلية، لكنه يظل هشًا في غياب المصالحة الشاملة.
وفي القطاع الاقتصادي، تشير الدراسات إلى أن الحروب الأهلية قد تخفض الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 38%، وأن تحقيق السلام يمكن أن يؤدي إلى نمو اقتصادي تدريجي، إذا تم الاستثمار في التنمية (Collier, 2007).
وتتمثل أولويات السياسة المستقبلية في السودان في: بناء مؤسسات قوية، تعزيز العدالة الانتقالية، معالجة النزاعات المحلية، وربط السلام بالتنمية الاقتصادية، مع التركيز على إدارة الموارد الطبيعية بشكل عادل.
- الدروس المستفادة
12.1 أهم الدروس من التجارب المحلية والدولية
تشير التجارب إلى أن شمولية الاتفاقيات تمثل شرطًا أساسيًا لنجاحها، وأن استبعاد أي طرف يؤدي إلى استمرار النزاع أو تجدد العنف.
كما تؤكد أهمية وجود آليات تنفيذ قوية، وضمانات دولية، ومراقبة مستمرة، إضافة إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للنزاع، مثل التهميش وعدم العدالة في توزيع الموارد.
وتبرز أيضًا أهمية التدرج في تنفيذ الاتفاقيات، وتجنب الحلول السريعة التي لا تعالج المشكلات البنيوية، إضافة إلى أهمية بناء الثقة بين الأطراف من خلال إجراءات ملموسة (de Waal, 2022).
12.2 دمج الموارد المائية، الأراضي، والقطاع الزراعي في استراتيجيات منع النزاع
تُظهر الأدلة أن النزاعات في السودان ترتبط بشكل وثيق بالموارد الطبيعية، خاصة المياه والأراضي، حيث تمثل هذه الموارد مصدرًا رئيسيًا للصراع بين الرعاة والمزارعين.
كما أن تغير المناخ، والتصحر، ونقص المياه، يزيد من حدة هذه النزاعات، مما يتطلب إدماج إدارة الموارد في استراتيجيات السلام.
وتشمل هذه الاستراتيجيات: تنظيم استخدام الأراضي، إنشاء آليات محلية لحل النزاعات، تحسين إدارة الموارد المائية، ودعم القطاع الزراعي، بما يقلل من التنافس على الموارد (United Nations, 2024).
كما أن دمج السياسات الزراعية مع سياسات السلام يساهم في تحقيق استقرار طويل المدى.
12.3 إشراك المجتمع المدني والنساء والشباب في استراتيجيات السلام
تشير الدراسات إلى أن إشراك المجتمع المدني يعزز شرعية الاتفاقيات، ويزيد من فرص نجاحها، حيث أن الاتفاقيات التي تشمل مشاركة مجتمعية تكون أكثر استدامة.
كما أن مشاركة النساء ترتبط بانخفاض احتمالية عودة النزاع، إضافة إلى دور الشباب في بناء السلام، خاصة في المجتمعات التي تشهد نسب بطالة مرتفعة.
وتتطلب هذه المشاركة توفير تدريب وبناء قدرات، وضمان تمثيل حقيقي في صنع القرار، وليس مجرد مشاركة شكلية (Fontana et al., 2025).
كما أن إشراك هذه الفئات يساهم في معالجة الجذور الاجتماعية للنزاع.
12.4 تحديد العوامل الرئيسية لاستدامة السلام، تحليل كيفية تكييف الدروس المستفادة للسياق السوداني المحلي والإقليمي والدولي
تشمل العوامل الرئيسية لاستدامة السلام: قوة المؤسسات، شمولية الاتفاقيات، العدالة الانتقالية، التنمية الاقتصادية، والمشاركة المجتمعية.
كما أن وجود أنظمة إنذار مبكر، وآليات مراقبة فعالة، يساهم في منع تجدد النزاع.
وفي ما يتعلق بالسودان، يتطلب تكييف هذه الدروس مراعاة الخصوصية المحلية، مثل دور الإدارة الأهلية، والتنوع الإثني، والنزاعات على الموارد، إضافة إلى ضرورة التنسيق بين المستويات المحلية والإقليمية والدولية.
كما يتطلب تطوير نموذج سوداني لإدارة النزاعات يعتمد على التكامل بين الخبرات الدولية والمحلية، مع التركيز على بناء السلام من القاعدة إلى القمة، وليس فقط عبر النخب السياسية (Johnson, 2016).
المراجع
- Addis Ababa Agreement. Agreement on the Problem of South Sudan. 1972.
- Collier P. The Bottom Billion. Oxford University Press; 2007.
- Council on Foreign Relations. Women’s Participation in Peace Processes. 2023.
- Curtis D. Peacebuilding in Africa: Theoretical and Practical Perspectives. Routledge; 2013.
- Demeritt J, Nichols A. Female Participation and Civil War Relapse. J Peace Res. 2014.
- de Waal A. The Real Politics of the Horn of Africa. Polity Press; 2022.
- Deng FM. War of Visions: Conflict of Identities in the Sudan. Brookings Institution; 1995.
- Fajardo-Steinhäuser M. Peace Dividends: The Economic Effects of Colombia’s Peace Agreement. 2023.
- Fontana G, Kartsonaki A, Neudorfer N, Wolff S. Women in Peace Processes and Conflict Recurrence. 2025.
- Högbladh S. Peace Agreements 1975–2011 Dataset. Uppsala University; 2011.
- International Crisis Group. Sudan’s Juba Peace Agreement: Fragile Gains. 2021.
- Johnson DH. The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. James Currey; 2016.
- Jones B. Inclusive Peace for Social Development. UNRISD; 2025.
- Juba Peace Agreement. Government of Sudan and Armed Movements. 2020.
- Kuol LB. Civil Wars in Sudan and South Sudan. In: Richmond O, Visoka G, editors. The Palgrave Encyclopedia of Peace and Conflict Studies. Cham: Palgrave Macmillan; 2020.
- Lomé Peace Agreement. United Nations; 1999.
- Muriuki CN. Sudan’s North-South Conflict and Civil War. J Developing Country Stud; 2014.
- Rettberg A, Dupont P. Peace Agreement Design and Conflict Recurrence. 2023.
- Truth and Reconciliation Commission Sierra Leone. 1999.
- Tubiana J, Warin C, Saeneen M. Multilateral Damages: The Impact of the Juba Agreement. 2020.
- United Nations. Women, Peace and Security Report. 2024.
- United Nations Women. Women, Peace and Security Statistics. 2025.
- Young J. The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. Zed Books; 2012.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم