أفكار عامة حول النقد السياسي كمدخل للتطور والنهضة (1)

كيف نجعل النقد السياسي الجادّ والسّاخر كذلك، والبنّاء أو الهدّام، مدخلاً ومنطلقاً ومرتكزاً نحو مشروع للتطوّر والنهضة؟
المجتمعات والشعوب التي شهدت تطوّراً ونهضة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، واجهت قبل تطوّرها ونهضتها، كوارث وأزمات وحروب ونزاعات وصراعات؛ ولكن مع عوامل أخرى، كان أهم مؤشر يمكن القياس عليه هو عملية النقد والنقد المضاد، ومن ثمّ، تطوّر هذه العملية لأفكار ومشاريع اجتماعية، وسياسية، واقتصادية، وثقافية. كان (حُداة الركب) في هذه العملية، الكتابُ، والفلاسفة، والمثقفون، والفنانون، والمهنيّون، وغيرهم من قطاعات المجتمع وقواه الحيّة.
كان ذلك يحدث رغم اختلاف الأدوات والوسائل -لا أريد أن أقول بدائيتها- المتوفرة والمستخدمة في هذه العملية في عصر النهضة الأوروبيّة مثلاً، عند مقارنتها بالأدوات والوسائل المتوفرة والمستخدمة في العصر الحالي؛ لكن العامل الحاسم كان رغبة تلك المجتمعات والشعوب في التطوّر والنهضة قبل قدرتها على إنجاز هذه المهمة.
وفي زعمي فإن القدرة ذاتها ابنة الرغبة، والرغبة ابنة التفكير النقدي، والتفكير النقدي هو نتيجة للنقد والنقد المضاد، وهذا النوع من التفكير هو ما ينتج الجديد اجتماعياً، وسياسياً، واقتصادياً، وثقافياً. كل ذلك حدث ويحدث بالضرورة، ضمن عملية جدلية معقّدة، في المسافة والمساحة الزمنية ما بين وقوع الكوارث والأزمات والوصول إلى التطوّر والنهضة.
كوارث وأزمات وحروب وصراعات← نقد ونقد مضاد← تفكير نقدي← رغبة← قدرة← تطوّر ونهضة.
وقد تحاور الفلاسفة والنقاد والأكاديميون في زمن مضى كثيراً حول النقد، وانشغلوا ليس بماهيته وتفسيره ومدارسه ومجالاته فحسب، بل كذلك بين أن يكون متخصصاً، يجول بين الأروقة الأكاديمية والمجلات والدوريات الفكرية وصالونات الأدب والفلسفة، بسبب لغته “الفخمة” ومصطلحاته المعقدة ومباحثه المتعددة، وبين أن يكون جسراً للتواصل مع المجتمعات لينمو ويترعرع في تفاعله معها، وتنمو وتترعرع هذه المجتمعات في تفاعلها معه.
على أن الطفرة التكنولوجية، حسمت في ظني مثل هذا النوع من الحوارات والجدالات حتى ولو في شكلها البسيط لا المركب، بحيث أصبحت نقرة على الهاتف أو الكيبورد تتيح للكل الوصول والتواصل والتحدث وتقديم الآراء للفلاسفة والنقاد والأكاديميين، بل ونقدهم في كثير من الأحيان.
وتتفاوت دقة النقد وحيويته وتتباين درجة نصاعته من فرد لآخر ومن مجتمع لمجتمع؛ وما يحسم هذه الدقة وهذه الحيوية هو التحصيل المعرفي للناقد الفرد أو المجموعات، وهذا ما جعلني اجترح في هذا السياق مصطلح آخر هو (النقد المضاد).
على أن المجال الذي يسعى هذا المقال لاستكشافه وسبر أغواره هو مجال النقد السياسي، وذلك وفقاً لاهتمامات الكاتب وللسياق التاريخي والمعضلة التاريخية لبلادنا حالياً وهي معضلة الحرب وما بعد نهايتها.
وفي هذا أزعم بأن ما يحدث الآن في بلادنا من نقد ونقد مضاد بين الفاعلين ومن هم “مؤهّلون” في المجتمع ليكونوا قادةَ الركب، لم تكتمل شروطه الذاتيّة، بالرغم من مظاهر اكتمال شروطه الموضوعيّة. بمعنى آخر، وقعت وما تزال تقع كوارث وأزمات وحروب ونزاعات وصراعات، لكن المنتبهين لتحويل عمليّة النقد والنقد المضاد ضمن التسلسل المذكور أعلاه، إلى مدخل ومنطلق ومرتكز نحو التطوّر والنهضة هم قِلّة -ربّما تكاد أصواتهم لا تصل- في خضمّ تهافت الأكثرية نحو استخدام عمليّة النقد والنقد المضاد لحالة وليس لمشروع؛ حالة تقود إلى كسبٍ مؤقّت ربما لا يساعد في حدوث التطوّر والنهضة!
إنّ التهافت نحو الكسب المؤقّت في خضمّ المعارك والأزمات الكبرى يبطل الرغبة ويحوّل النقد إلى نشوةٍ لحظيّة (أورجازم) وفعل سريع الذوبان في الحدث الذي يليه، لتتكرّر هذه العمليّة مع كل حدث جديد؛ وبذلك تغيب القدرة وينتفي التفكير النقدي ويصعُب بالتالي حدوث النهضة والتطوّر.
نواصل

السودان

تفكيك_النص

النقدالسياسيكمدخل

عن البراق النذير الوراق

شاهد أيضاً

أفكار عامة حول النقد السياسي كمدخل للتطور والنهضة (5)

البراق النذير أميركا والسعودية.. من الشيطان الأكبر إلى الأخ الأكبر!وكل هذه العملية من المسايرة والدعم …