“إسكات البنادق” .. فرص السلام في جنوب السودان .. بقلم: ماد قبريال

 

ما أن أدى النائب الأول لرئيس الجمهورية رياك مشار القسم أمام الرئيس في القصر الرئاسي في العاصمة جوبا، بمعية نواب الرئيس الآخرين، حتى بدأ لنا المشهد عظيمًا في تفاصيله، تجسدَ في ارتخاء عضلات وجوه كثيرين عانوا أيما معاناة جراء الحرب وتداعياتها. وشهد الجميع خطابات القادة الذين رسموا تفاؤلا منتظرًا لاستقرار الدولة، رغبتًا لإسكات صوت السلاح. فالأوضاع الراهنة في البلاد لا تحتمل أي انفجاراتٍ أخرى، يمكن أن تزيد الأوضاع المعيشية والاقتصادية سوءً، وسط تحذيراتٍ من منظمة الأغذية العالمية أن أكثر من نصف سكان البلاد يواجهون خطر الفقر الغذائي، وهو مؤشر جدي يعكس مدى عمق تأثيرات الأزمة على أكثر من صعيد. 

وبكل الأحوال، لا يمكن نكران أدوار القوى الإقليمية والدولية في تجاوز الخلافات عبر تكثيف ضغوطاتها مؤخرا على الأطراف المتحاربة، والتي ساهمت في حدوث انفراجيه تباين الآراء حول عدد الولايات، فجولات التفاوض الأخيرة على هامش قمة الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، أدت لعدول الرئيس سلفاكير عن قراره السابق بزيادة عدد الولايات، واصفًا إياه “بالانسحاب التكتيكي” وهو الخبير رجل الاستخبارات السابق، الذي يُعرف كيفية إيصال رسائله. وفي المقابل، انحناء غريمه مشار للعاصفة أيضًا، وترحيبه بمبادرة الرئيس التوسطية، نتيجة إدراك الرجلين، أي كير ومشار، بأن فرص نجاح اتفاقية السلام المُنشطة سبتمبر 2018، مرهونة هذه المرة بمزاج التغيير في خارطة المشهد الإقليمي والدولي، والرغبة في تحقيق الاستقرار في عموم الإقليم. وفي هذا السياق، مثّل التغيير في السودان، دافعا إضافيًا منذ نجاح ثورة ديسمبر المجيدة بالإطاحة بنظام الرئيس عمر البشير، وتشكّيل حكومة توافقية بين المدنيين والعسكر، الأمر الذي ساهم في دفع عملية السلام في البلدين. بينما يستشعر الرئيس الأوغندي موسفيني مخاطر استمرار الحرب في البلاد، وتأثيراتها على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في بلاده، وهو الذي يخوض صراعا آخرا للترشح في الانتخابات الرئاسية العام المقبل، إضافة إلى تبنى الاتحاد الأفريقي في قمته الأخيرة في أديس أبابا شعار طموح عنوانه “إسكات البنادق”، بهدف إنهاء الحروب والنزاعات المسلحة في القارة.

تحديات المراحل الانتقالية
لا تخلو عملية تنفيذ السلام في البلاد من عدة تحديات، ولسنا في مقام التفاؤل المطلق أو الحذر المبالغ فيه، بل في منزلة بين الاثنين، لعلمنا بأن معضلتنا الأساسية كانت ولا تزال في كيفية تجاوز المراحل الانتقالية، أي منذ المرحلة الأول ما قبل الانتقالية التي تلت توقيع اتفاقية نيفاشا 2005، مرورا، بفترة الشراكة الانتقالية بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني 2005-2011، والاستفتاء وإعلان قيام الدولة عام 2011، بوصف الباحث محمود ممداني أستاذ العلوم السياسية، في رأي شهير، طرح فيه خلافه مع أعضاء لجنة التحقيق التي شكلها الاتحاد الأفريقي للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد في ظل الحرب الراهنة. وبرأي ممداني أن دولتنا ليست دولة فاشلة كما تحاجج الأدبيات، بقدر ما هو فشل مراحل الانتقال التي مرت بها الدولة. وفي تقديرنا، عبر ممداني بهذا الرأي تعبيرا سديدا عن مكامن الخلل في الدولة، والذي يكمن في أزمة تحوّل الحركة الشعبية لتحرير السودان الحاكمة من إدارة حرب التحرير إلى إدارة الدولة، وما تتطلبه من بناء المؤسسات وديمقراطية اتخاذ القرارات. وهذا الطرح، يماثل إلى حدا ما، ما قائله خبير حروب التحرير في القارة البروفيسور كرستوفر كلافام عما أسماه بـ “لعنة التحرير” بمعني أن حركات التحرير غالبا ما تلجأ إلى أسطره مساهمتها النضالية، لاكتساب شرعية السلطة وتجنب المساءلة في حالة الإخفاق، ونجد أن قادة الحركة الشعبية طبقوا هذه الممارسة، وسعوا لإضفاء مزيد من الأسطرة لحزبهم الحاكم، بحجة أنهم المحررين The Liberator)).
ولعلى هنا أتفق مع أطروحة الباحث مايكل بروان في دراسته المعنونة “أسباب النزاعات المحلية” (The Causes of Internal Conflict)، التي يرفض المسلّمة التي غالبًا ما يثيرها الباحثين في تفسير الحروب الأهلية، وهي فرضية الأحقاد التاريخية (Ancient Hatreds)، والتي إن كانت تفسرا جزئيًا، جذور المشكلات، إلا أنها لا تقدم تفسيرات شاملة لأسباب اندلاعها. ويرى بروان، أنَّ هذا العامل ليس كافيًا لتفسير حدوث أي صراعٍ. ويحاجج أن النخب المحلية تعلب دورًا كبيرا في نشوء مثل هذه الصراعات. وفي تقديرنا، تشكّل هذه الأطروحة مقاربة مختلفة عن المقاربات التقليدية التي تٌحصر نشوء النزاعات في أسبابٍ مثل ضعف الدولة، العامل التاريخي أو الديني، الإثني أو القبلي، وخصوصا الأخيرة، التي أصحبت بمثابة الإجابة الجاهزة لكثيرٍ من المحللين والباحثين.

المطلوب عمله
يتوقف نجاح عملية السلام بعامل توافر الإرادة السياسية للأطراف المختلفة، كما تتوقف العملية أيضًا على مدى نجاح مساعي إلحاق القوى غير الموقعة للاتفاقية، والمشاركة في السلطة. إضافة إلى التحديات الأخرى المرتبطة بتنفيذ الترتيبات الأمنية وتوفير الموارد المالية اللازمة، فتدهور الوضع الاقتصادي العام في البلاد، وشح النقد الأجنبي، يهددان العملية برمتها. وغير خافي على أي أحد، ارتباط الدعم الخارجي بنجاح عملية السلام، مثلما شهدنا في تنفيذ اتفاقية نيفاشا. بيد أن القوى الدولية لديها اشتراطات مرهونة بجدية القادة في إبراز حد أدنى من المسؤولية تجاه المواطنين. وبين هذه الاشتراطات، تتوقف عملية السلام بين رهانات الداخل وضغوطات الخارج.

m.gatwech55@gmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً