بقلم: هشام الحلو
لعل الكتابة من الوهلة الأولى عن عماد البليك فعلٌ شائك وقلق، كونه أحد أبرز رموز جيل ما بعد التسعينيات السردي؛ “جيل القلق” الذي كسر حاجز المحلية وانفتح على الفضاء الكوني الرحب. والبليك، المهندس المعماري خريج جامعة الخرطوم، لم يكتفِ بتصميم الأبنية، بل أعاد اكتشاف السرد السوداني وهندسته من جديد، مستفيداً من نتاجه الغزير والمكثف في شتى ضروب الرواية والفكر، حيث تتبدى في نصوصه بصمة المعماري الذي يعتني بالهيكل بقدر اعتنائه بالتفاصيل الروحية والفلسفية. إن إرثه الأدبي الذي تشكل عبر سنوات من التنقلات الخارجية والعيش في فضاءات ثقافية متنوعة، قد منحه قدرة فذة على المزاوجة بين قضايا الداخل السوداني وبين المناهج النقدية الحديثة، وهو يرى في هذا الترحال وسيلة لاستكشاف الذات، مؤكداً أن “الخيال هو جوهر الإبداع الإنساني”، وأن الكتابة التي تستند إلى الذاكرة وحدها تظل ناقصة، فالأدب عنده هو “البعد الثاني أو الذاكرة الإنسانية الخفية التي نلمح من خلالها هويتنا، ومن نكون نحن بالضبط”.
ويتجلى هذا المشروع السردي بوضوح في أعماله التي أحدثت حراكاً نقدياً واسعاً، بدءاً من روايته الأولى “الأنهار العكرة” التي يعتبرها “البذرة لشجرة مشروعه الإبداعي”؛ ففي هذا العمل لم يقدم البليك إعادة إنتاج للواقع، بل غاص في ثنائية “الصحراء والنهر” التي شكلت طفولته في مدينة “بربر”، واصفاً إياها بأنها “انعكاس للبحث عن زمن مفقود” وهواجس الذات في مرايا الاغتراب، ذلك الإحساس الذي يطارد أي كائن يسافر بعيداً عن ترابه الأول. ومن هذه البداية، استمر في تشييد عوالمه عبر أعمال مثل “ماما ميركل”، “شاورما”، “دماء في الخرطوم”، و”قارسيلا”، متبعاً أسلوباً يمزج بين الواقعية السحرية والتحليل السيكولوجي، ومستخدماً ما يسمى بـ “المونتاج الروائي”؛ فالرواية عنده ليست نصاً مستمراً يُكتب من الألف إلى الياء كفرض مدرسي، بل هي تعبير عن رؤية للعالم وإعادة كتابة للوجود في سياقاته المتشابكة.
وفي رواية “شاورما” التي رشحت لجائزة البوكر، يطرح البليك فكرة “صناعة المجد الشخصي” والاعتماد على الذات، وهي ثيمة تتقاطع مع رؤيته الكلية لمستقبل السودان؛ حيث ينطلق في استشرافه من إيمان عميق بفكرة “سودان ما بعد الحداثة”، الوطن الذي يتجاوز الاستقطاب السياسي الحاد والتمترس خلف الأيديولوجيات الضيقة، لينتقل نحو آفاق رحبة قوامها القيمة الثقافية والتعليمية. وهو في ذلك يطرح “الوعي والمعرفة” باعتبارهما طوق النجاة الوحيد والسبيل الأوحد لفك شفرات الأزمات الوطنية المزمنة، بعيداً عن لغة الرصاص التي استنزفت مقدرات الإنسان، مؤكداً أن الخلاص يكمن في تحويل المجتمع من حالة الاستهلاك العاطفي للشعارات إلى حالة الإنتاج المعرفي الرصين. وتأتي رؤيته الفلسفية للهوية لتتوج هذا المشروع، حيث لا ينظر إليها بوصفها قدراً ثابتاً أو إرثاً جامداً، بل هي عنده “فعل متغير” وسياق متطور لا يعرف التوقف؛ وهو ما يظهر في جموحه الفكري وعدم اكتراثه بالطقوس التقليدية للكتابة، فهو يكتب في أي مناخ، مؤمناً بأن “البحث عن طقوس الكتابة يعوق الفعل نفسه”، وأن الكتابة الحقيقية لا تنتظر إملاءات ظرفية. لقد استطاع البليك عبر ترحاله الفكري واندماجه في المشهد الثقافي العربي والعالمي أن يبني جسراً معرفياً يربط السودان بمحيطه البعيد، لتظل تجربته السردية شاهداً حياً على أن الكتابة هي فعل مقاومة، وأن هندسة النص هي في جوهرها هندسة للحياة والمستقبل؛ وكما يقول البليك نفسه: “سوف يظل الكاتب يعمل دائماً على مشروع مفتوح.. فالحلم بالكمال منقصة، والحياة هي سر غامض محله الغرابة في أن نسرد الحكايات بلا نهاية”.
hishamissa.issa50@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم