إقالة وزير الخارجية البروف غندور”بين اليقظة والأحلام” .. بقلم: نوح حسن أبكر ( زامبيا)

 

الدبلوماسية مهنة بالغة التعقيد والحساسية ومتعددة التقاطعات السياسية التي قد لا يدرك كنهها جيداً إلا من عمل في هذا المرفق الهام الذي يعتبر خط الدفاع الأمامي الأولللسودان في ظل المؤامرات والفتن التي تحاك ضده. وقد تحقق اللباقة الدبلوماسية ما لا تستطيع القوة العسكرية أو التهديدات تحقيقه ولهذا ينفق العالم مليارات الدولارات على الأُمم المتحدة ومنظماتها المعنية بنظام الإنذار المبكر لدرء النزاعات المسلحة المحتملة. وقد يرى البعض أن مهنة الدبلوماسية نوع من الترف والإنفاق بإسراف ورغد العيش ولكن الواقع يخالف ذلك فالدبلوماسي محكوم بمسؤولية شخصية تتمثل في أُسلوب حديثة وهندامه وعلاقاته وتصرفاته بما يعكس ثقافة الوطن وكذلك محكوم بتصرفاته تجاه مهنته والدولة المضيفة ومدى مقدرته على عكس واقع الوطن للآخرين وتحسين سمعته وحمايته من الادعاءات المغرضة بأُسلوب وذوق رفيع، ويناط به توثيق عرى العلاقات في كافة المجالات مع الدولة المضيفة بحيث يضيف لبنة لما بناه سلفه من جذب للاستثمار وتبادل الزيارات الرسمية وإيجاد موطئ قدم لمواطنيه من رجال الأعمال للاستثمار. وما قد يراه الدبلوماسيون من وراء الأُفق قد لا يراه عامة الناس والوزراء أو أعضاء البرلمان الذين لم ينالهم حظ من دراسة العلوم السياسية والاقتصادية.وفي عالم تقنية المعلومات والاتصالات يتعذر على الدبلوماسي كتمان كل شيء فأجهزة التجسس والتصنت باتت منتشرة في كل مكانوتنقل الأخبار بالصوت والصورة ولم يسلم من ذلك صانعوا هذه الأجهزة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وروسيا حتى أن التجسس اطاح بالرئيس الأمريكي الراحل ريتشارد نيكسون وأثار فضيحة كلنتون،ونسمع أحياناً عن “تسرب” محادثات هاتفية لرؤساء دول تم تسجيلها سراً وهم يتحدثون في مواضيع بالغة الأهمية والحساسية الأمنية.وكانت المحادثات بين زعيمي زيمبابوي روبرت موقابي وجوشوا انكومو في السبعينات من القرن العشرين في لندن مسجلة سراً أثناء التفاوض مع الحكومة البريطانية للتخلص من نظام الحكم (حكم إيان اسميث) من جانب واحد. وفي هذا الصدد يقال أن الرئيس السابق المشير جعفر محمد نميري ( عليه الرحمة) عقد في السبعينات من القرن العشرين جلسة مغلقة لمجلس الوزراء وفي اليوم التالي تسربت كل المعلومات عن المواضيع التي جرى نقاشها الأمر الذي أصاب الرئيس نميري بالدهشة واستدعى جميع الحضور في تلك الجلسة وأخبرهم بأن أحدهم أفشى بأسرار الاجتماع وهنا قال الجميع بأنهم لم ولن يفعلوا ذلك ولكنهم اتهموا مخابرات دولة أجنبية واقتنع الرئيس نميري بذلك وقال لهم فيما معناه “من الآن فصاعداً دعوا الأبواب مفتحة ولينقلوا ما شاؤا لأن ما نقوله هو قرارنا”. بهذه المقدمة دعني أدلف إلى موضوع الساعة وهو إقالة البروف غندور من منصبه. من حق رئيس الجمهورية إقالة أو تعيين أي وزير حسب مرئياتهوتقييمه ونصائح البطانة وهى مسائل قد لا يعرفها إلا خاصة الخاصة في نظام الحكم غير أن تحليل ذلك القرار متروك لرجال الإعلام والساسة حتى لا يدلي كل إنسان بدلوه في الموضوع وبعفوية كعادة السودانيين من الريف إلى الحضر خاصة وأن الانطباع الشخصي أو الحقد يشوه جوهر النقد.لب الموضوع هو أن البروف غندور معروف لدى أهل السودان وعموم أفريقيا بحكم منصبه السابق كرئيس لنقابة عمال السودان ورئيس اتحاد عمال شرق أفريقيا ورئيس نقابات عمال أفريقيا منذ العام 1992م وعلى مدى 20 عاماً كما أنه مفاوض جيد لقضايا العمال في أفريقيا خلال اجتماعات منظمة العمل الدولية ودافع عن حقوق عمال السودان وخاصة فيما يتعلق بتحسين شروط الخدمة والامتيازات الأُخرى ولكن رياح السياسة هبت باتجاهه وغيرت مساره نحووزارة الخارجية للخارجيةثم هدأت .أصبح البروف غندور من أميز الوزراء الذين عملوا في الخارجية السودانية وله جمهور عريض من المحبين هناك لما يتمتع به من دماثة خلق وحسن تصرف حتى أن المرء ليظن أنه درس العلوم السياسية والاقتصادية والعلاقات الدولية والإعلام ، كما أبلى بلاءً حسناً في تحسين العلاقات الخارجية مع الدول الأخرى وشهد عهده افتتاح العديد من السفارات . ولا أحد ينكر دوره في التحسين والتطبيع الجزئي مع الولايات المتحدة الأمريكية حتى بات الإرهاق واضحاً في ملامح وجهه لأن التعامل مع دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية يتطلب قدراً كبيراً من الصبر والحكمة والحوار الهادئ. ثم أنه حاول بكل ما أُوتي من حكمة وحنكة إيجاد حل للقضايا الحدودية العالقة مع مصر كما يتضح في خطابه الأخير أمام البرلمان. وحيث أن المناصب مثل الآجال لا بد أن تنتهي في يوم من الأيام مع الأخذ في الاعتبارحديث الرسول عليه الصلاةوالسلام برواية أبي العباس عبد الله بن عباس”يا غلام إني أُعلمك كلمات إحفظ الله يحفظك، إحفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله ،وإذا استعنت فاستعن بالله،واعلم أن الأُمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا ما قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف.”فإن الإقالة شيء طبيعي وقد يتفرغ لخدمة البلاد بصورة أفضل حتى من خلال البرلمان. ومن هذه الزاوية ليس هناك شيء مخفي في علم السياسة اليوم ولكن الغريب في الموضوع هو أن البروف غندور أدلى بتصريحه من داخل البرلمان والمعروف أن أي عضو برلمان يتمتع بكامل الحصانة الدبلوماسية داخل البرلمان كما هو حال الحديث داخل مجلس الوزراء ، فالمتحدث يتمتع بكامل حرية التعبير وعلى ضوء هذا كان حديثه في إطار الحصانة الدبلوماسية. والشيء المدهش أنه لماذا لا يعلن البرلمان مناقشة هذه المسائل في جلسة مغلقة حتى يساهم كل عضو في إيجاد حل للقضية ثم يتم اتخاذ القرار المناسب؟. إذا كان البروف غندور أدلى بهذا التصريح لوسائل الإعلام فهو في هذا الصدد يكون قدارتكب خطأً ولكن من الواضح أن هناك خلل في مداولات البرلمان إذ من المفترض التمييز بين الجلسة المغلقة والمفتوحة وهذا هو السبب وراء اختيار الأعضاء ليناقشوا المسائل التي تهم الأُمة بكل شفافية ودو محاسبة. البروف غندور ساهم في نهضة الدبلوماسية السودانية ولكننا في السودان ظللنا نأخذ السيئة بعشرة أمثالها والحسنة بمثلها. وما يدل على ذلك هو الكم الهائل من الإساءة لشخص مثل السودان في المحافل الدولية ومع هذا لم ينطق صاحب الشأن حتى الآن بكلمة بل ظل يحتفظ بأسرار الدولة احتفاظ الطبيب بأسرار المريض. سيأتياليوم الذي يعرف فيه أهل السودان قدر الدبلوماسية والدبلوماسي إذ ليس عيباً أن يعترف وزيرما بوجود خلل في وزارته، وأذكر في هذا المثال تصريحات مماثلة لسفراء زامبيين بأنهم يعانون من عجز في مخصصات سفاراتهم ولم يستطيعوا سداد إيجارات المنازل وقد نشرت الصحف ذلك ولم يتعرضوا للمساءلة. ومع أن البنك المركزي صرح بأنه تم الاستيفاء بمستحقات الدبلوماسيين بنسبة 92% إلا أنه لو لم تكن هناك مشكلة حقيقية لما صرح البروف بذلك أما إذا حجب أحد المسؤولين في وزارة الخارجية المعلومات المتعلقة بالمعاملات المصرفية بين الخارجية والبنك المركزي عن الوزير فإن الكارثة أكبر. وحتى مع ما يقال بأنه أخطأ فإنه ينبغي النظر إلى الإيجابيات وتناول المسألة بموضوعية لا التجريح الذي يهلك صاحبه:”وهل يكب الناس على وجوهم في النار إلا حصاد ألسنتهم”.

muazin2@yahoo.cpm

00260975496272

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الثور في مستودع الخزف!

مناظير الخميس 26 يونيو، 2025مِن سخرية الأقدار أن الانقلابي عبد الفتاح البرهان سيشارك في مؤتمر …

اترك تعليقاً