إلى الثوار الشرفاء وصية .. بقلم: سعيد محمد عدنان – لندن – بريطانيا
3 يناير, 2019
المزيد من المقالات, منبر الرأي
31 زيارة
إن ثورتنا لصاعدة ولهيبها مباركٌ وشاقةً طريق الخلاص في مسعاها الموفّق برعاية الله، طريق النصر بأصالتها وصدقها بنيةٍ وعزيمةٍ خالصة من جمهورٍ عانى الظُلم وسرقة عرق جبينه وأمانة أجداده، ويحزّم نفسه ليواجه لصوصَ الإنقاذ وأسلحتَهم ورصاصَهم الجائر لتقتيلهم بدمٍ بارد، فدماؤنا هي المداد الذي نكتب به أمجاد بلدنا وصولات أبطالها.
إن كل حركة وكل هتاف من سواعدكم الفتية يا إخوتي ويا أبنائي ومن حناجركم الهادرة هي على هؤلاء الشياطين الانسية وابلٌ من الرصاص وصواعق من جحيمٍ طالما شبّت ثعابينهم على اعناق هذا الوطن ومواطنيه تشرب من دمه الصافي الزكي، وتنفث فيه سمومها من الفساد والريب حتى نفر منه كل العالم الذي طالما وقف دوماً إجلالاً له ورفع قبعته إحياءً لنبل وسمو مواطنيه.
فلا يغرونكم منهم من يترك كرسيه ليسرق كرسيكم، ولا يهبِّطنّكم منهم منادو ويلاتهم بأنكم ستخسرون وتدحرون، ولا يضًلّنّكم من العنصريين من الأمم التي لا يفهم أقوامها عن كيف تنشأ الشعوب الحرة وكيف تهِب، ولا تعرف ما هو النضال الشريف وعرق الجبين، ولا يتلاعب عليكم أشابين اليمين المتطرف فآباؤنا وأجدادنا نسجوا تراثاً يزخر بالبطولات والأصالة بالتبر والأبنوس، من رعيل الثورات والبطولات والحكمة والطَّول العالي.
أقبلوا الصديق في كل حال، وافتحوا باب التوبة لكل الرجال، ولكن لا تسمحوا من أيٍ منهم بالتدخل والاحتيال.
الثمن كان عالياً والفقد بات عزيز.
هذا النظام جاء وفي داخل كُمِّه موسوعة من الخبث لافتراس هذا الوطن وتحويله إلى ساحة حربٍ لأفكارهم المريضة… قالوا نحبس الشعب خمسة سنوات ونحرمه حياته اليومية حتى ينسى أو يرتبك، ونناوره بسياسةٍ لا يعرف فيها من نحن ومن عدونا، حتى يبيحوا ما بداخلهم ويجرموا أنفسهم بأنفسهم، وقد فعلوا، أول ثعبان يطلقوه من حقيبة الفجور التي أتوا بها.
فدعوا لمحاربة الفساد حتى يُفضي كل من لديه شكوى في ذلك بما يعرف. فكتبنا ووثقنا ووقفنا صفوفاً في مجلس الوزراء، وأنا أمرر نظري على الوُقوف من بروفسيرات، وأطباء ومهندسين ومفكرين وهيئات رهيبة من رجال هذا البلد وعماده وأهل النزاهة والشموخ، سلمنا شكاوانا لأننا حسب ما ساقتني إرادتي، أن “أصل مع الكذاب إلى خشم الباب”، ولا أرى في تلك الكفاءات النزيهة عشماً لهم في رد الحقوق من لصوص الحقوق، ولكن لنفس الهدف أن “يصلوا مع الكذاب إلى خشم الباب”، فكان لائمة الإفساد ما كان، فجمعوا ما يكفي لإقامة دولة الفساد المحصّنة: فاستعملوا ما غنموا لتركيع الفاسدين لسومهم للعمل معهم ابتزازاً، واختاروا من المشتكين من يتوجب ذبحه حتى تنتهي شهادته إما لآنها ضد أحد كوادرهم، أو لأنها تعترض عملية ابتزازهم. ولماذا الفساد بالذات؟ ما غرضهم المبكر هذا في الفساد؟ هل الجشع؟ هل تأمين مكاسبهم بيد أن الحكم لا زال في عمر تسنينه؟ وهل يُعقل أن يطب مقامر بحياته فقط من أجل الفساد؟ أم من أجل دوام الفساد، ولكن لمن يدوم؟ وكيف يتم ذلك في دولةٍ لا تعرف الفساد المنظم ومقبوليته؟
هنا الجوابُ لذلك كله: عندما قررت الإنقاذ إعلان وجهها العبوس بإخوانيتها وخطلها الديني بالحكم الديني حيث لا مكان لذلك، اتخذت جميع الكيانات الايدولوجية والأحزاب مقاطعة ذلك النظام، والذي بدأ أساساً بعزل الكفاءات ممن لا ينتمون لكيزان “مزيرتهم” من الخدمة المدنية وبقية مؤسسات الدولة، وشرّدوهم وسرقوا حقوقهم. ثم أتوا بكوادرهم التي قضت عمرها كله خارج السودان، لأنها لا تستسيغ حياة الكدح والنضال في السودان، ولكن بعد أن أمسكوا بجرة الذهب، فلتكن العودة للسودان.
ولكن ذلك الكادر لا يكفي، إضافةً إلى أنه لا يملك المعلومة ولا لديه معرفة بمفاصل الخدمة المدنية والسياسة والحراك الخفي فيها، فوضح لديهم عجزهم في ذلك وكانت الكيانات جميعها قد قامت بمحاربة نظامهم. وداعب بريق الذهب الماثل في الكادر الفاسد في أعينهم الجاحظة ونفوسهم الدنيئة، وحان الحصاد لما أثمرته سواقي وطواحين الشؤم
إنني أوصيكم لأنني عايشت وشهدت على تلك الحقبة من بناء الفساد الذي ذعن إليه هؤلاء كدربٍ سهل لسد رمقهم من النهب واعتلاء السلطة، بعد أن تمنّعت الكفاءات السودانية الأبية من السير في ركابهم الخادع الخزع، وقد سطرت تجاربي تحت نيرهم في المجالات الإسفيرية عن كيف كانوا يخططون للفساد عمداً وحباً له بحجة أنه الوسيلة الرذيلة لغايتهم الرفيعة بشعار “كل شيء لله” – وصولية رذيلة عن طريق فلسفة ما كيافيلي في الغاية تبرر الوسيلة – نظرية الزيف والمكر المخالفة للأديان كلها ومكارم الأخلاق أبداً.
فانتقوا من المنبوذين المسوَّدة صحيفتهم، انتقوا كل من كان له تأريخُ فاسد، وكنت وقتها في خندقٍ لمحاربة الفساد الذي طالما عانيت منه طوال عمري في السودان، وقد شجّعني واحدٌ من ضباط هذه الطغمة، فقد كان الضباط غير الكيزان لا يدرون عن ذلك الفساد وذلك التخطيط التحتي الخطير، كان ذلك الشخص هو مقرر اللجنة المالية لمجلس الوزراء وأعرف عن نزاهته وزهده، فهو من بلدي سنار، العميد بابكر محمد التوم، وكنت أفيده بكل ما يجري من فساد ومحاربة المسئولين لي، وقد ساعدني كثيراً في سعيي كما سردت في كتاباتي عن مواجهاتي للفساد في السودان، وأوصلني بمدير أمن المطار، كمال، وهو أخو العميد فيصل مختار من مجلس الثورة، وهو صديق لي أيضاً ومن سنار، وأعرفه في تعففه ونزاهته، فمددته بقصة فساد كبيرة أوصلها للبشير والذي أقام لها مجلس تحقيق وإيقاف الفاسدين، وسرعان ما تدخّل الإخوان وقلبوا الآية، وتم إبعاد مدير الأمن الذي كنت أستعين به وأتوا بآخر إسمه الرضي، والذي هددني بمسدس مشحون أنه سيفضيه في رأسي حتى انحني ولكني رفضت
وتم فصلي للصالح العام وحرمت من العمل في السودان، فهربت سراً إلى المهجر
إن العبرة هي أن فسادهم كان مقصوداً وممنهجاً ومبني على التهديد للابتزاز من الكوادر الفاسدة بحكم ما جمعوا من أدلةٍ ضدها، ثم استعانوا بها في تعيين الكوادر الجديدة التي يسري فيها نفس الابتزاز، أي أن تكون ضمانتهم على ذمة هؤلاء الفاسدين، وتدريب كوادرهم على طرق الفساد ودروبه، فهم كانوا رجال دين من قبل، ولكن بعقيدتهم أن السياسة خدمة للدين، سمحوا لأنفسهم بالغطس في بحور الفساد على أساس أنها مباحة من أجل الله…وشردوا الكفاءات من أجل الله، وانفتحوا على أبواب الشر من أجل الله وقفلوا باب الجهاد الحقيقي من أجل الله… وعبدوا الأصنام من أجل الله.
هذا هو كيفية عرسهم مع الفساد وتحطيمهم لأكرم العباد، وانخداعهم بسيفهم الحاد، وغيابهم عن الحق الجاد.
والحمد لله أن حقق الله تعالى مالم يكن في توقّعهم ونصراً من الله في توقّعنا، انتفض الشعب من الأقاليم قبل المدن، من الشباب قبل الكبار، من أبناء الكيان قبل معارضيه، يجمعهم ما وحّدهم وما سيقودهم للنصر: الصدق وقوة العزيمة….هؤلاء الشباب لم يدرسوا السياسة، ولم يترعرعوا في نظريات الاقتصاد، وليسوا كلهم من دينٍ واحد، وليسوا من عرقٍ واحد، ولا يحملون سلاحاً ولا يعرفون كيف يُستعمل السلاح، فسلاحهم إيمانهم و دروعهم عزيمتهم. فقط ما يجمعهم هو الحق والوطنية، عنهم الصدق وقوة العزيمة – فكيف لا يُنصرون؟ إن كل من سعى وكان سعيه صادقاً وصل وسيصل بعهدٍ من الله تعالى “ان هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا”، سورة الانسان، “إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى* فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى*وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى*وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى*وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى*فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى” سورة الليل.
إن الله ناصركم فما عليكم إلا صدق العزيمة والثبات والصبر، فهذا الوطن قد اختاركم أنتم لتقدموا له التضحيات والنضال الثابت، ولا لا تعادوا صديقاً ولا تأمنوا صديقاً ولا تخلقوا عدواً ولا تغفلوا عن عدوٍ: المائدة “ولا يجرمنكم شنآن قوم ان صدوكم عن المسجد الحرام ان تعتدوا وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الاثم والعدوان واتقوا الله ان الله شديد العقاب2″، المائدة “ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله ان الله خبير بما تعملون8”
إخوتي الأعزاء وأبنائي الأبطال: هذه مسيرتكم المسالمة ولا تحتاجون فيها غير المسالمة ولكن لا بد للثبات والعزم، لا تفتروا ولا تنخدعوا، فالغرض هو الرفض القومي والإضراب السياسي العام، فماذا سيفعل النظام؟ ولكن أسمحوا لمليشيات للإنضمام إليكم أو للأحزاب لتقود مسيرتكم فيجد النظام حجّته في عمالة أو خيانة أو تآمر يرميكم به، ليس لأن المليشيات المحاربة والأحزاب المنظمة بالضرورة خائنة أو خبيثة، ولكن على الأقل تأريخ مفاوضاتها الذي أبيناه كلنا منذ البداية يفسح للماكرين من ذلك الفساد ليدخلوا به على ضعفِ قد يكون آيلاً للقطف على حساب ثورتكم….
عززوا الثورة بالجماهير المسالمة فقط والاضراب السياسي العام، فهذه صورة نقية وجميلة لثورة حقيقية يكسوها الحق والاحترام وتمثل فعلاً صورة السودان الذي غاب عنا دهراً طويلاً
إن المجتمع العالمي بدأ يسمع عن ثورتكم وبدأ حراك في أوساط الشعوب المحبة للسلام وحقوق الإنسان والحريصة على الوقفة الثابتة ضد الحركة اليمينية التي انبثقت من نفس تيار الظلم والتجويع التي عانوا منها ولكنهم اختاروا طريق العداء والانشقاق، وهذا يحطم مسيرة الوحدة المبنية على الحق والحقوق، وهي مسيرة كانت دوماً هي مسيرة الخلاص، في كل الثورات وكل التطورات المجتمعية.
وأنتم الآن في ذلك الركب المظفر فحافظوا عليه والعالم ينظر إليكم إعجاباً وعند الله تعالى سيكون التوفيق حليفاً
وعاش كفاح الشعب الأبي
وعاشت الوحدة الوطنية السودانية وصفحتها الناصعة
izcorpizcorp@yahoo.co.uk
//////////////////