تباشير
وليد محجوب
يتسلل من بين سنين عمره الأربعين، ليرسم لوحاتٍ بخطوطٍ وئيدة، تشبه مشيته “الرايقة” على أرض الملعب. وبألوانٍ كأنه يختارها وقتما يشتهي، ليُغيَّر بها عدَّاد لوحة النتيجة، يعبث بأرقامها كما تعبث الريح بأوراق الشجر، فتنحني عليها لتُصنع السعادةَ بشِبَالٍ مُشتهى، وتنثني بغنجٍ يجعل القلوب ترِفُّ نشوةً وطرباً. كل ذلك يحدث حين يخرج فجأةً كسهمٍ مارق، لا أحد يعلم من أين انطلق، يشق الصفوف ويُصيب الأحداقَ ببرق لوحةٍ بارعة الجمال، حتى إن الخصوم يُصفقون له قبل المناصرين. تلك متعةٌ لا يصنعها سوى هذا البرغوث الساحر.
للحظةٍ، أصابني الشك بأن هذا الميسي يمتلك عينين كعيني الجرادة، يستطيع بهما استكشاف حركة زملائه والخصوم دون أن يُحرك رأسه، ويقيس المسافات بينهم دون أن يلحظه أحد. لأنه عندما يخترق صفوف الخصوم فجأةً، ويضع الكرة في الشباك بسرعة وئيدة، كمن يعود إلى بيته راجلاً بعد يوم عملٍ مرهق، لا يملك الحراس إلا متابعتها وهي تتهادى في الشباك. عندها تجد كل المحللين عاجزين عن فهم الطريقة التي صنع بها ثغرةً بالكاد ينفذ منها الضوء، لكنه ينفذ منها ليسجل هدفاً، أو يُرسل عبرها هداياه لزملائه، دون أن تسيطر عليه روح الأنا أو سوءة الأنانية.
يتحرك هذا الميسي مثل النسيم، يمشي وكأن الأمر لا يعنيه، واللاعبون حوله كمصارعي الثيران، يثيرون نقعَ الغبار جرياً، ويتعاركون بعنف. يتأخر فريقه فينفض شعره بيديه في ضيق، وأحياناً يغمض عينيه كمن لفحته السموم فجأة، ثم يعاود المسير في الملعب كمن يحتمي بظل شجرةٍ وارفة ليرتاح.
يوقن كل من في أرض الملعب والمدرجات، ومن يشاهدونه خلف الشاشات، أن الأمر قد حُسِم. لكنه سرعان ما يُلقي شيئاً من سحره، فيسعى إلى صنع فرصٍ لزملائه، يحسنون استثمار بعضها، ويخفقون في بعضها الآخر، ويُشعل القلوب سعادةً بنفسه حين يسجل بعضها بنفسه. وحتى حين تقف قوائم المرمى وعارضته مع خصومه، يُخضِعها لأمره، فيُخَيَّل للرائي أنها تتسع له وحده، حين تضيق بغيره.
لكن أجمل اللوحات يرسمها حين يُؤثِر زملائه على نفسه، ويصنع لهم الفرص تلو الفرص دون أن يفكر في محاولة صنع مجدٍ فردي غير مسبوق. بهذه الطريقة الفريدة، يُقدم دروساً عملية للشباب مفادها أن اكتمال النجاح في كل المحافل لا يتأتى إلا من خلال العمل الجماعي، لا السعي الفردي. وحين يتعرض للعنف غير المبرر، يُعاقب المخطئين في حقه بهزيمتهم، بدلاً من التعدي عليهم وحرمان فريقه من لاعبٍ مهم ببطاقة حمراء. إذاً، الأمر لا يقتصر فقط على ارتشاف كؤوس متعة لا مثيل لها في كرة القدم، بل من خلال دروس ترتقي بمستوى الحياة التي نعيشها.
ظل ميسي يُثبت أن معدنه مختلف في كل الفرق التي لعب لها، وذلك بفضل ما غرسته فيه مدرسة اللاماسيا، حيث أُحسِنت تربيته وتطورت موهبته. وهنا تقفز أمنيةٌ وتقف أمامي: أن يرزقنا الله حكومةً مدنيةً طاقمها في مثل مهارة ميسي، وقدرته على تطويع إمكانات الفريق كله لإحداث تغييرات إيجابية كلما تأخروا، وفي غيرته على شعار وطنه، ومساعدته لزملائه حتى يحققوا معاً البطولات، دون التفكير في أمجاد شخصية أو أرقام قياسية فردية، وفي حنكة تعامله مع خصومه، ومقدرته على هزيمتهم وحسم تطاولهم عليه. اللهم إنا نسألك، فلا تردنا خائبين.
kairi.2win@gmail.com
