استبداد عابر للحدود … والقارّات .. بقلم: أحمد المكاشفي

تملأ الفضائيات وتشغل اسماع الناس هذه الايام أخبارُ الأزمة الشديدة التي تتعرّض لها العلاقات السعودية اللبنانية. وهي أزمة اشعل فتيلها تصريحٌ كان قد ادلى به قبل شهر او يزيد وزيرُ الاعلام اللبناني الحالي جورج قرداحي وصف فيه حرب السعودية في اليمن بالعبثية (لم يكن قرداحي، حين قال ما قال، يشغل منصباً رسمياً في لبنان).

السعودية، وغيرها من قلاع الاستبداد في منطقتنا، لا تكتفي بتكميم افواه مواطنيها وسلب حقوقهم في إبداء الرأي في الشأنين الداخلي والخارجي، بل تسعى لملاحقة من يوجه إليها اي نقد من اهل البلاد العربية الاخرى، حتى لو صدر بدافعٍ من الاشفاق والحدب الاخوي!! وهذا من عجائب وغرائب المنطقة العربية!

لا يكاد يمر يوم الا ونسمع فيه اخباراً عن ملاحقة السعودية والامارات لمنتقديهم في هذا البلد او ذاك. رأيناهم يفعلون ذلك مع المفكر الكويتي الكبير الدكتور عبدالله النفيسي الذي تعرض للاعتقال والمحاكمة في بلده الكويت بسبب انتقاده لبعض سياسات المملكة، وفعلوا ذات الشيء مع كُتّاب من مصر وتونس وغيرهما، بل امتد بطشهم ليشمل حتى المعارضين لحكومات بلدان اخرى في افريقيا وآسيا؛ فهم لا يكفّون عن التربص بمن يمرّ بمطاراتهم من هؤلاء المُعارضين، وقد تسامع العالم أجمع بما فعلوه بالمعارض الرواندي بول روسيساباجينا الذي ساقه تقديره السييء الى الامارات وهو في طريقه الى بورندي، فالقت سلطات الامن في الامارات القبض عليه في مطار دبي ونقلوه بليل، في طائرة خاصة، الى رواندا ليضعوه في قبضة نظامها العضوض بقيادة بول كيغامي، ذلك الطاغية الذي يتظاهر بالتقدمية، ويُستقبل في الغرب على اساس انه من رواد التنوير والتعمير والتغيير في افريقيا، رغم انه في حقيقة الامر مستبدُ متجبّر يسحقُ بيدٍ من حديد كل من يجروء على ان يقول له لا من الشعب الرواندي.

وينبغي التنويه إلى انّ هذه الملاحقات لمُنتقدي انظمة القمع العربية في الخارج لا تشمل قادة الرأي والمسئولين الغربيين. إذ لا تكاد تخلو إصدارة جديدة من صحف ومجلات الغرب الكبرى من نقد ذريع لممارسات انظمة القمع العربية هذه، إلا أنك لا تسمع من هذه الانظمة العربية أي زمجرة او احتجاج او ملاحقة لمُنشئي هذه الانتقادات من المسئولين والإعلاميين الغربيين او أيّ تهديد لبلدانهم! ليس هذا فحسب، بل إنّ هؤلاء الكُتّاب والمسئولين الغربيين يُستقبلون بكل حفاوة عندما يزورون هذه الدول العربية المستبدة، ويُكرمون أيما إكرام، ويُمكّنون من الالتقاء بمن يشاؤون من العامة والخاصة في هذه البلدان. وقد تابعتُ باندهاش الحفاوة البالغة التي أُغْدِقَت على الكاتب الصحفي الامريكي من اصل يهودي، توم فريدمان، إبّان زيارته للسعودية رغم انه كان قد وجّه قبل زيارته للملكة نقداً عنيفاً لحكومتها، خاصّاً ولي عهدها، محمد بن سلمان، باقذع الاوصاف وأقساها، وذلك في سلسلة مقالات له في هذا الشأن نشرتها صحيفة نيويورك تايمز الامريكية واسعة الانتشار! أسدٌ عليَّ………

لا يحق للمملكة ان تُنكّل بشخص من دولة اخرى عبّر عن رأيه حول حرب اليمن او غيرها من الموضوعات، أو ان تبتزه بسبب ممارسته لهذا الحق الأصيل، او ان تتذرع بتصريحه لابتذاذ بلاده وقطع العلاقات معها ومحاصرتها اقتصادياً. اقول هذا رغم انني اختلف مع قرداحي من جهتين:
–اولاً من جهة وصفه للحرب السعودية في اليمن بالعبثية. فهذه الحرب، في رأيي، دوافعها ليست عبثية، ولها مسوِّغات قوية ومنطقية أبرزها ضرورة التصدي لمساعي إيران للالتفاف على دول المنطقة، مثل السعودية، لابتزازها وتهديد استقرارها والتحكم بها، مباشرةً او بواسطة أدواتها في المنطقة–مثل حزب الله وجماعة الحوثي اليمنية، يشهد لهذا سلوك إيران في العراق وسوريا ولبنان. فإيران، لمن يُلقي السمع والبصر وهو شهيد، لا تريد خيراً بجيرانها من دول المنطقة، وهي بعد تصدُرُ في سياساتها تجاه الدول العربية السُنّية عن حقد طائفي عميق ومُحيّر. على أنني أقرُّ بأن ادارة التحالف السعودي الاماراتي لحربهما في اليمن تتسم بالتخبط والعجز والفشل الذي لا يليق بدولتين مثل المملكة السعودية والإمارات واللتين تُصنّفان ضمن اكثر دول العالم انفاقاً على التسلح والاستعداد العسكري، ومع هذا عجزا عجزاً فاضحاً عن الانتصار على مليشيا لا يربو عدد افرادها على بِضعة آلاف وتخضع لحصار بري وبحري وجوي صارم!!
— واختلفُ ايضاً مع قرداحي من جهة اننا لم نسمع له قط تصريحاً ينتقد فيه حرب الابادة الفظيعة التي يشنّها تحالف ايران ونظام اسرة الاسد العلوي وحزب الله ضد الاغلبية السنية في سوريا المنكوبة. لِقرداحي الحق في انتقاد حرب اليمن، الا انه سيبدو مُنافقاً يكيل بميعيارين حين يصمت صمت القبور تجاه ما تتعرض له الاغلبية السنية في سوريا المجاورة لبلاده من ذبح وتقتيل وتهجير على يد النظام السوري وحلفائه من الروس والفرس والشيعة اللبنانيين.

حُكّام الامارات والسعودية وغيرهما من الانظمة الاستبدادية العربية واهمون ان ظنوا ان ملاحقتهم لمنتقديهم في الداخل والخارج ستمنعهم من بأس يدِ التحرر القوية التي تدقّ أبواب حصونهم الاستبدادية الرعديدة ليلَ نهار. لقد آن الاوان لهذه الانظمة ان تُدرك أنّ التغيير والتحرر وذهاب حكم الاستبداد في المنطقة العربية حتمٌ مقضيٌّ لن يقف له شي؛ فمن الخير لهذه الانظمة ان تتفهم روح هذا العصر وحتمياته، وان تصطلح مع شعوبها وتتحاور معهم للوصول الى صيغة حكم جديدة تضمن، على الاقل، نهاية متدرجة لانظمتهم القرووسطية الظلامية هذه، وتجنّبها السقوط الداوي العنيف. فإما ان تتغيّر هذه الانظمة وتتكيف مع روح العصر الحالي وتستجيب لدعوة الحرية والمشاركة الشعبية، او ان تكون كما قال احد الشعراء الاوربيين:
The fool who draws his sword against the future.
اي بعبارة عربية: أخرقٌ يشهرُ سيفه في وجه المستقبل.
إن التغيير والعدالة والتحرر والشورى والمشاركة الشعبية في الحكم هي المستقبل المحتوم، ومن يعاند المستقبل سيندحرُ لا محالة.

 

mikashfi@outlook.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

البرهان كطاغية يتشوَّق للطغيان!! .. بقلم: عبدالله مكاوي

abdullahaliabdullah1424@gmail.com بسم الله الرحمن الرحيم يبدو ان البرهان ككل طاغية مستبد، يطابق بين بقاءه في …

اترك تعليقاً